ولم يكن بد كذلك أن يزيد الأمر عليهم مشقة وتعقيدا ، وأن تزيد دائرة الاختيار المتاحة لهم حصرا وضيقا ، بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة ، كانوا في سعة منها وفي غنى عنها :
( قال : إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ، مسلمة لا شية فيها ) .
وهكذا لم تعد بقرة متوسطة العمر . صفراء فاقع لونها فارهة فحسب . بل لم يعد بد أن تكون - مع هذا - بقرة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع ؛ وأن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها علامة .
هنا فقط . . وبعد أن تعقد الأمر ، وتضاعفت الشروط ، وضاق مجال الاختيار :
( قالوا : الآن جئت بالحق ) . .
الآن ! كأنما كان كل ما مضى ليس حقا . أو كأنهم لم يستيقنوا أن ما جاءهم به هو الحق إلا اللحظة ! ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) ! !
قوله تعالى : { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول } . مذللة بالعمل يقال : رجل ذلول بين الذل ، ودابة ذلول بينة الذل . قوله تعالى : { تثير الأرض } . تقلبها للزراعة .
قوله تعالى : { ولا تسقي الحرث } . أي ليست بسانية .
قوله تعالى : { مسلمة } . بريئة من العيوب .
قوله تعالى : { لا شية فيها } . لا لون لها سوى لون جميع جلدها قال عطاء : لا عيب فيها ، وقال مجاهد : لا بياض فيها ولا سواد .
قوله تعالى : { قالوا الآن جئت بالحق } . أي بالبيان التام الشافي الذي لا إشكال فيه ، وطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلا مع الفتى ، فاشتروها بملء مسكها ذهباً .
قوله تعالى : { فذبحوها وما كادوا يفعلون } . من غلاء ثمنها وقال محمد بن كعب : وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها ، وقيل وما كادوا يفعلون من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها .
{ قال إنه يقول إنها } أي هذه البقرة التي أطلتم التعنت في أمرها { بقرة لا ذلول } {[3108]}من الذل وهو حسن الانقياد - قاله الحرالي ثم وصف الذلول بقوله{[3109]} { تثير الأرض } أي {[3110]}يتجدد منها إثارتها{[3111]} بالحرث{[3112]} كل وقت{[3113]} من الإثارة {[3114]}قال الحرالي{[3115]} : وهي إظهار الشيء من الثرى ، كأنها تخرج الثرى من محتوى{[3116]} اليبس ؛ ولما كان الذل وصفاً لازماً عبر في وصفها بانتفائه{[3117]} بالاسم المبالغ فيه ، أي ليس الذل وصفاً لازماً لها لا أنها بحيث لا يوجد منها ذل أصلاً ، فإنها لو كانت كذلك كانت{[3118]} وحشية لا يقدر عليها أصلاً{[3119]} .
ولما كان لا يتم وصفها بانتفاء الذل إلا بنفي السقي عنها وكان أمراً يتجدد ليس هو صفة لازمة كالذل عبر فيه بالفعل وأصحبه لا عطفاً على الوصف لا على تثير لئلا يفسد المعنى ، فقال واصفاً للبقرة : { ولا تسقي الحرث } أي لا يتجدد منها سقيه بالسانية كل وقت ، ويجوز أن يكون إثبات لا فيه تنبيهاً على حذفها قبل تثير ، فيكون الفعلان المنفيان تفسيراً على سبيل الاستئناف للاذلول ، وحذف لا قبل تثير لئلا يظن أنه معها وصف لذلول فيفسد المعنى ، والمراد أنها لم{[3120]} تذلل بحرث ولا سقي ومعلوم من القدرة على ابتياعها وتسلمها للذبح أنها ليست في غاية الإباء{[3121]} كما آذن به الوصف بذلول{[3122]} ، كل ذلك لما في التوسط من الجمع لأشتات الخير .
{ مسلّمة } أي من العيوب { لا شية{[3123]} } أي علامة { فيها } تخالف لونها {[3124]}بل هي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها{[3125]} { قالوا الآن } أي في هذا الحد من الزمان الكائن الفاصل بين الماضي والآتي .
{ جئت بالحق }{[3126]} أي الأمر الثابت المستقر{[3127]} البين من بيان وصف البقرة فحصلوها{[3128]} ، { فذبحوها } أي فتسبب عما تقدم كله أنهم ذبحوها { وما كادوا } أي قاربوا قبل هذه المراجعة الأخيرة{[3129]} { يفعلون } {[3130]} ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم لكنهم شددوا في السؤال فشدد الله عليهم - يعني أنهم كلفوا بالأسهل فشددوا فنسخ بالأشق ، وهو دليل جواز النسخ قبل الفعل{[3131]} ، أو يقال إنه لما كان السبت إنما وجب عليهم وابتلوا بالتشديد فيه باقتراحهم له وسؤالهم إياه بعد إبائهم للجمعة كما يأتى إن شاء الله تعالى بيانه عند قوله تعالى ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه{[3132]} }[ النحل : 124 ] كان أنسب الأشياء تعقيبه بقصة البقرة التي ما شدد عليهم في أمرها إلا لتعنتهم فيه وإبائهم لذبح أيّ بقرة تيسرت ، ويجوز أن يقال إنه لما كان من جملة ما استخفوا به السبت المسارعة إلى إزهاق ما لا يحصى من الأرواح الممنوعين منها من الحيتان وكان في قصة البقرة التعنت والتباطؤ عن إزهاق نفس واحدة{[3133]} أمروا بها تلاه بها .
ومن أحاسن المناسبات أن في كل من آيتي القردة والبقرة تبديل حال الإنسان بمخالطة لحم بعض الحيوانات{[3134]} العجم ، ففي الأولى إخراسه بعد نطقه بلحم السمك ، وفي الثانية إنطاقه بعد خرسه بالموت بلحم البقر ، ولعل تخصيص لحم البقر{[3135]} بهذا الأمر لإيقاظهم من رقدتهم وتنبيههم من غفلتهم عن عظيم قدرة الله تعالى لينزع من قلوبهم التعجب من خوار العجل الذي عبدوه .
وقال الإمام أبو الحسن الحرالي : وفي ذلك تشامّ{[3136]} بين أحوالهم في اتخاذهم العجل وفي طلبهم ذلك ، وفي كل ذلك مناسبة بين طباعهم وطباع البقرة المخلوقة للكدّ وعمل الأرض التي معها التعب والذل والتصرف فيما هو من الدنيا توغلاً فيها وفيه نسمة{[3137]} مطلبهم ما تنبت الأرض الذي هو أثر الحرث - يعني الذي أبدلوا الحطة به وهو حبة{[3138]} في شعرة ، فكأنهم بذلك أرضيون ترابيون لا تسمو طباع أكثرهم إلى الأمور الروحانية العلوية ، فإن جبلة كل نفس تناسب ما تنزع إليه وتلهج به من أنواع الحيوان . { جعل{[3139]} لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً }[ الشورى : 11 ] - انتهى .