وفي سياق الحديث عن سر الموت والحياة تجيء القصة الأخرى :
( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ، قال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ فأماته الله مائة عام ، ثم بعثه . قال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم ! قال : بل لبثت مائة عام . فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ؛ وانظر إلى حمارك - ولنجعلك آية للناس - وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما . فلما تبين له قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير ) . .
من هو ( الذي مر على قرية ) ؟ ما هذه القرية التي مر عليها وهي خاوية على عروشها ؟ إن القرآن لم يفصح عنهما شيئا ، ولو شاء الله لأفصح ، ولو كانت حكمة النص لا تتحقق إلا بهذا الإفصاح ما أهمله في القرآن . فلنقف نحن - على طريقتنا في هذه الظلال - عند تلك الظلال . إن المشهد ليرتسم للحس قويا واضحا موحيا . مشهد الموت والبلى والخواء . . يرتسم بالوصف : ( وهي خاوية على عروشها ) . . محطمة على قواعدها . ويرتسم من خلال مشاعر الرجل الذي مر على القرية . هذه المشاعر التي ينضح بها تعبيره : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ ) . .
إن القائل ليعرف أن الله هناك . ولكن مشهد البلى والخواء ووقعه العنيف في حسه جعله يحار : كيف يحيي هذه الله بعد موتها ؟ وهذا أقصى ما يبلغه مشهد من العنف والعمق في الإيحاء . . وهكذا يلقي التعبير القرآني ظلاله وإيحاءاته ، فيرسم المشهد كأنما هو اللحظة شاخص تجاه الأبصار والمشاعر .
( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ ) . .
كيف تدب الحياة في هذا الموات ؟
( فأماته الله مائة عام . ثم بعثه ) . .
لم يقل له كيف . إنما أراه في عالم الواقع كيف ! فالمشاعر والتأثرات تكون أحيانا من العنف والعمق بحيث لا تعالج بالبرهان العقلي ، ولا حتى بالمنطق الوجداني ؛ ولا تعالج كذلك بالواقع العام الذي يراه العيان . . إنما يكون العلاج بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة ، التي يمتلىء بها الحس ، ويطمئن بها القلب ، دون كلام !
( قال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم ! ) . .
وما يدريه كم لبث والإحساس بالزمن لا يكون إلا مع الحياة والوعي ؟ على أن الحس الإنساني ليس هو المقياس الدقيق للحقيقة ؛ فهو يخدع ويضل ؛ فيرى الزمن الطويل المديد قصيرا لملابسة طارئة ؛ كما يرى اللحظة الصغيرة دهرا طويلا لملابسة طارئة كذلك !
( قال : بل لبثت مائة عام ) . .
وتبعا لطبيعة التجربة ، وكونها تجربة حسية واقعية ، نتصور أنه لا بد كانت هنالك آثار محسوسة تصور فعل مائة عام . . هذه الآثار المحسوسة لم تكن في طعام الرجل ولا شرابه ، فلم يكونا آسنين متعفنين :
( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) . .
وإذن فلا بد أن هذه الآثار المحسوسة كانت متمثلة في شخصه أو في حماره :
( وانظر إلى حمارك - ولنجعلك آية للناس - وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ) أية عظام ؟ عظامه هو ؟ لو كان الأمر كذلك - كما يقول بعض المفسرين إن عظامه هي التي تعرت من اللحم - للفت هذا نظره عندما استيقظ ، ووخز حسه كذلك ، ولما كانت إجابته : ( لبثت يوما أو بعض يوم ) .
لذلك نرجح أن الحمار هو الذي تعرت عظامه وتفسخت . ثم كانت الآية هي ضم هذه العظام بعضها إلى بعض وكسوتها باللحم وردها إلى الحياة ، على مرأى من صاحبه الذي لم يمسه البلى ، ولم يصب طعامه ولا شرابه التعفن . ليكون هذا التباين في المصائر والجميع في مكان واحد ، معرضون لمؤثرات جوية وبيئية واحدة ، آية أخرى على القدرة التي لا يعجزها شيء ، والتي تتصرف مطلقة من كل قيد ؛ وليدرك الرجل كيف يحيي هذه الله بعد موتها !
