فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{۞أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

{ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } .

{ أفتطمعون } الهمزة للاستفهام وتدخل على ثلاثة من حروف العطف الفاء كما هنا والواو كقوله الآتي { أو لا يعلمون } وثم كقوله { أثم إذا ما وقع } واختلف في مثل هذه التراكيب فذهب الجمهور إلى أن الهمزة مقدمة من تأخير لأن لها الصدر ، والتقدير فأتطمعون وألا يعلمون وثم أإذا . وذهب الزمخشري إلى أنها داخلة على محذوف دل عليه سياق الكلام والتقدير هنا أتسمعون أخبارهم وتعلمون أحوالهم فتطمعون { أن يؤمن لكم } مع أنهم لم يؤمنوا بموسى ، هذا الاستفهام فيه معنى الانكار كأنه أيسها من إيمان هذه الفرقة من اليهود ، والخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أوله صلى الله عليه وسلم والجمع للتعظيم { وقد كان فريق منهم } قيل المراد بالفريق هم الذين كانوا مع موسى عليه السلام يوم الميقات والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه .

{ يسمعون كلام الله } أي التوراة وقيل أنهم سمعوا خطاب الله لموسى عليه السلام حين كلمه ، وعلى هذا فيكون الفريق هم السبعون الذين اختارهم موسى { ثم يحرفونه } أي يغيرونه ويبدلونه والتحريف الإمالة والتحويل ، وثم للتراخي إما في الزمان أو في الرتبة ، والمراد من التحريف أنهم عمدوا إلى ما سمعوه من التوراة فجعلوا حلاله حراما أو نحو ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم كتحريفهم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسقاط الحدود عن أشرافهم ، أو سمعوا كلام الله لموسى عليه السلام فزادوا فيه ونقصوا ، وهذا إخبار عن إصرارهم على الكفر وإنكار على من طمع في إيمانهم وحالهم هذه الحال ، أي ولهم سلف حرفوا كلام الله وغيروا شرائعه وهم مقتدون بهم متبعون سبيلهم { من بعدما عقلوه } أي علموا صحة كلام الله ومراده فيه { وهم يعلمون } أي ذلك الذي فعلوه هو تحريف مخالف لما أمرهم الله به من تبليغ شرائعه كما هي ، فهم وقعوا في المعصية عالمين بها وذلك أشد لعقوبتهم وأبين لضلالتهم .

واعلم أن التوراة والإنجيل اللذين عند اليهود والنصارى الآن اختلف فيهما هل هما مبدلان ومحرفان لفظا أو تأويلا ، فأما التوراة فأفرط فيها قوم وقالوا كلها أو جلها مبدل ، وذهبت طائفة من الفقهاء والمحدثين إلى أن ذلك إنما وقع في التأويل فقط كما صرح به البخاري ، واختاره الفخر الرازي وغيره لقوله تعالى { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } وهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالاحتجاج بها ، والمبدل لا يحتج به ولما اختلفوا في الرجم لم يمكنهم تغيير آيته منها ، وتوسطت طائفة وهو الحق فقالوا بدل بعض منها وحرف لفظه ، وأول بعض منهما بغير المراد منه ، وأنه لم يعط منها موسى لبني إسرائيل غير سورة واحدة وجعل ما عداها عند أولاد هارون ، فلم تزل عندهم حتى قتلوا عن آخرهم في وقعة بختنصر ، وبعد ذلك جمع عزير بعضا منها ممن حفظها فهو الذي عندهم اليوم ، وليس أصلها ، وفيه زيادة ونقص وخلاف وترجمة وتأويل{[101]} .

وأما الإنجيل ففيه تبديل وتحريف في بعض ألفاظه ومعانيه وهو مختلف النسخ ، والأناجيل أربعة كما فصله بعضهم في كتاب عقده لذلك سماه المفيد في التوحيد .


[101]:وقد ذكر ابن الجوزي عند تفسيره لهذه الآية: وفي المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال: أنه النبي صلى الله عليه وسلم خاصة قاله ابن عباس ومقاتل. أنهم مؤمنون تقديره افتطمعون أن تصدقوا نبيكم. أنهم الإنسان. فإنهم لما أسلموا أحبوا إسلام اليهود للرضاعة التي كانت بينهم.