ثم يجيء الإيقاع الثاني موصولا بالإيقاع الأول ومتمما له : ( قل : إني على بينة من ربي ؛ وكذبتم به ، ما عندي ما تستعجلون به . إن الحكم إلا لله ، يقص الحق ، وهو خير الفاصلين )
وهو أمر من الله - سبحانه - لنبيه [ ص ] أن يجهر في مواجهة المشركين المكذبين بربهم - بما يجده في نفسه من اليقين الواضح الراسخ ، والدليل الداخلي البين ، والإحساس الوجداني العميق ، بربه . . ووجوده ، ووحدانيته ، ووحيه إليه . وهو الشعور الذي وجده الرسل من ربهم ، وعبروا عنه مثل هذا التعبير أو قريبا منه :
قالها نوح - عليه السلام - : ( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ؟ أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ؟ ) . .
وقالها صالح - عليه السلام - : قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة ، فمن ينصرني من الله إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخسير . .
وقالها إبراهيم - عليه السلام - : ( وحاجه قومه . قال : أتحاجوني في الله وقد هدان ؟ )
وقالها يعقوب - عليه السلام - لبنيه( فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا . قال ألم أقل لكم : إني أعلم من الله ما لا تعلمون ؟ ) . .
فهي حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب أوليائه ؛ ممن يتجلى الله لهم في قلوبهم ؛ فيجدونه - سبحانه - حاضرا فيها ؛ ويجدون هذه الحقيقة بينة هنالك في أعماقهم تسكب في قلوبهم اليقين بها . وهي الحقيقة التي يأمر الله نبيه أن يجهر بها في مواجهة المشركين المكذبين ؛ الذين يطلبون منه الخوارق لتصديق ما جاءهم به من حقيقة ربه ، الحقيقة التي يجدها هو كاملة واضحة عميقة في قلبه :
( قل إني على بينة من ربي ، وكذبتم به ) . .
كذلك كانوا يطلبون أن ينزل عليهم خارقة أو ينزل بهم العذاب ، ليصدقوا أنه جاءهم من عند الله . . وكان يؤمر أن يعلن لهم حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول ؛ وأن يفرق فرقانا كاملا بينها وبين حقيقة الألوهية ؛ وإن يجهر بأنه لا يملك هذا الذي يستعجلونه ؛ فالذي يملكه هو الله وحده ؛ وهو ليس إلها ، إنما هو رسول :
( ما عندي ما تستعجلون به ، إن الحكم إلا لله ، يقص الحق وهو خير الفاصلين )
إن إيقاع العذاب بهم بعد مجيء الخارقة وتكذيبهم بها حكم وقضاء ؛ ولله وحده الحكم والقضاء . فهو وحده الذي يقص الحق ويخبر به ؛ وهو وحده الذي يفصل في الأمر بين الداعي إلى الحق والمكذبين به . وليس هذا أو ذلك لأحد من خلقه .
وبذلك يجرد الرسول [ ص ] نفسه من أن تكون له قدرة ، أو تدخل في شأن القضاء الذي ينزله الله بعباده . فهذا من شأن الألوهية وحدها وخصائصها ، وهو بشر يوحي إليه ، ليبلغ وينذر ؛ لا لينزل قضاء ويفصل . وكما أن الله سبحانه هو الذي يقص الحق ويخبر به ؛ فهو كذلك الذي يقضي في الأمر ويفصل فيه . . وليس بعد هذا تنزيه وتجريد لذات الله - سبحانه - وخصائصه ، عن ذوات العبيد . .
قوله : { قل إني على بينة من ربي وكذبتم به } أي قل لهؤلاء المشركين الذين يدعونك إلى الإشراك بالله معهم : إني على بينة من ربي . أي على برهان ودلالة ويقين من ربي أنني على الحق وهو التوحيد الخالص الكامل لله ولإخلاص العبودية المطلقة له وحده من غير إشراك في ذلك البتة .
وقوله : { وكذبتم به } الضمير في { به } يعود على ربي . والمراد أنني آمنت بربي وامتثلت لأمره وتوجهت إليه وحده دون أحد سواه ، وأنتم كذبتم به وأشركتم به من الأنداد والأرباب المصطنعة ما لم ينزل به من الله سلطان .
قوله : { ما عندي ما تستعجلون } نزلت في النضر بن الحارث ورؤساء قريش كانوا يقولون : يا محمد ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم . فنزلت هذه الآية{[1181]} والذي يستعجلون به هو العذاب . فإنهم لشدة جحودهم وتكذيبهم كانوا – على سبيل التهكم والاستهزاء – يستعجلون نزول العذاب والنقم بهم . وذلك كقولهم : { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } فأمر الله نبيه الكريم أن يقول لهؤلاء العتاة أهل الباطل : ما تستعجلونه من العذاب والنقم ليس بيدي ولا أنا بقادر على ذلك وإنما أنا رسول الله ، وما علي إلا البلاغ لما أرسلت به . والله جلت قدرته يقضي بالحق ويفصل به بيني وبينكم فيتبين المحق من المبطل . وهو سبحانه لا يقع في حكمه جور ولا حيف فهو أعدل العادلين ؟
لذلك قال : { إن الحكم إلا لله يقص الحق } أي ما الحكم في تأخير العذاب أو تعجيله إلا لله وحده وليس لأحد من خلقه فهو سبحانه { يقص الحق } أي يقضي القضاء الحق . وهو سبحانه { خير الفاصلين } أي خير من ميز بين الحق وأهله ، والباطل وأهله{[1182]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.