في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (46)

44

كذلك صور القرآن موقف المناداة والمناجاة من جانب الطور بدقة وعمق : ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا )وما سمع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] النداء ، وما سجل في وقتها تفصيلاته . ولكنها رحمة الله بقومه هؤلاء ، أن قص عليه تلك الأنباء الدالة على صدقه [ صلى الله عليه وسلم ] فيما يدعوهم إليه ، لينذر هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبله - فقد كانت الرسالات في بني إسرائيل من حولهم ، ولم يرسل إليهم رسول منذ أمد طويل ، منذ أبيهم إسماعيل : ( لعلهم يتذكرون ) .

فهي رحمة الله بالقوم . وهي حجته كذلك عليهم ، كي لا يعتذروا بأنهم أخذوا على غرة ، وأنهم لم ينذروا قبل أخذهم بالعذاب - وما هم فيه من جاهلية وشرك ومعصية يستوجب العذاب - فأراد الله أن يقطع حجتهم ، وأن يعذر إليهم ، وأن يقفهم أمام أنفسهم مجردين من كل عائق يعوقهم عن الإيمان :

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (46)

قوله : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } أي لم تكن يا محمد بجانب الطور وقت ندائنا موسى { إني أنا الله رب العالمين } أو وقت إنزال التوراة عليه وإرساله للناس رسولا .

قوله : { وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } { رحمة } ، منصوب على المصدر ، أي ولكن رحمناك رحمة . وقيل : منصوب على أنه خبر كان مقدرة . وتقديره : ولكن كان رحمة من ربك . وقيل : منصوب على أنه مفعول لأجله . وتقديره : ولكن فعل ذلك لأجل الرحمة{[3508]} والمعنى : ولكن أرسلناك يا محمد بالقرآن وفيه إخبار لقومك عن أنباء النبيين السابقين وقصص الأمم الغابرة ، رحمة من الله بك وبالعباد ، إذ تنذرهم بالقرآن وتعلمهم ما لم يكونوا يعلمون من قبل أن تأتيهم ؛ إذ لم يأتهم قبلك من نذير وذلك في زمان الفترة بينك وبين المسيح وهي خمسمائة وخمسون سنة .

قوله : { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي يعتبرون ويتعظون بإنذارك لهم وبما تتلوه عليهم من الآيات البينات .


[3508]:البيان لابن الأنباري ج 2 ص 234.