فأما الصورة الثانية فهي صورة الكافرين . وهي تمثل مقومات الكفر في كل أرض وفي كل حين :
( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ، وعلى أبصارهم غشاوة ، ولهم عذاب عظيم ) . .
وهنا نجد التقابل تاما بين صورة المتقين وصورة الكافرين . . فإذا كان الكتاب بذاته هدى للمتقين ، فإن الإنذار وعدم الإنذار سواء بالقياس إلى الكافرين . إن النوافذ المفتوحة في أرواح المتقين ، والوشائج التي تربطهم بالوجود وبخالق الوجود ، وبالظاهر والباطن والغيب والحاضر . . إن هذه النوافذ المفتحة كلها هناك ، مغلقة كلها هنا . وإن الوشائج الموصولة كلها هناك ، مقطوعة كلها هنا :
قوله تعالى : { الذين كفروا } . يعني مشركي العرب ، قال الكلبي : يعني اليهود . والكفر هو الجحود وأصله من الستر ومنه سمي الليل كافراً لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزارع كافراً لأنه يستر الحب بالتراب ، فالكافر يستر الحق بجحوده . والكفر على أربعة أنحاء : كفر إنكار ، وكفر جحود ، وكفر عناد ، وكفر نفاق . فكفر الإنكار هو : أن لا يعرف الله أصلاً ولا يعترف به وكفر به ، وكفر الجحود هو : أن يعرف الله تعالى بقلبه ولا يعترف بلسانه ككفر إبليس وكفر اليهود . قال الله تعالى : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) وكفر العناد هو : أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول :
ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً
وأما كفر النفاق فهو : أن يقر بلسانه ولا يعتقد بالقلب ، وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له .
قوله تعالى : { سواء عليهم } . أي : متساو لديهم .
قوله تعالى : { أأنذرتهم } . خوفتهم وحذرتهم ، والإنذار إعلام مع تخويف ، المنذر معلم وليس كل معلم منذراً ، وحقق ابن عامر و عاصم و حمزة و الكسائي الهمزتين في ( أأنذرتهم ) وكذلك كل همزتين تقعان في أول الكلمة والآخرون يلينون الثانية .
قوله تعالى : { أم } . حرف عطف على الاستفهام .
قوله تعالى : { لم } . حرف جزم لا تلي إلا الفعل لأن الجزم يختص بالأفعال .
قوله تعالى : { تنذرهم لا يؤمنون } . وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله ثم ذكر سبب تركهم الإيمان فقال : { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم } .
ولما أردف البيان لأوصاف المؤمنين التعريف بأحوال الكافرين وكانوا قد انقسموا على{[618]} مصارحين ومنافقين{[619]} وكان المنافقون قسمين جهالاً من مشركي العرب وعلماء من كفار بني إسرائيل كان الأنسب ليفرغ من قسم برأسه على عجل البداءة أولاً بالمصارحين فذكر ما أراد من أمرهم في آيتين ، لأن أمرهم أهون وشأنهم أيسر لقصدهم بما يوهنهم بالكلام أو بالسيف على أن ذكرهم على وجه يعم جميع الأقسام{[620]} فقال مخاطباً{[621]} لأعظم المنعم{[622]} عليهم على وجه التسلية والإعجاز في معرض الجواب لسؤال من كأنه قال{[623]} : هذا حال الكتاب للمؤمنين فما حاله للكافرين ؟ { إن الذين كفروا } أي حكم ، بكفرهم دائماً{[624]} حكماً نفذ ومضى فستروا{[625]} ما أقيم من الأدلة على الوحدانية عن العقول التى هيئت لإدراكه والفطر الأولى التي خلصت عن مانع يعوقها عن الانقياد له وداموا على ذلك بما دل عليه السياق بالتعبير عن أضدادهم بما يدل على تجديد الإيمان على الدوام واللحاق بالختم{[626]} والعذاب ، ولعله عبر بالماضي والموضع للوصف تنفيراً من مجرد إيقاع الكفر ولو للنعمة وليشمل{[627]} المنافقين وغيرهم .
ولما دل هذا الحال على أنهم عملوا ضد ما عمله المؤمنون من الانقياد كان المعنى{[628]} { سواء عليهم أأنذرتهم } أي إنذارك{[629]} في هذا الوقت بهذا الكتاب{[630]} { أم لم تنذرهم } أي وعدم إنذارك{[631]} فيه و{[632]}بعده وقد انسلخ عن أم والهمزة معنى الاستفهام ، قال سيبويه : جرى هذا على حرف{[633]} الاستفهام كما جرى على حرف{[634]} النداء{[635]} في قولك : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة . انتهى . ولعله عبر بصورة الاستفهام وقد سلخت عن معناه إفهاماً لأنهم توغلوا في الكفر توغل من وصل في الحمق إلى أنه لو شاهد{[636]} الملك يستفهمك عنه ما آمن .
ولما كان كأنه قيل في أي شيء استوت حالتاهم{[637]} قيل في أنهم { لا يؤمنون } وهي دليل على خصوص كونه هدى للمتقين{[638]} وعلى وقوع التكليف بالممتنع لغيره فإنه سبحانه كلفهم الإيمان وأراد منهم الكفران ، فصار ممتنعاً لإرادته عدم وقوعه ، والتكليف به جار على سنن الحكمة فإن إرادة عدم إيمانهم لم تخرج إيمانهم عن حيز الممكن فيما يظهر ، لعدم العلم بما أراد الله من كل شخص بعينه ، فهو على سنن الابتلاء ليظهر في عالم الشهادة المطيع من غيره لإقامة الحجة ؛ ويأتي في الصّافّات عند
{ افعل ما تؤمر{[639]} }[ الصافات : 102 ] تتمة لهذا{[640]} .
قال الحرالي : فحصل بمجموع قوله : { سواء عليهم } إلى آخره وبقوله : { لا يؤمنون } خبر تام عن سابقة أمرهم ولاحقة كونهم ، فتم بالكلامين الخبر عنهم خبراً واحداً ملتئماً كتباً سابقاً وكوناً لاحقاً . انتهى . وكل موضع ذكر فيه الكفر فإنما عبر به إشارة إلى أن الأدلة الأصلية في الوضوح بحيث لا تخفى{[641]} على أحد ولا يخالفها إلا من ستر مرآة عقله إما عناداً وإما بإهمال النظر السديد والركون إلى نوع تقليد .