في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (267)

261

ويمضي السياق خطوة أخرى في دستور الصدقة . ليبين نوعها وطريقتها ، بعد ما بين آدابها وثمارها :

( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ، ومما أخرجنا لكم من الأرض ، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون . ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ، واعلموا أن الله غني حميد ) . .

إن الأسس التي تكشفت النصوص السابقة عن أن الصدقة تقوم عليها وتنبعث منها لتقتضي أن يكون الجود بأفضل الموجود ؛ فلا تكون بالدون والرديء الذي يعافه صاحبه ؛ ولو قدم إليه مثله في صفقة ما قبله إلا أن ينقص من قيمته . فالله أغنى عن تقبل الرديء الخبيث !

وهو نداء عام للذين آمنوا - في كل وقت وفي كل جيل - يشمل جميع الأموال التي تصل إلى أيديهم . تشمل ما كسبته أيديهم من حلال طيب ، وما أخرجه الله لهم من الأرض من زرع وغير زرع مما يخرج من الأرض ويشمل المعادن والبترول . ومن ثم يستوعب النص جميع أنواع المال ، ما كان معهودا على عهد النبي [ ص ] وما يستجد . فالنص شامل جامع لا يفلت منه مال مستحدث في أي زمان . وكله مما يوجب النص فيه الزكاة . أما المقادير فقد بينتها السنة في أنواع الأموال التي كانت معروفة حينذاك . وعليها يقاس وبها يلحق ما يجد من أنواع الأموال .

وقد وردت الروايات بسبب لنزول هذه الآية ابتداء ، لا بأس من ذكره ، لاستحضار حقيقة الحياة التي كان القرآن يواجهها ؛ وحقيقة الجهد الذي بذله لتهذيب النفوس ورفعها إلى مستواه . .

روى ابن جرير - بإسناده - عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال : " نزلت في الأنصار . كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها البسر فعلقوه على حبل بين الاسطوانتين في مسجد رسول الله [ ص ] فيأكل فقراء المهاجرين منه . فيعمد الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع قناء البسر ، يظن أن ذلك جائز . فأنزل الله فيمن فعل ذلك : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) . .

وكذلك رواه الحاكم عن البراء وقال : صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه .

ورواه ابن أبي حاتم - بإسناده عن طريق آخر - عن البراء - رضي الله عنه - قال : نزلت فينا . كنا أصحاب نخل ، فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته ، فيأتي رجل بالقنو ، فيعلقه في المسجد . وكان أهل الصفة ليس لهم طعام . فكان أحدهم إذا جاع جاء فضرب بعصاه ، فسقط منه البسر والتمر فيأكل ، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو الحشف والشيص ، فيأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه ، فنزلت : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) . قال : لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء . فكنا بعد ذلك يجيء الرجلى منا بصالح ما عنده .

والروايتان قريبتان . وكلتاهما تشير إلى حالة واقعة في المدينة ؛ وترينا صفحة تقابل الصفحة الأخرى التي خطها الأنصار في تاريخ البذل السمح والعطاء الفياض . وترينا أن الجماعة الواحدة تكون فيها النماذج العجيبة السامقة ، والنماذج الأخرى التي تحتاج إلى تربية وتهذيب وتوجيه لتتجه إلى الكمال ! كما احتاج بعض الأنصار إلى النهي عن القصد إلى الرديء من أموالهم ، الذي لا يقبلونه عادة في هدية إلا حياء من رده ولا في صفقة إلا بإغماض فيه أي : نقص في القيمة ! بينما كانوا يقدمونه هم لله !

ومن ثم جاء هذا التعقيب :

( واعلموا أن الله غني حميد ) . .

غني عن عطاء الناس إطلاقا . فإذا بذلوه فإنما يبذلونه لأنفسهم فليبذلوه طيبا ، وليبذلوه طيبة به نفوسهم كذلك .

حميد . . يتقبل الطيبات ويحمدها ويجزي عليها بالحسنى . .

