غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ} (238)

238

التفسير : الحكم السابع عشر : الصلاة ، وذلك أنه سبحانه لما بين للمكلفين ما بين من معالم الدين وشعائر اليقين أعقبها بذكر الصلاة التي تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى وزوال التمرد وحصول الانقياد لأوامره والانتهاء عن مناهيه تحصيلاً لسعادة الطرفين وتكميلاً لمصالح الدارين . وقد أجمع المسلمون على أن الصلوات المكتوبة خمس ، وفي الآية إشارة إلى ذلك لأن الصلوات جمع فأقلها ثلاث ، والصلاة الوسطى تدل على شيء زائد والإلزام التكرار ، وذلك الزائد لو كان الرابع لم يكن للمجموع وسطى فلا أقل من خمسة . والمراد بمحافظتها رعاية جميع شرائطها من طهارة البدن والثوب والمكان ، ومن ستر العورة واستقبال القبلة والإتيان بأركانها وأبعاضها وهيآتها والاحتراز عن مفسداتها من أعمال القلب وأعمال اللسان والجوارح . ومعنى المفاعلة في المحافظة إما لأنها بين العبد والرب كأنه قيل : احفظ الصلاة يحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة كقوله { فاذكروني أذكركم } [ البقرة : 152 ] وفي الحديث " احفظ الله يحفظك " وإما لأنها بين المصلي والصلاة فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن المناهي { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت : 45 ] وحفظته عن الفتن والمحن { واستعينوا بالصبر والصلاة } [ البقرة : 45 ] وكيف لا وفي الصلاة القراءة والقرآن شافع مشفع . في الخبر " تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان فتشهدان وتشفعان " و " إن سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه " .

وفي الصلاة الوسطى سبعة أقوال : الأول : أنه تعالى أمرنا بالمحافظة على الصلاة الوسطى ولم يبين لنا أنها أي الصلوات . وما يروى من أخبار الآحاد لا معوّل عليها فيجب أن تؤدى كلها على نعت الكمال والتمام ، ولعل هذا هو الحكمة في إبهامها ، ولمثل ذلك أخفى الله تعالى ليلة القدر في ليالي رمضان ، وساعة الإجابة في يوم الجمعة ، واسمه الأعظم في أسمائه ، ووقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفاً عازاماً على التوبة في كل الأوقات ، وهذا القول اختاره جمع من العلماء ، عن محمد بن سيرين أن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال : حافظ على الصلوات كلها تصبها . وعن الربيع : أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظاً عليها ومضيعاً سائرهن ؟ قال السائل : لا . قال الربيع : فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الصلاة الوسطى . القول الثاني : أن الوسطى مجموع الصلوات الخمس ، فإن الإيمان بضع وسبعون درجة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطرق . والصلوات المكتوبات واسطة بين الطرفين . القول الثالث : أنها صلاة الصبح وهو قول علي وعمر وابن عباس وابن عمر وجابر وأبي أمامة . ومن التابعين قول طاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد وهو مذهب الشافعي قالوا : إن هذه الصلاة تصلى في الغلس فبعضها في ظلمة الليل وآخرها في ضوء النهار . وأيضاً إن في النهار صلاتين : الظهر والعصر ، وفي الليل صلاتين : المغرب والعشاء ، والصبح متوسط بينهما . وأيضاً الظهر والعصر يجمعان في السفر وكذا المغرب والعشاء والفجر منفرد بينهما . قال القفال : وتحقيق هذا يرجع إلى ما يقوله الناس : فلان متوسط إذا لم يمل إلى أحد الخصمين وكان منفرداً بنفسه عنهما . وقد أقسم الله تعالى بها في قوله

{ والفجر وليالٍ عشر } [ الفجر : 1 ، 2 ] وأيضاً قال تعالى : { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً } [ الإسراء : 28 ] واتفقوا على أن المراد منه صلاة الفجر فخصها في تلك الآية بالذكر للتأكيد وخص الصلاة الوسطى في هذه الآية بالذكر للتأكيد ، فيغلب على الظن أنهما واحد . وأيضاً قرن هذه الصلاة بذكر القنوت في قوله { وقوموا لله قانتين } وليس في المفروضة صلاة صبح فيها القنوت إلا الصبح . وأيضاً لا شك أنه تعالى أفردها بالذكر لأجل التأكيد والصبح أحوج الصلوات إلى ذلك ، ففيه ترك النوم اللذيذ واستعمال الماء البارد والخروج إلى المسجد في الوقت الموحش . وأيضاً الإفراد بالذكر ينبئ عن الفضل ، ولا ريب في فضيلة صلاة الصبح ولهذا جاء

