وفي نهاية الدرس الذي ابتدأ بيانا لما في سلوك أهل الكتاب من انحراف ، وكشفا لما في جدالهم من مغالطة ، وفضحا لما يريدونه بالمسلمين من سوء ، وتوجيها للجماعة المسلمة لتنهض بتكاليفها ، دون أن تلقي بالا إلى المجادلين المنحرفين الفاسقين . . في نهاية هذا الدرس ، ونهاية هذا المقطع الطويل من السورة كلها يجيء التحذير للجماعة المسلمة من أن تتخذ من أعدائها الطبيعيين بطانة ، وأن تجعل منهم أمناء على أسرارها ومصالحها ، وهم للذين آمنوا عدو . . يجيء هذا التحذير في صورة شاملة خالدة ، ما نزال نرى مصداقها في كل وقت ، وفي كل أرض . صورة رسمها هذا القرآن الحي ، فغفل عنها أهل هذا القرآن . فأصابهم من غفلتهم وما يزال يصيبهم الشر والأذى والمهانة :
( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا . ودوا ما عنتم . قد بدت البغضاء من أفواههم ، وما تخفي صدورهم أكبر . قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون . ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ، وتؤمنون بالكتاب كله ، وإذا لقوكم قالوا : آمنا ، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ . قل : موتوا بغيظكم ، إن الله عليم بذات الصدور . أن تمسسكم حسنة تسؤهم ، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها . وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا . إن الله بما يعملون محيط ) . .
إنها صورة كاملة السمات ، ناطقة بدخائل النفوس ، وشواهد الملامح ، تسجل المشاعر الباطنة ، والانفعالات الظاهرة ، والحركة الذاهبة الآيبة . وتسجل بذلك كله نموذجا بشريا مكرورا في كل زمان وفي كل مكان . ونستعرضها اليوم وغدا فيمن حول الجماعة المسلمة من أعداء . يتظاهرون للمسلمين - في ساعة قوة المسلمين وغلبتهم - بالمودة . فتكذبهم كل خالجة وكل جارحة . وينخدع المسلمون بهم فيمنحونهم الود والثقة ، وهم لا يريدون للمسلمين إلا الاضطراب والخبال ، ولا يقصرون في اعنات المسلمين ونثر الشوك في طريقهم ، والكيد لهم والدس ، ما واتتهم الفرصة في ليل أو نهار .
وما من شك أن هذه الصورة التي رسمها القرآن الكريم هذا الرسم العجيب ، كانت تنطبق ابتداء على أهل الكتاب المجاورين للمسلمين في المدينة ؛ وترسم صورة قوية للغيظ الكظيم الذي كانوا يضمرونه للإسلام والمسلمين ، وللشر المبيت ، وللنوايا السيئة التي تجيش في صدورهم ؛ في الوقت الذي كان بعض المسلمين ما يزال مخدوعا في أعداء الله هؤلاء ، وما يزال يفضي إليهم بالمودة ، وما يزال يأمنهم على أسرار الجماعة المسلمة ؛ ويتخذ منهم بطانة وأصحابا وأصدقاء ، لا يخشى مغبة الإفضاء إليهم بدخائل الأسرار . . فجاء هذا التنوير وهذا التحذير ، يبصر الجماعة المسلمة بحقيقة الأمر ، ويوعيها لكيد أعدائها الطبيعيين ، الذين لا يخلصون لها أبدا ، ولا تغسل أحقادهم مودة من المسلمين وصحبة . ولم يجيء هذا التنوير وهذا التحذير ليكون مقصورا على فترة تاريخية معينة ، فهو حقيقة دائمة ، تواجه واقعا دائما . . كما نرى مصداق هذا فيما بين أيدينا من حاضر مكشوف مشهود . .
والمسلمون في غفلة عن أمر ربهم : ألا يتخذوا بطانة من دونهم . بطانة من ناس هم دونهم في الحقيقة والمنهج والوسيلة . وألا يجعلوهم موضع الثقة والسر والاستشارة . . المسلمون في غفلة عن أمر ربهم هذا يتخذون من أمثال هؤلاء مرجعا في كل أمر ، وكل شأن ، وكل موضع ، وكل نظام ، وكل تصور ، وكل منهج ، وكل طريق !
والمسلمون في غفلة من تحذير الله لهم ، يوادون من حاد الله ورسوله ؛ ويفتحون لهم صدورهم وقلوبهم . والله سبحانه يقول للجماعة المسلمة الأولى كما يقول للجماعة المسلمة في أي جيل :
( ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) . .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبهم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ) .