ولكل صفة من الصفتين في هذا الموضع إيحاء يهز القلوب . كما هز قلوب ذلك الفريق من الأنصار فعلا . ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم . . . ) . . وإلا فالله غني عن الخبيث الذي تقصدون إليه فتخرجون من صدقاتكم ! بينما هو - سبحانه - يحمد لكم الطيب حين تجرحونه ويجزيكم عليه جزاء الراضي الشاكر . وهو الله الرازق الوهاب . . يجزيكم عليه جزاء الحمد وهو الذي أعطاكم إياه من قبل ! أي إيحاء ! وأي إغراء ! وأي تربية للقلوب بهذا الأسلوب العجيب !

/خ274

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (267)

ولما رغب في الفعل وتخليصه عن الشوائب أتبعه المال المنفق منه فأمر بطيبه فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { أنفقوا } أي تصديقاً لإيمانكم { من طيبات ما كسبتم } وإنما قدم الفعل لأنه ألصق بالإنسان وتطييبه أعم نفعاً ، ولما ذكر {[12958]}ما أباحه سبحانه{[12959]} وتعالى من أرباح{[12960]} التجارات ونحوها أتبعه ما أباحه من منافع النباتات{[12961]} ونحوها منبهاً بذلك على أن كل ما يتقلب{[12962]} العباد فيه من أنفسهم وغيرها نعمة منه أنشأها من الأرض التي أبدعها من العدم ترغيباً في الجود به وفي جعله خياراً حلالاً وترهيباً من الشح به وجعله ديناً أو حراماً فقال : { ومما أخرجنا } أي بعظمتنا { لكم } نعمة منا عليكم { من الأرض } قال الحرالي : قدم{[12963]} خطاب المكتسبين بأعمالهم كأنهم المهاجرون وعطف عليهم المنفقين من الحرث والزرع كأنهم الأنصار - انتهى .

ولما أمر بذلك أكد الأمر به بالنهي عن ضده فقال : { ولا تيمموا } أي{[12964]} لا تتكلفوا أن تقصدوا { الخبيث منه } أي خاصة { تنفقون } قال الحرالي : الخبيث صيغة مبالغة بزيادة الياء من الخبث وهو ما ينافر{[12965]} حس النفس : ظاهره وباطنه ، في مقابله{[12966]} ما يرتاح إليه من الطيب الذي ينبسط{[12967]} إليه ظاهراً وباطناً{[12968]} ، وقال{[12969]} : ففي إلاحته معنى حصر{[12970]} كأنهم لا ينفقون إلا منه ليتجاوز النهي{[12971]} من ينفق من طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من الخبيث - انتهى . ثم أوضح قباحة ذلك بقوله : { ولستم بآخذيه } أي إذا كان لكم على أحد حق فأعطاكموه { إلا أن تغمضوا } أي تسامحوا { فيه } {[12972]}بالحياء مع الكراهة{[12973]} . قال الحرالي : من الإغماض وهو الإغضاء عن العيب{[12974]} فيما يستعمل ، أصله من الغمض وهي نومة تغشي الحس ثم تنقشع ، وقال : ولما كان الآخذ هو الله سبحانه وتعالى ختم بقوله : { واعلموا } انتهى .

وعبر بالاسم الأعظم فقال : { أن الله }{[12975]} المستكمل لجميع صفات الكمال من الجلال والجمال { غني } يفضل{[12976]} على من أسلف خيراً رغبة{[12977]} فيما عنده وليست به حاجة تدعوه إلى أخذ الرديء ولا رغبكم{[12978]} في أصل الإنفاق لحاجة منه إلى شيء مما عندكم وإنما ذلك لطف منه بكم ليجري عليه {[12979]}الثواب والعقاب{[12980]} { حميد * } يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محموداً ولا يزال عذب أو أثاب . قال الحرالي{[12981]} : وهي صيغة مبالغة بزيادة ياء من الحمد الذي هو سواء أمر الله الذي لا تفاوت فيه من جهة إبدائه{[12982]} وافق الأنفس أو خالفها .


