وبهذا يختم هذا الشطر من الجولة مع بني إسرائيل في تاريخهم الحافل بالكفر والتكذيب ، والالتواء واللجاجة ، والكيد والدس ، والقسوة والجدب ، والتمرد والفسوق . .
( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ؟ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ؟ أفلا تعقلون ؟ أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ؟ ) . .
كانت صورة الجفاف والقسوة والجدب هي التي صور الله بها قلوب بني إسرائيل في نهاية الدرس الماضي . صورة الحجارة الصلدة التي لا تنض منها قطرة ، ولا يلين لها ممس ، ولا تنبض فيها حياة . . وهي صورة توحي باليأس من هذه الطبيعة الجاسية الجامدة الخاوية . . وفي ظل هذا التصوير ، وظل هذا الإيحاء ، يلتفت السياق إلى المؤمنين ، الذين يطمعون في هداية بني إسرائيل ، ويحاولون أن يبثوا في قلوبهم الإيمان ، وأن يفيضوا عليها النور . . يلتفت إلى أولئك المؤمنين بسؤال يوحي باليأس من المحاولة ، وبالقنوط من الطمع :
( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ؟ وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ؟ ) . .
إلا أنه لا مطمع ولا رجاء في أن يؤمن أمثال هؤلاء . فللإيمان طبيعة أخرى ، واستعداد آخر . إن الطبيعة المؤمنة سمحة هينة لينة ، مفتحة المنافذ للأضواء ، مستعدة للاتصال بالنبع الأزلي الخالد بما فيها من نداوة ولين وصفاء . وبما فيها من حساسية وتحرج وتقوى . هذه التقوى التي تمنعها أن تسمع كلام الله ثم تحرفه من بعد تعقله . تحرفه عن علم وإصرار . فالطبيعة المؤمنة طبيعة مستقيمة ، تتحرج من هذا التحريف والالتواء .
والفريق المشار إليه هنا هو أعلم اليهود وأعرفهم بالحقيقة المنزلة عليهم في كتابهم هم الأحبار والربانيون ، الذين يسمعون كلام الله المنزل على نبيهم موسى في التوراة ثم يحرفونه عن مواضعه ، ويؤولونه التأويلات البعيدة التي تخرج به عن دائرته . لا عن جهل بحقيقة مواضعه ، ولكن عن تعمد للتحريف ، وعلم بهذا التحريف . يدفعهم الهوى ، وتقودهم المصلحة ، ويحدوهم الغرض المريض ! فمن باب أولى ينحرفون عن الحق الذي جاء به محمد [ ص ] وقد انحرفوا عن الحق الذي جاء به نبيهم موسى - عليه السلام - ومن باب أولى - وهذا خراب ذممهم ، وهذا إصرارهم على الباطل وهم يعلمون بطلانه - أن يعارضوا دعوة الإسلام ، ويروغوا منها ويختلقوا عليها الأكاذيب !
ولما بيّن سبحانه أن قلوبهم صارت من كثرة المعاصي وتوالي التجرّؤ على بارئها محجوبة بالرين كثيفة الطبع بحيث إنها أشد قسوة من الحجارة تسبب عن ذلك بعدهم عن الإيمان فالتفت إلى المؤمنين يؤيسهم{[3206]} من فلاحهم {[3207]}تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما كان يشتد حرصه عليه من طلب إيمانهم{[3208]} في معرض التنكيت عليهم والتبكيت لهم منكراً للطمع في إيمانهم بعد ما قرر أنه تكرر{[3209]} من كفرانهم{[3210]} فقال : { أفتطمعون } والطمع{[3211]} تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب له { أن يؤمنوا } {[3212]}أي هؤلاء الذين بين أظهركم{[3213]} وقد سمعتم ما اتفق لأسلافهم من الكثافة وهم راضون بذلك وإلا لآمنوا بمجرد هذا الإخبار عن هذه القصص من هذا النبي الأمي الذي يحصل التحقيق{[3214]} بأنه لا معلم له بها إلاّ الله معترفين " لكم وقد " أي والحال أنه قد { كان فريق }{[3215]} أي ناس يقصدون الفرقة والشتات{[3216]} { منهم } قال الحرالي : من الفرق وهو اختصاص برأي وجهة عمن حقه أن يتصل به ويكون معه - انتهى . و { يسمعون كلام الله } المستحق لجميع صفات الكمال والكلام{[3217]} قال الحرالي : هو إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الإظهار - انتهى .
ثم يحرفونه }{[3218]} أي يزيلونه عن وجهه برده على حرفه ، وفي ذكر الفريق مع المعطوفات عليه تأكيد{[3219]} لعظيم تهمّكهم{[3220]} في العصيان بأنهم كانوا بعد ما وصف من أحوالهم{[3221]} الخبيثة{[3222]} فرقاً{[3223]} في الكفر والعدوان والتبرء من جلباب الحياء ، وقوله : { من بعد ما عقلوه }{[3224]} مع كونه توطية لما{[3225]} يأتي من أمر الفسخ مشيراً إلى أن تحريفهم لم يكن في محل إشكال لكونه مدركاً بالبديهة ، {[3226]}وأثبت الجار لاختلاف أحوالهم{[3227]} .
ولما كان هذا مع أنه إشارة إلى أنهم على جبلات إبائهم وإلى أن من اجترأ على الله لم ينبغ لعباد الله أن يطمعوا في صلاحه لهم ، لأنه إذا اجترأ على العالم بالخفيات كان على غيره أجرأ مشيراً إلى أنه لا يفعله عاقل ختمه بقوله : { وهم يعلمون * }{[3228]} أي والحال أنهم مع العقل حاملون للعلم فاهمون له غير غافلين بل متعمدون .
قوله تعالى : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد م عقلوه وهم يعلمون } الطمع هو نزوع النفس إلى الشيء ؛ رغبة فيه وشهوة له .
{ أفتطعمون } جملة فعلية تتألف من فعل وفاعل " واو الجماعة " والهمزة للاستفهام وهو هنا إنكاري ، والآية تيئيس للمسلمين أتباع الرسول محمد ( صلى الله عليه وسلم ) من إيمان يهود . أي هل ترجون أن يؤمن لكم هؤلاء اليهود فيصدقوا نبيكم وكتابكم مع أن آباءهم كانوا أشرار غلاظا يسمعون التوراة كتابهم ، ثم يتأولونها على غير معناها الصحيح ؟ كل ذلك وهم يعلمون في قرارة نفوسهم أنهم كاذبون ، وأن تأويلهم للتوراة كان على الوجه المحرف الفاسد . ذلك إيحاء مكشوف لأتباع ملة الإسلام بأن هؤلاء اليهود لا خير فيهم ، وأنهم لا رجاء ولا أمل في إيمانهم وعودهم إلى الحق والرشاد ، فمثل هذا العود يستلزم نفوسا كريمة خالية من الشذوذ والعطب ، أو طبائع تنطوي على فطرة نقية سليمة غير شوهاء ، وأنّى لهؤلاء القوم المتمردين الفساق أن يكونوا على هذه الخلقة من سلامة النفس والطبع والفطرة ؟ أنّى لهم ذلك وهم الذين قرأوا التوراة كتابهم المقدس ، ووعوه على حقيقته ثم انفتلوا يحرفونه تحريفا ويزيفونه تزييفا ؟ وليس ذلك على سبيل الجهل أو سوء الدراية ، ولكنه العمد المقصود الذي تحرض عليه النفس الخربة الكزة . كل ذلك التحريف والتزييف مقصود لا يحفز إليه إلا الرغبة المجردة في الشر والنكوص الجانح صوب الخطيئة والإثم .
{ وهم يعلمون } تعلم يهود أنهم قد نبذوا كلام الله التوراة بعد ما درسوه ووعوه وعقلوه .