روي عن ابن عباس وغيره في هذه الآية أنها نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والخلف والجوار والرضاع ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم{[571]} .
يحذر الله عباده المؤمنين من الاغترار بالمنافقين وأهل الكتاب لما يسري على ألسنتهم من حسن الكلام الخادع المنمق فيتخذون منهم الأولياء والأصدقاء ، ويطلعونهم على أسرارهم ودخائلهم ، ويظهرونهم على ما خفي من أحوالهم . وذلك في الجملة .
لكن الأعتى من ذلك وأشد خطورة أن يتخذ بعض المتسلطين على رقاب المسلمين والمتحكمين فيهم من القادة والساسة والزعماء الظالمين- أن يتخذوا أصدقاء لهم أعوانا من المنافقين وأهل الكتاب من ذوي البراعة والاقتدار على اصطناع الحديث الفاتن الغرور ليوسدوهم كثيرا من مقاليد الدولة والبلاد ما بين وزراء وخبراء ومستشارين ومستأمنين وقادة عساكر . لا جرم أن هذه فادحة من فوادح الساسة الظالمين الذين يحكمون المسلمين بالحديد والنار والكفر . فادحة خطيرة تفضي بأسرار الدولة والمسلمين إلى الإفشاء والشيوع ، وتمكن للأعداء من الوقوف على أسرار الدولة والبلاد . لا جرم أن ذلك مدخل للأعداء والمتربصين ينفذون منه ليكيدوا للمسلمين كيدا وليضعفهم ويدمروهم إن شاءوا . وذلك هو مقتضى قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) البطانة ، مصدر يسمى به الواحد والجمع . وبطانة الرجل خاصة أهله الذين يطلعون على داخل أمره . وأصله من البطن خلاف الظهر . ومنه بطانة الثوب خلاف ظهارته{[572]} .
وقوله : ( من دونكم ) أي من غيركم من أهل الأديان والمنافقين الذين لا يؤتمنون على أسراركم وأستاركم مخافة أن يفشوها للأعداء والمتربصين ، وفي الحديث عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت لهم بطانتان ، بطانة تأمر بالخير وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه . والمعصوم من عصمه الله " {[573]} .
وعن ابن أبي الدهقانة قال : قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إن ههنا غلاما من أهل الحيرة حافظ كاتب فلو اتخذته كاتبا ، فقال : قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين .
وفي هذا الأثر ما يدل على أن المشركين لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم مخافة إفشائها إلى الأعداء والمتربصين ، وكذا المنافقون الذي سجيتهم الخداع والخيانة والذين مردوا على التدسس وإخفاء الحقد ليكيدوا للإسلام والمسلمين كيدا .
قوله : ( لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم ) يألونكم ، فعله : ألا يألو . أي قصر يقصر . لا آلو جهدا بمعنى لا اقصر . والخبال معناه الفساد ، ومنه الخبل بسكون الباء وهو فساد الأعضاء . والخبل بالفتح معناه الجن . اختبله أي أفسد عقله أو عضوه . فالمراد من قوله : ( لا يألونكم خبالا ) أن هذه البطانة من المشركين والمنافقين لا يقصرون فيما فيه إفسادكم . وجملة ( لا يألونكم ) في محل نصب صفة لبطانة .
قوله : ( ودوا ماعنتم ) من العنت وهو المشقة ، وما مصدرية ، فيكون المعنى : ودوا عنتكم ، أي ما يضركم ويشق عليكم .
قوله : ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) البغضاء : العداوة وأشد البغض والمقصود أن هؤلاء المتدسسين الماكرين الذين اتخذتموهم لكم خاصة وأعوانا ، يضمرون لكم بالغ الكراهية والحقد . وهم مهما تكلفوا في اصطناع المجاملة وحسن الحديث ، فإن مكنون قلوبهم من الغيظ والخنق يتبدى على قسمات وجوههم وفلتات لسانهم مما يندلق من أفواههم من عبارات لئيمة تفيض بالبغضاء وفساد الضمير . ومع ذلك فإن ما يستكن في أغوار قلوبهم من شدة الغيظ والكراهية لهو أشد وأعظم مما يتفلت من أشداقهم بين الحين والآخر من كلمات مشحونة بالمكر والسوء والحسد ؛ ولذلك قال سبحانه : ( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر ) .
وقوله : ( قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) يعني قد بينا لكم من أمر هؤلاء المشركين المخادعين ما تعتبرون به وتتعظون إن كنتم تفهمون مثل هذه العبر والمواعظ وتتدبرونها وتأخذون بها ؛ لما فيها من تنبيه لكم وترشيد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.