في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

وبهذا يختم هذا الشطر من الجولة مع بني إسرائيل في تاريخهم الحافل بالكفر والتكذيب ، والالتواء واللجاجة ، والكيد والدس ، والقسوة والجدب ، والتمرد والفسوق . .

75

( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ؟ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ؟ أفلا تعقلون ؟ أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ؟ ) . .

كانت صورة الجفاف والقسوة والجدب هي التي صور الله بها قلوب بني إسرائيل في نهاية الدرس الماضي . صورة الحجارة الصلدة التي لا تنض منها قطرة ، ولا يلين لها ممس ، ولا تنبض فيها حياة . . وهي صورة توحي باليأس من هذه الطبيعة الجاسية الجامدة الخاوية . . وفي ظل هذا التصوير ، وظل هذا الإيحاء ، يلتفت السياق إلى المؤمنين ، الذين يطمعون في هداية بني إسرائيل ، ويحاولون أن يبثوا في قلوبهم الإيمان ، وأن يفيضوا عليها النور . . يلتفت إلى أولئك المؤمنين بسؤال يوحي باليأس من المحاولة ، وبالقنوط من الطمع :

( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ؟ وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ؟ ) . .

إلا أنه لا مطمع ولا رجاء في أن يؤمن أمثال هؤلاء . فللإيمان طبيعة أخرى ، واستعداد آخر . إن الطبيعة المؤمنة سمحة هينة لينة ، مفتحة المنافذ للأضواء ، مستعدة للاتصال بالنبع الأزلي الخالد بما فيها من نداوة ولين وصفاء . وبما فيها من حساسية وتحرج وتقوى . هذه التقوى التي تمنعها أن تسمع كلام الله ثم تحرفه من بعد تعقله . تحرفه عن علم وإصرار . فالطبيعة المؤمنة طبيعة مستقيمة ، تتحرج من هذا التحريف والالتواء .

والفريق المشار إليه هنا هو أعلم اليهود وأعرفهم بالحقيقة المنزلة عليهم في كتابهم هم الأحبار والربانيون ، الذين يسمعون كلام الله المنزل على نبيهم موسى في التوراة ثم يحرفونه عن مواضعه ، ويؤولونه التأويلات البعيدة التي تخرج به عن دائرته . لا عن جهل بحقيقة مواضعه ، ولكن عن تعمد للتحريف ، وعلم بهذا التحريف . يدفعهم الهوى ، وتقودهم المصلحة ، ويحدوهم الغرض المريض ! فمن باب أولى ينحرفون عن الحق الذي جاء به محمد [ ص ] وقد انحرفوا عن الحق الذي جاء به نبيهم موسى - عليه السلام - ومن باب أولى - وهذا خراب ذممهم ، وهذا إصرارهم على الباطل وهم يعلمون بطلانه - أن يعارضوا دعوة الإسلام ، ويروغوا منها ويختلقوا عليها الأكاذيب !

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

قوله تعالى : { أفتطمعون } . أفترجون يريد : محمداً وأصحابه .

قوله تعالى : { أن يؤمنوا لكم } . تصدقكم اليهود بما تخبرونهم به .

قوله تعالى : { وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله } . يعني التوراة .

قوله تعالى : { ثم يحرفونه } . ويغيرون ما فيها من الأحكام .

قوله تعالى : { من بعد ما عقلوه } . علموه كما غيروا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم .

قوله تعالى : { وهم يعلمون } . أنهم كاذبون ، هذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة والسدي وجماعة ، وقال ابن عباس ومقاتل : نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى لميقات ربه ، وذلك أنهم لما رجعوا بعد ما سمعوا كلام الله إلى قومهم رجع الناس إلى قولهم ، وأما الصادقون منهم فأدوا كما سمعوا ، وقالت طائفة منهم : سمعنا الله يقول في آخر كلامه : إن استطعتم أن تفعلوا ، وإن شئتم فلا تفعلوا ، فهذا تحريفهم وهم يعلمون أنه الحق .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

ولما بيّن سبحانه أن قلوبهم صارت من كثرة المعاصي وتوالي التجرّؤ على بارئها محجوبة بالرين كثيفة الطبع بحيث إنها أشد قسوة من الحجارة تسبب عن ذلك بعدهم عن الإيمان فالتفت إلى المؤمنين يؤيسهم{[3206]} من فلاحهم {[3207]}تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما كان يشتد حرصه عليه من طلب إيمانهم{[3208]} في معرض التنكيت عليهم والتبكيت لهم منكراً للطمع في إيمانهم بعد ما قرر أنه تكرر{[3209]} من كفرانهم{[3210]} فقال : { أفتطمعون } والطمع{[3211]} تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب له { أن يؤمنوا } {[3212]}أي هؤلاء الذين بين أظهركم{[3213]} وقد سمعتم ما اتفق لأسلافهم من الكثافة وهم راضون بذلك وإلا لآمنوا بمجرد هذا الإخبار عن هذه القصص من هذا النبي الأمي الذي يحصل التحقيق{[3214]} بأنه لا معلم له بها إلاّ الله معترفين " لكم وقد " أي والحال أنه قد { كان فريق }{[3215]} أي ناس يقصدون الفرقة والشتات{[3216]} { منهم } قال الحرالي : من الفرق وهو اختصاص برأي وجهة عمن حقه أن يتصل به ويكون معه - انتهى . و { يسمعون كلام الله } المستحق لجميع صفات الكمال والكلام{[3217]} قال الحرالي : هو إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الإظهار - انتهى .