أما كيف وقعت الخارقة ؟ فكما تقع كل خارقة ! كما وقعت خارقة الحياة الأولى . الخارقة التي ننسى كثيرا أنها وقعت ، وأننا لا ندري كيف وقعت ! ولا ندري كذلك كيف جاءت إلا أنها جاءت من عند الله بالطريق التي أرادها الله . . وهذا " دارون " أكبر علماء الحياة يظل ينزل في نظريته بالحياة درجة درجة ، ويتعمق أغوارها قاعا قاعا ، حتى يردها إلى الخلية الأولى . . ثم يقف بها هناك . إنه يجهل مصدر الحياة في هذه الخلية الأولى . ولكنه لا يريد أن يسلم بما ينبغي أن يسلم به الإدراك البشري ، والذي يلح على المنطق الفطري إلحاحا شديدا . وهو أنه لا بد من واهب وهب الحياة لهذه الخلية الأولى . لا يريد أن يسلم لأسباب ليست علمية وإنما هي تاريخية في صراعه مع الكنيسة ! فإذا به يقول : " أن تفسير شؤون الحياة بوجود خالق يكون بمثابة ادخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت ! " . .
أي وضع ميكانيكي ! إن الميكانيكية هي أبعد شيء عن هذا الأمر الذي يفرض على الإدراك فرضا أن يبحث عن مصدر لهذا السر القائم تجاه الأبصار والبصائر !
وإنه - هو نفسه - ليجفل من ضغط المنطق الفطري ، الذي يلجيء الإدراك البشري إلجاء إلى الاعتراف بما وراء الخلية الأولى ، فيرجع كل شيء إلى " السبب الأول " ! ولا يقول : ما هو هذا السبب الأول ؟ ما هو هذا السبب الذي يملك إيجاد الحياة أول مرة ، ثم يملك - حسب نظريته هو وهي محل نظر طويل - توجيه الخلية الأولى في طريقها الذي افترض هو أنها سارت فيه صعدا ، دون أي طريق آخر غير الذي كان ! إنه الهروب والمراء والمحال ! ! !
ونعود إلى خارقة القرية لنسأل : وما الذي يفسر أن ينال البلى شيئا ويترك شيئا في مكان واحد وفي ظروف واحدة ؟ إن خارقة خلق الحياة أول مرة أو خارقة رجعها كذلك لا تفسر هذا الاختلاف في مصائر أشياء ذات ظروف واحدة .
إن الذي يفسر هذه الظاهرة هو طلاقة المشيئة . . طلاقتها من التقيد بما نحسبه نحن قانونا كليا لازما ملزما لا سبيل إلى مخالفته أو الاستثناء منه ! وحسباننا هذا خطأ بالقياس إلى المشيئة المطلقة : خطأ منشؤه أننا نفرض تقديراتنا نحن ومقرراتنا العقلية أو " العلمية ! " على الله سبحانه ! وهو خطأ يتمثل في أخطاء كثيرة :
فأولا : ما لنا نحن نحاكم القدرة المطلقة إلى قانون نحن قائلوه ؟ قانون مستمد من تجاربنا المحدودة الوسائل ، ومن تفسيرنا لهذه التجارب ونحن محدودو الإدراك ؟
وثانيا : فهبه قانونا من قوانين الكون أدركناه . فمن ذا الذي قال لنا : إنه قانون نهائي كلي مطلق ، وأن ليس وراءه قانون سواه ؟
وثالثا : هبه كان قانونا نهائيا مطلقا . فالمشيئة الطليقة تنشىء القانون ولكنها ليست مقيدة به . . إنما هو الاختيار في كل حال .
وكذلك تمضي هذه التجربة ، فتضاف إلى رصيد أصحاب الدعوة الجدد ، وإلى رصيد التصور الإيماني الصحيح . وتقرر - إلى جانب حقيقة الموت والحياة وردهما إلى الله - حقيقة أخرى هي التي أشرنا إليها قريبا . حقيقة طلاقة المشيئة ، التي يعنى القرآن عناية فائقة بتقريرها في ضمائر المؤمنين به ، لتتعلق بالله مباشرة ، من وراء الأسباب الظاهرة ، والمقدمات المنظورة . فالله فعال لما يريد . وهكذا قال الرجل الذي مرت به التجربة :
قوله تعالى : { أو كالذي مر على قرية } . وهذه الآية منسوقة على الآية الأولى ، تقديره ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) وهل رأيت الذي مر على قرية ؟ وقيل : تقديره هل رأيت الذي حاج إبراهيم في ربه ؟ وهل رأيت كالذي مر على قرية ؟ واختلفوا في ذلك المار ، فقال قتادة وعكرمة والضحاك : هو عزيز بن شرخياً ، وقال وهب بن منبه ، هو أرمياء بن حلقيا ، وكان بن سبط هارون ، وهو الحضر وقال مجاهد : هو كافر شك البعث . واختلفوا في تلك القرية فقال وهب وعكرمة وقتادة : هي بيت المقدس ، وقال الضحاك : هي الأرض المقدسة ، وقال الكلبي : هي دير سابر أباد ، وقال السدي : مسلم أباد ، وقيل :دير هرقل ، وقيل : هي الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف وقيل : هي قرية العنب وهي على فرسخين من بيت المقدس .
