في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (18)

15

حتى إذا أتوا على وادي النمل . قالت نملة : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ، لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون . فتبسم ضاحكا من قولها ، وقال : رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ، وأن أعمل صالحا ترضاه ، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين . .

لقد سار الموكب . موكب سليمان من الجن والإنس والطير . في ترتيب ونظام ، يجمع آخره على أوله ، وتضم صفوفه ، وتتلاءم خطاه . حتى إذا أتوا على واد كثير النمل ، حتى لقد أضافه التعبير إلى النمل فسماه ( وادي النمل )قالت نملة . لها صفة الإشراف والتنظيم على النمل السارح في الوادي - ومملكة النمل كمملكة النحل دقيقة التنظيم ، تتنوع فيها الوظائف ، وتؤدى كلها بنظام عجيب ، يعجز البشر غالبا عن اتباع مثله ، على ما أوتوا من عقل راق وإدراك عال - قالت هذه النملة للنمل ، بالوسيلة التي تتفاهم بها أمة النمل ، وباللغة المتعارفة بينها . قالت للنمل : ادخلو ا مساكنكم - كي لا يحطمنكم سليمان وجنوده . وهم لا يشعرون بكم .

فأدرك سليمان ما قالت النملة وهش له وانشرح صدره بإدراك ما قالت ، وبمضمون ما قالت . هش لما قالت كما يهش الكبير للصغير الذي يحاول النجاة من أذاه وهو لا يضمر أذاه . وانشرح صدره لإدراكه . فهي نعمة الله عليه تصله بهذه العوالم المحجوبة المعزولة عن الناس لاستغلاق التفاهم بينها وقيام الحواجز . وانشرح صدره له لأنه عجيبة من العجائب أن يكون للنملة هذا الإدراك ، وأن يفهم عنها النمل فيطيع !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (18)

ولما كان التقدير : فساروا ، لأن الوزع لا يكون إلا عن سير ، غياه بقوله : { حتى إذا أتوا } أي أشرفوا . ولما كان على بساطه فوق متن الريح بين السماء والأرض . عبر بأداة الاستعلاء فقال : { على واد النمل } وهو واد بالطائف - كما نقله البغوي عن كعب ، وهو الذي تميل إليه النفس فإنه معروف إلى الآن عندهم بهذا الاسم ، ويسمى أيضاً نخب وزن كتف ، وقد رأيته لما قصدت تلك الديار لرؤية مشاهدها ، والتطواف في معابدها ومعاهدها . والتبرك بآثار الهادي ، في الانتهاء والمبادىء ، ووقفت بمسجد فيه قرب سدرة تسمى الصادرة مشهور عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى به ، وهذه السدرة مذكورة في غزوة الطائف من السيرة الهشامية واقتصر في تسمية الوادي على نخب ، وأنشدت فيه يوم وقوفي ببابه ، وتضرعي في أعتابه :مررت بوادي النمل يا صاح بكرة *** فصحت وأجريت الدموع على خدي

وتممت منه موقف الهاشمي الذي *** ملأ الأرض توحيداً يزيد على العد

وكم موقف أفرشته حر جبهتي *** وأبديت في أرجائه ذلة العبد

في قصيدة طويلة .

ولما كانوا في أمر يهول منظره ، ويوهي القوى مخالطته ومخبره ، فكان التقدير : فتبدت طلائعهم ، وتراءت راياتهم ولوامعهم ، وأحمالهم ووضائعهم ، نظم به قوله : { قالت نملة } أي من النمل الذي بذلك الوادي : { يا أيها النمل } ولما حكى عنهم سبحانه ما هو من شأن العقلاء ، عبر بضمائرهم فقال : { ادخلوا } أي قبل وصول ما أرى من الجيش { مساكنكم } ثم عللت أمرها معينة لصاحبه إذ كانت أماراته لا تخفى فقالت جواباً للأمر أو مبدلاً منه : { لا يحطمنكم } أي يكسرنكم ويهشمنكم أي لا تبرزوا فيحطمنكم .

فهو نهي لهم عن البروز في صور نهيه وهو أبلغ من التصريح بنهيهم لأن من نهى كبيراً عن شيء كان لغيره أشد نهياً { سليمان وجنوده } أي فإنهم لكثرتهم إذا صاروا في الوادي استعلوا عليه فطبقوه فلم يدعوا منه موضع شبر خالياً { وهم } أي سليمان عليه السلام وجنوده { لا يشعرون* } أي بحطمهم لكم لاشتغالهم بما هم فيه من أحوال السير ، وتعاطي مصالحه ، مع صغر أجسامكم ، وخفائكم على السائر في حال اضطرابكم ومقامكم ، وقولها هذا يدل على علمها بأنهم لو شعروا بهم ما آذوهم لأنهم أتباع نبي فهم رحماء .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (18)

قوله : { حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ } لما أتى سليمان وجنوده على واد النمل ، قيل : بأرض الشام ، وقيل : بالطائف { قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } { لا } ، ناهية{[3426]} أي لا يكسرنكم سليمان وجنوده بوطئهم عليكم { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } أي لا يعلمون بكم . أو لا يعلمون أنهم يحطمونكم .

وهذه واحدة من المعجزات التي أوتيها نبي من أنبياء بني إسرائيل . معجزة ظاهرة مثيرة تتجلى في كلام تنطق به نملة من النمل فيفهمه سليمان . وذلك من تقدير الله الذي يختار من عباده من يشاء ليميزهم بالنبوة الطاهرة وما تقتضيه من الظواهر العجيبة الخارقة لنواميس الحياة وقوانين الطبيعة .

من أجل ذلك كان للنمل تكريم . فقد قال ابن عباس : " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب ، الهدهد والصرد{[3427]} والنملة والنحلة " وأخرجه أبو داود عن أبي هريرة . وثبت في الصحيح عند مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قرصت{[3428]} نبيا من الأنبياء نملة فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه : أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح ؟ فهلا نملة واحدة ؟ " ويستدل من هذا أيضا على جواز قتل ما يؤذي أو يضر من النمل ؛ فقد أبيح للمؤمن أن يدفع عن نفسه الأذى والضرر إن كان من إنسان ، فكيف بالهوام والدواب التي سخرها الله للإنسان وسلطه عليها ؟ وعلى هذا إذا تأذى الإنسان من النمل جاز له قتل المؤذي منه . فإن قوله : " فهلا نملة واحدة ؟ " دليل على أن الذي يؤدي ، يؤذى ويقتل . وكلما كان القتل لنفع أو لدفع ضرر فلا بأس به عند العلماء .


[3426]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 220.
[3427]:الصرد: بوزن عمر: طائر فوق العصفور. أو هو نوع من الغربان ويقال له الواق. وكانت العرب تتطير من صوته وتقتله فنهى عن قتله دفعا للطيرة وجمعه صردان. انظر لسان العرب جـ 3 ص 249 والمصباح المنير جـ 1 ص 361.
[3428]:القرص: الأخذ بأطراف الأصابع. قرصت الشيء قرصا: لويت عليه بأصبعين. أو أخذ جلده بظفرين. انظر مختار الصحاح جـ 2 ص 155.