{ والمستغفرين بالأسحار } [ آل عمران : 17 ] وروي أن التكبيرة الأولى منها في الجماعة خير من الدنيا وما فيها . وخصت بالأذان مرتين : أولاهما قبل الوقت إيقاظاً للناس حتى لا تفوتهم ألبتة ، وخص أذانها بالتثويب وهو أن يقول بعد الجيعلتين : الصلاة خير من النوم . وإن الانسان إذا قام من منامه فكأنه صار موجوداً بعد العدم ، وعند ذلك يزول عن الخلائق ظلمة الليل وظلمة النوم والغفلة وظلمة الفجر والحيرة ، ويملأ العالم نوراً والأبدان حياة وعقلاً وقوةً وفهماً . فهذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية وإظهار الخضوع والاستكانة لفاطر السماوات والأرض وجاعل الظلمات والنور . وعن علي عليه السلام أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال : كنا نرى أنها الفجر . وعن ابن عباس أنه صلى الصبح ثم قال : هذه هي الصلاة الوسطى . القول الرابع : أنها صلاة الظهر ويروى عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، لأن الظهر كان شاقاً عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى . وعن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهاجرة وكانت أثقل الصلوات على أصحابه ، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان فقال صلى الله عليه وسلم : " لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم " فنزلت هذه الآية . وأيضاً ليس في المكتوبات صلاة وقعت وسط الليل والنهار إلا هذه ، وإنها صلاة بين صلاتين نهاريتين : الفجر والعصر وأنها صلاة بين البردين : برد الغداة وبرد العشي ، وإن أول إمامة جبرائيل كان في صلاة الظهر كما ورد في الأحاديث الصحاح ، وإن صلاة الجمعة مع ما ورد في فضلها تنوب عن الظهر لا عن غيرها . وعن عائشة أنها كانت تقرأ { والصلاة الوسطى وصلاة العصر } وكانت تقول : سمعت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فيغلب على الظن أن المعطوف عليه العصر هو الظهر الذي قبله . وروي أن قوماً كانوا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى فقال : هي صلاة الظهر ، كانت تقام في الهاجرة . القول الخامس : أنها صلاة العصر ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم ، ومن الفقهاء النخعي وقتادة والضحاك وهو مروي عن أبي حنيفة أيضاً لما ورد من التأكيد فيه كقوله صلى الله عليه وسلم " من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " وقد أقسم الله بها في قوله { والعصر إن الإنسان لفي خسر } [ العصر : 1 ، 2 ] ولما يحتاج في معرفة وقتها إلى تأمل أكثر من حال الظهر . فالمغرب يعرف بغروب جرم الشمس ، والعشاء يعرف بغروب الشفق ، والفجر بطلوع الصبح الصادق ، والظهر بدلوك الشمس عن دائرة نصف النهار ، ولما في وقتها من اشتغال الناس بحوائجهم . وعن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق : " شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً " رواه البخاري وملسم وسائر الأئمة . وهو عظيم الموقع في المسألة . وفي صحيح مسلم " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب . وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف : إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أملي عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها فأملت عليه { والصلاة الوسطى صلاة العصر } . القول السادس : أنها صلاة المغرب . عن قبيصة بن ذؤيب لأنها بين بياض النهار وسواد الليل ، ولأنها وسط في الطول والقصر . القول السابع : أنها صلاة العشاء لأنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران : المغرب والصبح . ولما ورد في فضلها عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم " من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة " وقال أهل التحقيق : القلب هو الذي في وسط الإنسان بل هو واسطة بين الروح والجسد فكأنه قيل : حافظوا على صورة الصلوات بشرائطها ، وحافظوا على معاني الصلوات وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة وبعدها . ثم إن الشافعي احتج بالآية على أن الوتر ليس بواجب وإلا كانت الصلوات ستاً فلم يبق لها وسطى . وهذا إنما يتم لو كان المراد الوسطى في العدد ، لكنه يحتمل أن يكون الوسطى في الفضيلة من قوله { وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً } [ البقرة : 143 ] أو الوسطى في الزمان وهو الظهر ، أو الوسطى في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات فيتوسط بين الاثنتين والأربع ، أو الوسطى في الصفة كصلاة الصبح يتوسط بين صفتي الظلام والضياء { وقوموا لله قانتين } عن ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر لقوله تعالى { أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً }

[ الزمر : 9 ] ولأن قوله { حافظوا على الصلوات } أمر بما في الصلاة من الفعل فيكون القنوت عبارة عن كل ما في الصلاة من الذكر . وعن الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل : قانتين أي مطيعين لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " كل قنوت في القرآن فهو الطاعة " { ومن يقنت منكن لله ورسوله }

[ الأحزاب : 31 ] { فالصالحات قانتات } [ النساء : 34 ] فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها . وفيه زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما لا يجزى وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد ، ولو كان كما قالوا وجب أن لا يصلي أصلاً لأنه تعالى كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا فكذلك لا يحتاج إلى القليل ، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الرسل والسلف الصالح فأطالوا وخشعوا واستكانوا وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال وقيل : قانتين ساكتين . عن زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت { وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام . وعن مجاهد : القنوت عبارة عن الخشوع وخفض الجناح وسكون الأطراف ، وكان أحدهم إذا صلى خاف ربه فلا يلتفت ، ولا يقلب الحصى ، ولا يعبث بشيء من جسده .