( له معقبات من بين يديه ومن خلفه - يحفظونه - من أمر الله ) . .
والحفظة التي تتعقب كل إنسان ، وتحفظ كل شاردة وكل واردة وكل خاطرة وكل خالجة ، والتي هي من أمر الله ، لا يتعرض لها السياق هنا بوصف ولا تعريف . أكثر من أنها . ( من أمر الله ) . . فلا نتعرض نحن لها : ما هي ? وما صفاتها ? وكيف تتعقب ? وأين تكون ? ولا نذهب بجو الخفاء والرهبة والتعقب الذي يسبغه السياق . فذلك هو المقصود هنا ؛ وقد جاء التعبير بقدره ؛ ولم يجيء هكذا جزافا ؛ وكل من له ذوق بأجواء التعبير يشفق من أن يشوه هذا الجو الغامض بالكشف والتفصيل !
( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) . .
فهو يتعقبهم بالحفظة من أمره لمراقبة ما يحدثونه من تغيير بأنفسهم وأحوالهم فيرتب عليه الله تصرفه بهم . فإنه لا يغير نعمة أو بؤسى ، ولا يغير عزا أو ذلة ، ولا يغير مكانة أو مهانة . . . إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم ، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم . وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون . ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم ، ويجيء لاحقا له في الزمان بالقياس إليهم .
وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة ؛ فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته ، أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر ؛ وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم . والنص صريح في هذا لا يحتمل التأويل . وهو يحمل كذلك - إلى جانب التبعة - دليل التكريم لهذا المخلوق الذي اقتضت مشيئة الله ، أن يكون هو بعمله أداة التنفيذ لمشيئة الله فيه .
وبعد تقرير المبدأ يبرز السياق حالة تغيير الله ما بقوم إلى السوء ؛ لأنهم - حسب المفهوم من الآية - غيروا ما بأنفسهم إلى أسوء فأراد لهم الله السوء :
( وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) . .
يبرز السياق هذا الجانب هنا دون الجانب الآخر لأنه في معرض الذين يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة . وقد قدم لهم هناك المغفرة على العذاب ليبرز غفلتهم ، وهو هنا يبرز العاقبة السوأى وحدها لإنذارهم حيث لا يرد عذاب الله عنهم - إذا استحقوه بما في أنفسهم - ولا يعصمهم منه وال يناصرهم . .
{ له } لمن أسر أو جهر أو استخفى أو سرب . { معقّبات } ملائكة تعتقب في حفظه ، جمع معقبة من عقبه مبالغة عقبه إذا جاء على عقبه كأن بعضهم يعقب بعضا ، أو لأنهم يعقبون أقواله وأفعاله فيكتبونها ، أو اعتقب فأدغمت التاء في القاف والتاء للمبالغة ، أو لأن المراد بالمعقبات جماعات . وقرئ " معاقيبُ " جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء من حذف إحدى القافين . { من بين يديه ومن خلفه } من جوانبه أو من الأعمال ما قدم وأخر . { يحفظونه من أمر الله } من بأسه متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له ، أو يحفظونه من المضار أو يراقبون أحواله من أجل أمر الله تعالى . وقد قرئ به وقيل من بمعنى الباء . وقيل من أمر الله صفة ثانية ل { معقبات } . وقيل المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان يحفظونه في توهمه من قضاء الله تعالى . { إن الله لا يغيّر ما بقوم } من العافية والنعمة . { حتى يغيّروا ما بأنفسهم } من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له } فلا راد له فالعامل في { إذا } ما دل عليه الجواب . { وما لهم من دونه من والٍ } ممن يلي أمرهم فيدفع عنهم السوء ، وفيه دليل على أن خلاف مراد الله تعالى محال .
