في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ} (55)

51

ويحدد الله للذين آمنوا جهة الولاء الوحيدة التي تتفق مع صفة الإيمان ؛ ويبين لهم من يتولون :

( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )

هكذا على وجه القصر الذي لا يدع مجالا للتمحل أو التأول ؛ ولا يترك فرصة لتمييع الحركة الإسلامية أو تمييع التصور . .

ولم يكن بد أن يكون الأمر كذلك ! لأن المسألة في صميمها - كما قلنا - هي مسألة العقيدة . ومسألة الحركة بهذه العقيدة . وليكون الولاء لله خالصا ، والثقة به مطلقة ، وليكون الإسلام هو " الدين " . وليكون الأمر أمر مفاصلة بين الصف المسلم وسائر الصفوف التي لا تتخذ الإسلام دينا ، ولا تجعل الإسلام منهجا للحياة . ولتكون للحركة الإسلامية جديتها ونظامها ؛ فلا يكون الولاء فيها لغير قيادة واحدة وراية واحدة . ولا يكون التناصر إلا بين العصبة المؤمنة ؛ لأنه تناصر في المنهج المستمد من العقيدة . .

ولكن حتى لا يكون الإسلام مجرد عنوان ، أو مجرد راية وشعار ، أو مجرد كلمة تقال باللسان ، أو مجرد نسب ينتقل بالوراثة ، أو مجرد وصف يلحق القاطنين في مكان ! فإن السياق يذكر بعض السمات الرئيسية للذين آمنوا :

( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، وهم راكعون ) . .

فمن صفتهم إقامة الصلاة - لا مجرد أداء الصلاة - وإقامة الصلاة تعني أداءها أداء كاملا ، تنشأ عنه آثارها التي يقررها قوله تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر . . والذي لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، لم يقم الصلاة ؛ فلو أقامها لنهته كما يقول الله !

ومن صفتهم إيتاء الزكاة . . أي أداء حق المال طاعة لله وقربى عن رضى نفس ورغبة . فليست الزكاة مجرد ضريبة مالية ، إنما هي كذلك عبادة . أو هي عبادة مالية . وهذه هي ميزة المنهج الإسلامي . الذي يحقق أهدافا شتى بالفريضة الواحدة . وليس كذلك الأنظمة الأرضية التي تحقق هدفا وتفرط في أهداف . .

إنه لا يغني في إصلاح حال المجتمع أن يأخذ المجتمع المال ضريبة [ مدنية ! ] أو أن يأخذ المال من الأغنياء للفقراء باسم الدولة ، أو باسم الشعب ، أو باسم جهة أرضية ما . . فهي في صورتها هذه قد تحقق هدفا واحدا ؛ وهو إيصال المال للمحتاجين . .

فأما الزكاة . . فتعني اسمها ومدلولها . . إنها قبل كل شيء طهارة ونماء . . إنها زكاة للضمير بكونها عبادة لله . وبالشعور الطيب المصاحب لها تجاه الإخوان الفقراء ، بما أنها عبادة لله يرجو عليها فاعلها حسن الجزاء في الآخرة ، كما يرجو منها نماء المال في الحياة الدنيا بالبركة وبالنظام الاقتصادي المبارك . ثم بالشعور الطيب في نفوس الفقراء الآخذين أنفسهم ؛ إذ يشعرون أنها فضل الله عليهم إذ قررها لهم في أموال الأغنياء ؛ ولا يشعرون معها بالحقد والتشفي من إخوانهم الأغنياء [ مع تذكر أن الأغنياء في النظام الإسلامي لا يكسبون إلا من حلال ولا يجورون على حق أحد وهم يجمعون نصيبهم من المال ] . . وفي النهاية تحقق هدف الضريبة المالية في هذا الجو الراضي الخير الطيب . . جو الزكاة والطهارة والنماء . .

وأداء الزكاة سمة من سمات الذين آمنوا تقرر أنهم يتبعون شريعة الله في شئون الحياة ؛ فهي إقرار منهم بسلطان الله في أمرهم كله . . وهذا هو الإسلام . .

( وهم راكعون ) . .