قوله تعالى : { وهي خاوية } . ساقطة يقال : " خوي البيت " بكسر الواو يخوي خوى ، مقصوراً إذا سقط وخوى البيت بالفتح خواءً ممدوداً إذا خلا .
قوله تعالى : { على عروشها } . سقوفها ، واحدها عرش وقيل : كل بناء عرش ، ومعناه : أن السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها .
قوله تعالى : { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها } . وكان السبب في ذلك على ما روى محمد بن إسحاق بن منبه أن الله تعالى بعث أرمياء إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده في ذلك ويأتيه بالخبر من الله عز وجل ، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل ، وركبوا المعاصي فأوحى الله تعالى إلى أرمياء : أن ذكر قومك نعمي وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي ، فقال أرمياء : إني ضعيف إن لم تقوني ، عاجز إن لم تبلغني ، مخذول إن لم تنصرني ، فقال الله عز وجل : أنا ألهمك ، فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم ثواب الطاعة وعقاب المعصية ، وقال في آخرها عن الله تعالى : " وإني أحلف بعزتي لأقبضن لهم فتنة بتحير فيها الحكيم ، ولأسلطن عليهم جباراً فارسياً ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم " ، ثم أوحى الله تعالى إلى إرمياء " إني مهلك بني إسرائيل ، وبافث من أهل بابل " ، وهم من ولد بافث ابن نوح عليه السلام ، فلما سمع أرمياء ذلك صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه ، فلما سمع الله تضرعه وبكاءه ناداه : يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك ؟ قال : نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به فقال الله تعالى : وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك ، ففرح أرمياء بذلك وطابت نفسه ، فقال : لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل ، ثم أتى الملك فأخبره بذلك ، وكان ملكاً صالحاً . فاستبشر وفرح فقال : إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة وإن عفا عنا فبرحمته . ثم إ نهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتمادياً في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم ، فقل الوحي ، ودعاهم الملك إلى التوبة ، فلم يفعلوا ، فسلط الله عليهم بختنصر ، فخرج في ست مائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس ، فلما فصل سائراً أتى الملك الخبر ، فقال لأرمياء : أين ما زعمت أن الله أوحى إليك ؟ فقال أرمياء : إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما قرب الأجل بعث الله إلى أرمياء ملكاً قد تمثل له رجلاً من بني إسرائيل فقال له أرمياء : من أنت ؟ قال : أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهل رحمي ، وصلت أرحامهم ، ولم آت إليهم إلا حسناً ، ولا يزيدهم إكرامي إياهم إلا إسخاطاً لي فأفتني فيهم ، قال : أحسن فبما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير . فانصرف الملك فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل ، فقعد بين يديه فقال له أرمياء : من أنت ؟ قال : أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي ؟ فقال له أرمياء : أما طهرت أخلاقهم بعدلك ؟ قال : يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى رحمة إلا قدمتها إليهم وأفضل ، فقال له النبي أرمياء عليه الصلاة والسلام : ارجع إليهم أسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم ، فانصرف الملك ، فمكث أياماً وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد ، ففزع منهم بنو إسرائيل فقال ملكهم لأرمياء : يا نبي الله أين ما وعدك الله ؟ قال : إني بربي واثق ، ثم أقبل الملك إلى أرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده ، فقعد بين يديه فقال له أرمياء : من أنت ؟ فقال : أنا الذي أتيتك في شأن أهلي مرتين ، فقال النبي : ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه ؟ فقال الملك : يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه ، فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله ، فقال النبي : على أي عمل رأيتهم ؟ قال : على عمل عظيم من سخط الله ، فغضب الله وأتيتك لأخبرك ، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق نبياً إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم ، فقال أرمياء : يا مالك السماوات والأرض ، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم ، وإن كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم ، فلما خرجت الكلمة من فم أرمياء ، أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها ، فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال : يا مالك السماوات أين ميعادك الذي وعدتني ؟ فنودي أنه لم يصبهم ما أصابهم إلا بفتياك ودعائك ، فاستيقن النبي عليه السلام أنها فتياه ، وأن ذلك السائل كان رسول ربه ، فطار أرمياء حتى خالط الوحوش . ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم ، وخرب بيت المقدس ، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه فيقذفه في بيت المقدس ، ففعلوا حتى ملؤوه ، ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عندهم صغيرهم وكبيرهم من بني إسرائيل ، فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه ، فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمان ، وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا ، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق ، فثلثاً قتلهم ، وثلثاً سباهم ، وثلثاً أقرهم بالشام ، وكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله في بني إسرائيل بظلمهم ، فلما ولى عنهم بختنصر راجعاً إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل أرمياء على حمار له معه عصير عنب في ركوة ، وسلة تين حتى غشي إيلياء ، فلما وقف عليها ورأى خرابها قال : " أنى يحيي هذه الله بعد موتها " .
وقال الذي قال إن المار كان عزيراً : وأن بختنصر لما خرب بيت المقدس وقدم بسبي بني إسرائيل ببابل كان فيهم عزير ، ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود ، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة ، فطاف في القرية فلم ير فيها أحداً ، وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة ، واعتصر من العنب فشرب منه ، وجعل فضل الفاكهة في سلة ، وفضل العصير في زق ، فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال : ( نى يحيي هذه الله بعد موتها ) قالها تعجباً لا شكاً في البعث .
رجعنا إلى حديث وهب قال : ثم ربط أرمياء حماره بحبل جديد ، فألقى الله تعالى عليه النوم ، فلما نام نزع الله منه الروح مائة عام ، وأمات حماره ، وعصيره وتينه عنده ، فأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد ، وذلك ضحىً ، ومنع الله السباع والطير لحمه ، فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله ملكاً إلى ملك من ملوك فارس يقال له فوشك فقال : إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء حتى يعود أعمر ما كان ، فانتدب الملك بألف قهرمان ، مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل ، وجعلوا يعمرونه ، فأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت دماغه ، ونجى الله من بقي من بني إسرائيل ، ولم يمت ببابل أحد وردهم جميعاً إلى بيت المقدس ونواحيه ، وعمروها ثلاثين سنة ، وكثروا حتى عادوا على أحسن ما كانوا عليه ، فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه ، وسائر جسده ميت ، ثم أحيا جسده وهو ينظر إليه ، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح ، فسمع صوتاً من السماء : أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فاجتمع بعضها إلى بعض ، واتصل بعضها ببعض ثم نودي : إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً ، فكانت كذلك ثم نودي : إن الله يأمرك أن تحيا ، فقام بإذن الله ونهق ، وعمر الله أرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك .
قوله تعالى : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه } . أي أحياه .
قوله تعالى : { قال كم لبثت } . أي : كم مكثت ؟ يقال : لما أحياه الله بعث إليه ملكاً فسأله ، كم لبثت ؟ .
قوله تعالى : { قال لبثت يوماً } . وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس ، فقال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوماً وهو يرى أن الشمس قد غربت ، ثم التفت فرأى بقية من الشمس .
قوله تعالى : { أو بعض يوم } . بل بعض يوم .
قوله تعالى : { قال } . له الملك .
قوله تعالى : { بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك } . يعني التين .
قوله تعالى : { وشرابك }ز يعني العصير .
