في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ} (124)

99

( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا )والحياة المقطوعة الصلة بالله ورحمته الواسعة ، ضنك مهما يكن فيها من سعة ومتاع . إنه ضنك الانقطاع عن الاتصال بالله والاطمئنان إلى حماه . ضنك الحيرة والقلق والشك . ضنك الحرص والحذر : الحرص على ما في اليد والحذر من الفوت . ضنك الجري وراء بارق المطامع والحسرة على كل ما يفوت . وما يشعر القلب بطمأنينة الاستقرار إلا في رحاب الله . وما يحس راحة الثقة إلا وهو مستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها . . إن طمأنينة الإيمان تضاعف الحياة طولا وعرضا وعمقا وسعة ، والحرمان منه شقوة لا تعدلها شقوة الفقر والحرمان .

( ومن أعرض عن ذكري )وانقطع عن الاتصال بي ( فإن له معيشة ضنكا ) . .

( ونحشره يوم القيامة أعمى ) . . وذلك ضلال من نوع ضلاله في الدنيا . وذلك جزاء على إعراضه عن الذكر في الأولى .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ} (124)

قوله تعالى : { ومن أعرض عن ذكري } يعني : القرآن ، فلم يؤمن به ولم يتبعه ، { فإن له معيشة ضنكاً } ، ضيقاً .

روي عن ابن مسعود ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا : هو عذاب القبر . قال أبو سعيد : يضغط حتى تختلف أضلاعه . وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر ، حتى تختلف أضلاعه ، فلا يزال يعذب حتى يبعث .

وقال الحسن : هو الزقوم والضريع والغسلين في النار . وقال عكرمة : هو الحرام . وقال الضحاك : هو الكسب الخبيث . وعن ابن عباس قال : الشقاء . وروى عنه أنه قال : كل مال أعطى العبد قل أم كثر فلم يتق فيه فلا خير فيه ، وهو : الضنك في المعيشة ، وإن أقواماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين ، فكانت معيشتهم ضنكاً ، وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف عليهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله . قال سعيد بن جبير : يسلبه القناعة حتى لا يشبع . { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس : أعمى البصر . وقال مجاهد أعمى عن الحجة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ} (124)

قوله : ( ومن أعرض عن ذكري ) أي أعرض عن القرآن وما فيه من عظيم الأحكام وجليل الفضائل فأدبر عن منهج الله واتبع ما يهواه من ملل الضلال والباطل ( فإن له معيشة ضنكا ) الضنك والضناكة والضنوكة بمعنى الضيق من كل شيء . وأصل ذلك في اللغة الضيق والشدة ويستوي فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث والجمع{[3004]} ، وهذا نذير للناس يتوعد الله به المخالفين عن أمره ، المعرضين عن دينه ومنهجه ، المقبلين على الهوى والكفر والضلال- يتوعدهم بالمنكود من العيش المتكدّر الذي يُسام فيه الفاسقون الشاردون عن شريعة الله سوء العيش وكَدر الحياة ليجدوا فيهما من ضروب الكروب والاغتمام والتنغيص والجشع ما يؤرق فيهم الأعصاب والمشاعر ويذيقهم القلق والرهق والشقاء .

وهذه هي حال الناكبين عن منهج الله ، التاركين لدينه القومي ؛ فإن الله مبتليهم في حياتهم الدنيا قبل الآخرة بألوان البلاء والأسقام والعلل النفسية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك من وجوه البلاء والمضانكة فلا تتيه البشرية في الضلال والعصيان والتفريط عن منهج الله الحق لتستعيض عنه بنظم وضعية كافرة حيث الآثام والمعاصي والفواحش والرذائل والإباحية ، حتى يبتليهم الله بويلات الدنيا وتعسها وأخطارها قبل أن يرحلوا إلى دار القرار الأخرى ليلاقوا هنالك ما هو أشد وأنكى . وهو قوله : ( ونحشره يوم القيامة أعمى ) أي أعمى البصر ، زيادة في التنكيل بهؤلاء المعرضين عن ذكر الله وهو قرآنه المجيد ومنهجه الحق ، الإسلام وقيل : أعمى عن الحجة .


[3004]:- لسان العرب جـ 10 ص 462 وتاج العروس جـ7 ص 157.