ذلك شأنهم ، كأنه الحالة الأصلية لهم . . ومن ثم لم يقف عند قوله : ( يقيمون الصلاة ) . . فهذه السمة الجديدة أعم وأشمل . إذ أنها ترسمهم للخاطر كأن هذا هو شأنهم الدائم . فأبرز سمة لهم هي هذه السمة ، وبها يعرفون . .

وما أعمق إيحاءات التعبيرات القرآنية في مثل هذه المناسبات !

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ} (55)

قوله : { إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا } بعد أن نهى الله في الآيات السابقة عن موالاة الكافرين ذكر عقب ذلك من هو حقيق بالموالاة بطريق القصر في قوله : { إنما } فلا تنبغي الموالاة لأحد من المشركين الذين يحادون الله ورسوله والذين يكيدون للإسلام والمسلمين في كل آن ، وهذا ديدنهم في كل حال . بل الموالاة لله وحده ولرسوله والمؤمنين . أي أن الكلمة { إنما } تفيد وجوب اختصاص المذكورين بالموالاة وهو الله ورسوله والمؤمنون دون غيرهم من الخلق . أما قوله : { وليكم } بالإفراد وليس الجمع ، إذ لم يقل أوليائكم ، فتأويله أن أصل الكلام : إنما وليكم الله . فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة ثم جعلت لرسول الله والمؤمنين على سبيل التبع .

أما المراد بقوله : { والذين ءامنوا } فهو عامة المؤمنين ، وذلك لأن عبادة بن الصامت لما تبرأ من اليهود وقال : أنا بريء إلى الله من حلف قريظة والنضير ، وأتولى الله ورسوله هذه الآية على وفق قوله . وروي كذلك أن عبد الله بن سلام قال : يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية فقال : رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء . وهذا يدل على أن الآية عامة في حق كل المؤمنين ، فكل مؤمن هو ولي كل المؤمنين . يدل على ذلك قوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } .

وروي عن ابن عباس أن المراد بالذين آمنوا ، علي بن أبي طالب . وفي رواية عنه أخرى أن المراد هو أبو بكر . والصحيح القول الأول ، وهو أن المراد كل المؤمنين ، استنادا إلى عموم الآية هذه وغيرها من الآيات الدالة على أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض .

قوله : { الذين يقيمون الصلاة } الذين بدل من الذين آمنوا . أو صفة له ، أو خبر لمحذوف تقديره هم . أو النصب على المدح . والغرض من ذكر المؤمنين هنا هو تمييز المخلصين منهم عمن يدعون الإيمان وهو مفرطون ، لكن المؤمنين الخلص يكشف عن صدقهم وإخلاصهم أداؤهم للصلاة وإيتاؤهم للزكاة . . وهذا مقتضى قوله : { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة } .

وقوله : { وهم راكعون } الواو للحال . والجملة حالية . أي يعملون ذلك حال الركوع وهو بمعنى الخشوع والخضوع والإخبات والتواضع أي أنهم يصلون ويزكون وهو خاضعون منقادون لأوامر الله ونواهيه . وقيل : المقصود بالركوع الصلاة . وقد خص الركوع بالذكر تشريفا له كقوله تعالى : { واركعوا مع الراكعين } . وقيل : حال من فاعل الزكاة . أي أنهم يؤتون الزكاة في حال ركوعهم في الصلاة . فقد ذكر أنها نزلت في علي كرم الله وجهه عندما سأله سائل وهو راكع في صلاته فنزع خاتمه من خنصره فطرحه له متصدقا به عليه على سبيل التطوع . ونميل للتأويل الأول على أنه الراجح ، لأن محل لفظ الزكاة على التصدق بالخاتم فيه بعد . ذلك أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها الخاص بها وهو الزكاة المفروضة فهي اسم للواجب لا للمندوب{[1008]} .

على أن اعتبار قوله : { وهو راكعون } حالا من قوله : { ويؤتون الزكاة } أي في حال ركوعهم ، فيه ضعف . لأنه لو كان ذلك كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره ، لأنه مذكور هنا في معرض المدح . وهو ما لا يقوله من يعتبر قوله .


[1008]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 133 وفتح القدير ج 2 ص 51 والكشاف ج 2 ص 623، 624 وتفسير الرازي ج 12 ص 27- 33.