[12958]:في ظ: سبحانه ما إباحة.
[12959]:في ظ: سبحانه ما إباحة.
[12960]:في الأصل: أرباب، والتصحيح من م وظ ومد.
[12961]:من م ومد وظ، وفي الأصل: النبات.
[12962]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ينقلب.
[12963]:في م: تقدم.
[12964]:زيد في م وظ ومد: و.
[12965]:في ظ: يتأخر.
[12966]:من ظ، وفي بقية الأصول: مقابلة.
[12967]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يبسط.
[12968]:من م ومد وظ، وفي الأصل:باطن.
[12969]:زيد في م: قال الحرالي.
[12970]:في م: خصر ـ كذا بالخاء المعجمة.
[12971]:في م: النفس.
[12972]:ليست في ظ.
[12973]:ليست في ظ.
[12974]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الغيب.
[12975]:زيد في م ومد وظ: أي.
[12976]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يفصل.
[12977]:في ظ: رغبه.
[12978]:في ظ: لا زغبكم ـ كذا.
[12979]:في ظ: العقاب والثواب.
[12980]:في ظ: العقاب والثواب.
[12981]:ليس في ظ.
[12982]:في م: إمدانه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (267)

قوله : ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذين إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله وسع عليم يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) يخاطب الله عباده المؤمنين أن ينفقوا من جيد ما يملكون من أموال . ويشمل الإنفاق كلا من الزكاة المفروضة وصدقة التطوع ، وعلى ذلك فإن مفهوم الآية يستفاد منه العموم .

والمراد بالكسب ما أمكن تحصيله من الأموال مما كان سبيله التجارة أو الإجارة أو الميراث أو غيره من سائر الأرزاق والمكاسب .

أما ما أخرجه الله لعباده من الأرض فإن مدلوله عام يتناول كل ما حوته الأرض ، سواء كان نباتا أو ركازا أو معدنا . فذلك كله مما امتن الله به على عباده فأخرجه لهم من الأرض لاستعماله والاستفادة منه في تحصيل مصالحهم .

قوله ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) أي لا تقصدوا المال الرديء من أموالكم لتعطوه للفقراء والمحتاجين ، بل عليكم أن تقدموا من أموالكم ما كان جيدا أو وسطا ، أما الرديء فلا . فقد روي أن بعض الأنصار كانوا يخرجون من جذاذ نخيلهم قنو الحشف{[349]} وهو يظن أنه جائز ، فنزل فيمن فعل ذلك قوله : ( ولا تيمموا الخبيث ) {[350]} .

وقوله : ( ولستم بآخذين إلا أن تغمضوا فيه ) لو قدم إليكم مثل هذا المال الرديء لزهدتم فيه ولما أخذتموه إلا في إغماض ، والإغماض يراد به التساهل والتجاوز . وهو أن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه .

والمرء مفطور على حب الجيد من المال ، حتى إذا قدم إليه الرديء فإنه لا يأخذه إلا ونفسه تعافه أو تعزف عنه ؛ لانحطاط قيمته ومستواه . وذلك هو مدلول العبارة القرآنية الفذة التي لا يجزي عنها تعبير آخر ( إلا أن تغمضوا فيه ) فلا جرم أن ذلك إعجاز .

وعلى هذا فإن الآية تستنهض همم المؤمنين أن يؤتوا من أموالهم أحسنها أو أوسطها ، وألا يقصدوا الخبيث الدنيء منها فيتصدقوا به ؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا .

قوله : ( واعلموا أن الله غني حميد ) أي أن الله غني عنكم وعن صدقاتكم وأموالكم ، بل إن الناس جميعا فقراء إليه ، وهو سبحانه مالك الملك بيده مقاليد السموات والأرض ، وهو سبحانه حميد ، أي معظم محمود ، يحمده العباد والخلائق ويثنون عليه ثناء يليق بجلاله وكماله .


[349]:- قنو الحشف: هو العذق من أراد التمر. انظر مختار الصحاح ص 554 والمصباح المنير جـ 1 ص 148
[350]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 56.