قوله تعالى : { لم يتسنه } . أي لم يتغير ، فكان التين كأنه قطف من ساعته ، والعصير كأنه عصر من ساعته . قال الكسائي : كأنه لم تأت عليه السنون . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب " لم يتسن " بحذف الهاء في الوصل وكذلك ( فبهداهم اقتده ) . وقرأ الآخرون بالهاء فيهما وصلاً ووقفاً ، فمن أسقط الهاء في الوصل جعل الهاء صلة زائدة وقال : أصله " يتسنى " فحذف الياء بالجزم ، وأبدل منه هاء في الوقف ، وقال أبو عمرو : هم من التسنن بنونين : وهو التغير كقوله تعالى : ( من حمإ مسنون ) أي متغير فعوضت من إحدى النونين ياء كقوله تعالى : ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) أي يتمطط ، وقوله ( وقد خاب من دساها ) وأصله " دسسها " ومن أثبت الهاء في الحالين جعل الهاء أصلية لام الفعل وهذا على قول من جعل أصل السنة " السنهة " وتصغيرها سنيهة ، والفعل من المسانهة وإنما قال : لم يتسنه ولم يثنه مع أنه أخبر عن شيئين ردا للمتغير إلى أقرب اللفظين به ، وهو الشراب واكتفى بذكر أحد المذكورين لأنه في معنى الآخر .
قوله تعالى : { وانظر إلى حمارك } . فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم ، والجلد وأحياه وهو ينظر .
قوله تعالى : { ولنجعلك آية للناس } . قيل الواو زائدة مقحمة . وقال الفراء : أدخلت الواو فيه دلالة على أنها شرط لفعل بعدها معناه : ولنجعلك آية ، عبرة ودلالة على البعث ، بعد الموت قاله أكثر المفسرين ، وقال الضحاك وغيره : إنه عاد إلى قريته شاباً وأولاده وأولاد شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية .
قوله تعالى : { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } . قرأ أهل الحجاز والبصرة " ننشرها " بالراء معناه نحييها يقال : أنشر الله الميت إنشاراً ونشرة ونشوراً قال الله تعالى : ( ثم إذا شاء أنشره ) وقال في اللازم ( وإليه النشور ) وقرأ الآخرون : بالزاي أي نرفعها من الأرض ، ونردها إلى مكانها من الجسد ونركب بعضها على بعض ، وإنشاز الشيء رفعه وإزعاجه ، يقال : أنشزته فنشز أي رفعته فارتفع . واختلفوا في معنى الآية ، فقال الأكثرون : أراد به عظام حماره ، وقال السدي : إن الله تعالى أحيا عزيراً ثم قال له : انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه ، فبعث الله تعالى ريحاً فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ، وقد ذهبت بها الطير والسباع ، فاجتمعت فركب بعضها في بعض وهو ينظر ، فصار حماراً من عظام ليس فيه لحم ولا دم .
قوله تعالى : { ثم نكسوها لحماً } . ثم كسا العظام لحماً ودماً ، فصار حماراً لا روح فيه ، ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الخمار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله . وقال قوم : أراد به عظام هذا الرجل ، وذلك أن الله تعالى لم يمت حماره بل أماته هو فأحيا الله عينيه ورأسه ، وسائر جسده ميت ، ثم قال : انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائماً كهيئته يوم ربطه ، حياً لم يطعم ولم يشرب مائة عام ، ونظر الرمة في عنقه جديدة لم تتغير ، وتقدير الآية : وانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشزها وهذا قول قتادة عن كعب والضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما والسدي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما ، لما أحيا الله تعالى عزيراً بعد ما أماته مائة سنة ركب حماره حتى أتى محلته ، فأنكره الناس ومنازله فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت عرفته وعقلته فقال لها عزير : يا هذه هذا منزل عزير ؟ قالت : نعم هذا منزل عزير وبكت وقالت : ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيراً قال : فإني أنا عزير ، قالت : سبحان الله : فإن عزيراً قد فقدناه من مائة سنة لم نسمع له بذكر قال : فإني أنا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني ، قالت : فإن عزيراً كان رجلاً مستجاب الدعوة ويدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية ، فادع الله أن يرد لي بصري حتى أراك ، فإن كنت عزيراً عرفتك ، فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال : قومي بإذن الله تعالى ، فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة ، فنظرت إليه فقالت : أشهد أنك عزير ، فانطلقت إلى بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ كبير ابن مائة سنة وثماني عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ في المجلس ، فنادت : هذا عزير قد جاءكم ، فكذبوها ، فقالت : أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله كان أماته مائة سنة ثم بعثه ، فنهض الناس فأقبلوا إليه فقال ولده : كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه ، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير .
وقال السدي والكلبي : لما رجع عزير إلى قومه وقد أحرق بختنصر التوراة ولم يكن من الله عهد بين الخلق ، فبكى عزير على التوراة ، فأتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه من ذلك الماء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه الله التوراة ، وبعثه نبياً ، فقال : أنا عزير فلم يصدقوه فقال : إني عزير قد بعثني الله إليكم لأجدد لكم توراتكم قالوا : أملها علينا ؟ فأملاها عليهم من ظهر قلبه ، فقالوا : ما جعل الله التوراة في صدر رجل بعد ما ذهبت إلا أنه ابنه ، فقالوا : عزير ابن الله ، وستأتي القصة في سورة براءة إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : { فلما تبين له } . ذلك عياناً .
قوله تعالى : { قال أعلم } . قرأ حمزة والكسائي مجزوماً موصولا على الأمر على معنى : قال الله تعالى له : اعلم ، وقرأ الآخرون " أعلم " بقطع الألف ورفع الميم على الخبر عن عزير أنه قال : لما رأى ذلك أعلم .
ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر سبحانه وتعالى الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة ، وتارة بإشهاد{[12518]} المستبعد{[12519]} في نفسه وغيره بفعل ربه{[12520]} ، وتارة بإشهاد المسترشد في غيره بنفسه معبراً في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله ، فعبر في الكافر{[12521]} بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب صلى الله عليه وسلم ، وفي المتعجب{[12522]} بإسقاطها إسقاطاً لذلك البعد{[12523]} ، وفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال المحاجج التعجيب أيضاً من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية . ولما كان معنى { ألم تر } هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضى وغيره تختص مع كونها للاستفهام بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها { إلا } قصداً للايجاب كقوله سبحانه تعالى{ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان{[12524]} }[ الرحمن : 60 ] وقوله سبحانه وتعالى{ هل هذا إلا بشر مثلكم{[12525]} }[ الأنبياء : 3 ] كان كأنه قيل : هل رأيت الذي حاج إبراهيم { أو } هل رأيت { كالذي } ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار{[12526]} الأولين إنما{[12527]} هي مواعظ لنا : أقومك كهذا{[12528]} المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون : إن الإحياء ليس على حقيقته بالبعث بعد الموت ، أو هم كالذي { مر } قال الحرالي : من المرور{[12529]} وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه{[12530]} في{[12531]} سبيله { على قرية } وهي التي خرج منها الألوف أو بيت المقدس { وهي خاوية } أي متهدمة ساقطة جدرانها{[12532]} { على عروشها } أي سقوفها ، أو خالية على بقاء سقوفها . قال الحرالي : من الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حساً أو معنىً ، والعروش{[12533]} جمع عرش من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من البناء على{[12534]} حالة{[12535]} عجالة يدفع سورة الحر والبرد ولا يدفع جملتها كالكن المشيد ، فكان المشيد في الحقيقة عريشاً لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار{[12536]} - انتهى .
ولما كان كأنه قيل : ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه ؟ قيل : { قال أنى يحيي هذه } أي القرية { الله } {[12537]}أي الذي له الأمر كله{[12538]} { بعد موتها } أي بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة . قال الحرالي : وفي لفظة " أنى " لشمول معناها لمعنى{[12539]} كيف وحيث ومتى استبعاده{[12540]} الإحياء في الكيف والمكان والزمان ، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق{[12541]} النفس من طلبها لمعرفة تكييف{[12542]} ما لا يصل إليه علمها - انتهى .
ولما كان هذا المستبعد قاصراً عن رتبة الخليل عليه الصلاة والسلام في التهيئ للطمأنينة بل{[12543]} كان إيقانه على الكيفية متوقفاً{[12544]} في الحكمة على تركه في عالم الغيب المدة التي ضربت لبقائه ميتاً ليكون ذلك كالتخمير في الطين لتتهيأ نفسه لعلم ذلك والإيقان به قال : { فأماته } أي فتسبب عن ذلك أن أماته { الله } {[12545]}أي الذي لا كفوء له فمهما أراد{[12546]} كان لإيقانه على علم ذلك عناية من الله به{[12547]} { مائة } ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون{[12548]} قد بلي فيها فتكون إعادته أمكن في القدرة على ما تستبعده{[12549]} العرب وأن ذلك الزمان كان حسناً طيباً لقبوله{[12550]} الإحياء والعمارة عبر عنه بما يدل على السعة فقال : { عام } حتى بلي حماره{[12551]} وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق كمال القدرة بحفظ ما شأنه التغير وتغير ما شأنه البقاء وإعادة ما فني .