الكناية في : { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ } راجعةٌ إلى العبد ، أي أن ألله وَكَلَ بكلِّ واحدٍ منهم معقباتٍ وهم الملائكة الذين يعقب بعضهم بعضاً بالليل والنهار يحفظون هذا المكلَّف وذَاكَ من أمر الله ، أي من البلاء الذي بقدرة الله . يحفظونهم بأمر الله من أمر الله ، وذلك أن الله - سبحانه - وَكَلَ لكلِّ واحدٍ من الخَلقْ ملائكةً يدفعون عنهم البلاَءَ إذا ناموا وغفلوا ، أو إذا انتبهوا وقاموا ومشوا . . . وفي جميع أحوالهم .
وإذا غيَّروا ما بهم إلى الطاعات غيَّر الله ما بهم منه من الإحسان والنعمة ، وإذا كانوا في نعمة فغيَّروا ما بهم من الشكر لله تغيَّر عليهم ما مَنَّ به من الإنعام فيسلبهم ما وهبهم من ذلك ، وإذا كانوا في شدة لا يغير ما بهم من البلاء حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أخذوا في التضرع ، وأظهروا العجز غيَّر ما بهم من المحنة بالتبديل والتحويل .
ويقال إذا غيَّروا ما بألسنتهم من الذِّكْرِ غيَّر الله ما بقلوبهم من الحظوظ فأبدلهم به النسيانَ والغفلة ، فإذا كان العبد في بسطةٍ وتقريب ، وكشفٍ بالقلب وترقب . . فاللَّهُ لا يُغَيِّر ما بأنفسهم بترك أدبٍ ، أو إخلال بحقٍ ، أو إلمام بذنبٍ .
ويقال لا يَكُفُّ ما أتَاحه للعبد من النعمة الظاهرة أو الباطنة حتى يتركَ ويُغَيِّر ما هو به من الشكر والحمد . فإذا قابل النعمة بالكفران ، وأبدل حضور القلب بالنسيان وما يُطيح به من العصيان . . أبدل اللَّهُ تعالى ما به من النعمة بالحرمان والخذلان ، وسَلَبَه ما كان يعطيه من الإحسان .
ويقال إذا توالت المحنُ وأراد العبدُ زوالَها فلا يصل إليه النَّفْضُ2 منها إلاَّ بأَنْ يغير ما هو به ؛ فيأخذ في السؤال بعد السكوت ، وفي إظهار الجَزَع بعد السكون ، فإذا أخذ في التضرع غيَّر ما به من الصبر .
قوله : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بَقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } : يقال إذا أراد اللَّهِ بقومٍ بلاءً وفتنة فما تعلَّقَتْ به المشيئة لا محالة يجري .
ويقال إذا أراد الله بقوم سوءاً ( . . . )3 أعينهم حتى يعملوا ويختاروا ما فيه بلاؤهم ، فهم يمشون إلى هلاكهم بأقدامهم ، ويسعون - في الحقيقة - في دَمِهِم كما قال قائلهم :
{ 11 } { لَه } أي : للإنسان { مُعَقِّبَاتٌ } من الملائكة يتعاقبون في الليل والنهار .
{ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } أي : يحفظون بدنه وروحه من كل من يريده بسوء ، ويحفظون عليه أعماله ، وهم ملازمون له دائما ، فكما أن علم الله محيط به ، فالله قد أرسل هؤلاء الحفظة على العباد ، بحيث لا تخفى أحوالهم ولا أعمالهم ، ولا ينسى منها شيء ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعمة والإحسان ورغد العيش { حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية ، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله عند ذلك إياها .
وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية ، فانتقلوا إلى طاعة الله ، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة ، { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا } أي : عذابا وشدة وأمرا يكرهونه ، فإن إرادته لا بد أن تنفذ فيهم .
فإنه { لَا مَرَدَّ لَهُ } ولا أحد يمنعهم منه ، { وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } يتولى أمورهم فيجلب لهم المحبوب ، ويدفع عنهم المكروه ، فليحذروا من الإقامة على ما يكره الله خشية أن يحل بهم من العقاب ما لا يرد عن القوم المجرمين .