ثم يحرفونه }{[3218]} أي يزيلونه عن وجهه برده على حرفه ، وفي ذكر الفريق مع المعطوفات عليه تأكيد{[3219]} لعظيم تهمّكهم{[3220]} في العصيان بأنهم كانوا بعد ما وصف من أحوالهم{[3221]} الخبيثة{[3222]} فرقاً{[3223]} في الكفر والعدوان والتبرء من جلباب الحياء ، وقوله : { من بعد ما عقلوه }{[3224]} مع كونه توطية لما{[3225]} يأتي من أمر الفسخ مشيراً إلى أن تحريفهم لم يكن في محل إشكال لكونه مدركاً بالبديهة ، {[3226]}وأثبت الجار لاختلاف أحوالهم{[3227]} .

ولما كان هذا مع أنه إشارة إلى أنهم على جبلات إبائهم وإلى أن من اجترأ على الله لم ينبغ لعباد الله أن يطمعوا في صلاحه لهم ، لأنه إذا اجترأ على العالم بالخفيات كان على غيره أجرأ مشيراً إلى أنه لا يفعله عاقل ختمه بقوله : { وهم يعلمون * }{[3228]} أي والحال أنهم مع العقل حاملون للعلم فاهمون له غير غافلين بل متعمدون .


[3206]:في م: يؤنبهم
[3207]:ليست في ظ.
[3208]:ليست في ظ.
[3209]:في م: تقرر.
[3210]:قال أبو حيان: ثم ختم ذلك بأنه تعالى لا يغفل عما اجترحوه في دار الدنيا بل يجازيهم بذلك في الدار الأخرى، وكان افتتاح هذه الآيات بأن الله تعالى يأمر واختتامها بأن الله لا يغفل، فهو العالم بمن امتثل وبمن أهمل، فيجازي ممتثل أمره بجزيل ثوابه ومهمل أمره بشديد عقابه – انتهى كلامه.
[3211]:الطمع تعلق النفس بإدراك مطلوب تعلقا قويا، وهو أشد من الرجاء لأنه لا يحدث إلا عن قوة رغبة وشدة إرادة، وإذا اشتد صار طمعا، وإذا ضعف كان رغبة ورجاء – البحر المحيط 1 / 269. قال علي المهائمي: "ا" تعلمون هذه القساوة منهم وازدياد التعدي والتكبر ومع ذلك ترونهم الدلائل وتزجرونهم بالمواعظ.
[3212]:العبارة من هنا إلى "إلا الله" ليست في ظ.
[3213]:وذكر أبو حيان الأندلسي في سبب نزول هذه الآية أقاويل وذكر في آخرها ما نصه: وهذه الأقاويل كلها لا تخرج عن أن الحديث في اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم الذين يصح فيهم الطمع أن يؤمنوا، لأن الطمع إنما يصح في المستقبل، والضمير في "أن يؤمنوا لكم" لليهود، والمعنى استبعادا إيمان اليهود، إذ قد تقدم لأسلافهم أفاعيل وجري أبناؤهم عليها فبعيد صدور الإيمان من هؤلاء.
[3214]:في مد: التحقق.
[3215]:ليست في ظ. والفريق قيل لهم الأحبار الذين حرفوا التوراة في صفة محمد صلى الله عليه وسلم – قاله مجاهد والسدي وقيل جماعة من اليهود كانوا يسمعون الوحي إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحرفونه قصدا أن يدخلوا في الدين ما ليس فيه ويحصل التضاد في أحكامه – البحر المحيط 1 / 272
[3216]:ليست في ظ. والفريق قيل لهم الأحبار الذين حرفوا التوراة في صفة محمد صلى الله عليه وسلم – قاله مجاهد والسدي وقيل جماعة من اليهود كانوا يسمعون الوحي إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحرفونه قصدا أن يدخلوا في الدين ما ليس فيه ويحصل التضاد في أحكامه – البحر المحيط 1 / 272
[3217]:قال أبو حيان الأندلسي: الكلام هو القول الدال على نسبة إسنادية مقصودة لذاتها، ويطلق أيضا على الكلمة، ويعبر أيضا عن الخط والإشارة وما يفهم من حال الشيء وتقاليبه الست موضوعة وترجع إلى معنى القوة والشدة وهي كلم كمل، لكم، لك، ملك، مكل – انتهى كلامه.
[3218]:التحريف إمالة الشيء من حال إلى حال والحرف الحد المائل – قاله أبو حيان.
[3219]:في م: تأكيدا.
[3220]:من همكه في الأمر يهمكه همكا لججه تهمك في الأمر وانهمك جد فيه ولج "قطر المحيط" وصلته هنا بفى شاهدة على كونه "تهمكهم" ووقع في ظ ومد: تهتكهم وفي م: تهكمهم – كذا.
[3221]:في ظ ومد: أعمالهم.
[3222]:ليس في م.
[3223]:في ظ: فرقا – كذا.
[3224]:أي من بعد ما ضبطوه وفهموه ولم تشتبه عليهم صحته.
[3225]:في مد: كما.
[3226]:ليست في ظ، وفي م: إثبات.
[3227]:ليست في ظ، وفي م: إثبات
[3228]:. ومتعلق العلم محذوف أي أنهم قد حرفوه أو ما في تحريفه من العقاب أو أنه الحق أو أنهم مبطلون كاذبون، والواو في قوله "وقد كان فريق" وفي قوله "وهم يعلمون" واو الحال والعامل في قوله وهم يعلمون فقوله ثم يحرفونه أي يقع التحريف منهم بعد تعلقه وتفهمه عالمين بما في تحريفه من شديد العتاب ومع ذلك فهم يقدمون على ذلك يجترئون عليه، والإنكار على العالم أشد من الإنكار على الجاهل – البحر المحيط 1/ 272.