قال الحرالي : و{[12552]}خص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد و{[12553]}العشرات وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ما زاد عليه تكراراً يجزىء عنه الثلاث { ثم بعثه } في بيانه إشعار بأن بدنه لم يتغير ولا فني فناء حماره حيث لم يكن ثم نشره والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال
{ ثم إذا شاء أنشره{[12554]} }[ عبس : 22 ] - انتهى .
ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيهاً له ولكل سامع على ما في قصته من الخوارق : { قال } أي له الله سبحانه وتعالى أو من{[12555]} شاء ممن{[12556]} خطابه{[12557]} ناشىء عنه { كم لبثت } أي في رقدتك هذه { قال } لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه { لبثت يوماً } ثم تغير ظنه بحسب الشمس أو غيرها فقال : { أو بعض يوم } وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره { قال } أي الذي خاطبه مضرباً عن جوابه بياناً لأنه غلط ظاهر { بل لبثت مائة عام } معبراً عن الحول بلفظ يدور على معنى{[12558]} السعة والامتداد والطول ودله{[12559]} على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله : { فانظر إلى طعامك وشرابك } أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فساداً تين{[12560]} وعصير { لم يتسنه } {[12561]}من السنة{[12562]} أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها ، ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك{[12563]} أمر جازم مقنع{[12564]} لا مرية فيه ولا تردد أصلاً { وانظر إلى } { حمارك } بالياً رميماً ، فجمع الله له{[12565]} سبحانه {[12566]}وتعالى{[12567]} بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه .
ولما كان التقدير : فعلنا ذلك لنجعله آية لك{[12568]} على كمال القدرة أو لتعلم أنت قدرتنا ، عطف عليه قوله : { ولنجعلك } أي في مجموع خبرك { آية للناس } أي كافة فكان أمره إبقاء وتثبيتاً آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة قيام ساعة وبعثاً ونشوراً - قاله الحرالي .
ولما{[12569]} أمره{[12570]} بالنظر إلى ما جعله له{[12571]} آية {[12572]}على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره بالنظر إلى ما جعله له آية{[12573]} على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال{[12574]} : { وانظر إلى العظام } أي من حمارك وهي{[12575]} جمع عظم وهو عماد البدن{[12576]} الذي عليه مقوم صورته { كيف ننشزها } قال الحرالي : بالراء من النشر وهو عود الفاني إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه ، وبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه ، من نشز{[12577]} الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى .
وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله { ثم نكسوها لحماً } قال الحرالي : جعل حياته بعثاً وحياة حماره نشوراً وأراه النشر{[12578]} ، واللحم الذي لحم بين{[12579]} العظام حتى صارت صورة واحدة ليتبين{[12580]} أمر الساعة عياناً فيكون حجة على الكافر والمستبعد { فلما تبين له } أي هذا الأمر الخارق الباهر الدال على ما وصف{[12581]} سبحانه وتعالى به{[12582]} نفسه المقدسة في آية الكرسي . قال الحرالي : وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين حتى استقر عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره { قال أعلم } بصيغة الفعل بناء على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم لتدل القراءتان على أنه علم وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى . ويجوز أن يدل التعبير بالمضارع في أعلم على أنه لم يزل متصفاً بهذا العلم{[12583]} من غير نظر إلى حال ولا استقبال ويكون ذلك اعتذاراً عن تعبيره في التعجيب{[12584]} بما دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله{[12585]} استبعاداً لتعليق القدرة بذلك لا{[12586]} للقدرة عليه { أن الله } أي لما أعلم من عظمته { على كل شيء } أي من هذا وغيره { قدير * } قال الحرالي : في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة الله سبحانه وتعالى في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار إلحاقاً لما دون{[12587]} آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في العلم أن محييك{[12588]} هو مصرفك ، فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك بقدرته{[12589]} فلاءم تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء{[12590]} الحفظ بالله والعظمة لله ، فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله سبحانه وتعالى بكلية ما أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى . وفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر لمن استخفه{[12591]} من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه عليه بأن الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية{[12592]} هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية عمن استحق القتل .