الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا} (85)

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ }

الاعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو متكيء على عسيب فمرَّ بقوم من اليهود ، فقال بعضهم : سلوه عن الروح ، وقال بعضهم : لاتسألوه ، فقام متكأ على العسيب ، قال عبد الله ، وأنا خلفه فظنيت أنه يوحي إليه فقال { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } { وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } .

فقال بعضهم لبعض : قلنا لكم لا تسألوه ، وفي غير الحديث عن عبد الله ، قالوا : فكذلك نجد مثله إن الروح من أمر الله تعالى .

وقال ابن عبّاس : قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا ما الروح وكيف يعذب الروح في الجسد ولم يكن نزل فيهم شيء ؟ فلم يجبهم فأتاه جبرئيل ( عليه السلام ) بهذه الآية .

ويروى أن اليهود اجتمعوا فقالوا لقريش حين سألوهم عن شأن محمّد وحاله سألوا محمداً عن الروح . وعن فتية فقدوا في الزمان الأوّل ، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ، فإن أجاب في ذلك كله فهو بنبي وإن لم يجب من ذلك كله فليس بنبي ، وإن أجاب في بعض ذلك وأمسك عن البعض فهو نبي فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها فأنزل الله عزّ وجلّ فيما سألوه عن الفتية قوله

{ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ } [ الكهف : 9 ] إلى آخر القصة .

وأنزل عن الجواب الذي بلغ شرق الأرض وغربها

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ } [ الكهف : 83 ] إلى آخر القصة .

وأنزل في الروح قوله { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ } الآية .

واختلفوا في هذا الروح المسؤل عنه ماهو : فقال الحسن وقتادة : هو جبرئيل .

قال قتادة : وكان ابن عبّاس يكتمه .

وروى أبو الميسرة ممن حدثه عن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) أنه قال : في قوله { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ } الآية ، قال : هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة ، يسبح الله عزّ وجلّ بتلك اللغات كلها ، يخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة .

ابن عبّاس : الروح خلق من خلق الله صورهم على صور بني آدم ، وما نزل من السماء ملك إلاّ ومعه واحد من الروح .

أبو صالح : الروح كهيئة الأنسان وليسوا بناس .

مجاهد : الروح على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون الطعام وليسوا بملائكة .

سعيد بن جبير : لم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش ولو شاء أن بلغ السماوات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل صورة ، خلقه على صورة الملائكة وصورة وجهه على صورة وجه الآدميين ، فيقوم يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد لولا أن سندس الملائكة ستراً من نور لاحترق أهل السماوات من نوره .

وقال قوم : هو الروح المركب في الخلق الذي يفقده [ فأوهم وبوجوده مقاديم ] .

وقال بعضهم : أراد بالروح القرآن وذلك أن المشركين قالوا : يا محمّد من أتاك بهذا القرآن ، فأنزل الله تعالى بهذه الآية وبيّن أنه من عنده{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }