الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ} (36)

{ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } : أي ولدتها وإذا هي جارية ، فالهاء في قوله : { وَضَعْتُهَآ } راجعة إلى النذيرة أي مريم من حنّة ، لذلك أنَّث .

{ قَالَتْ } : عذراً وكانت ترجو أن تكون غلاماً ولذلك حررَّت .

{ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَى } : اعتذار إلى اللَّه عزّوجل .

{ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } : [ ما ظنّت ] عن السدي ، وقرأ [ العامّة بتسكين التاء ] وقرأ علي وأبو ميثم النجفي وابن عامر وأبو بكر ويعقوب :

{ وَضَعَتْ } بضمّ التاء جعلوها من كلام أمّ مريم .

{ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى } : في خدمة الكنيسة والعُبَّاد الذين فيها ؛ لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض والنفاس والأذى .

{ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } : وهي بلغتهم : [ الخادمة والعابدة ، وكانت أجمل النساء في وقتها وأفضلها ] .

روى أبو زرعة عن أبي هريرة إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال : " حسبك من نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد " .

{ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ } : آمنها وأجيرها بك . { وَذُرِّيَّتَهَا } : وأولادها .

{ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِِ } : الطريد اللعين المرمي بالشهب .

ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مولود إلاَّ والشيطان يمسه حين يولد فيستهلُ صارخاً من مس الشيطان إيّاه إلاَّ مريم وابنها " ثم يقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : { وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .

سعيد عن قتادة قال : " كل آدمي طعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى ابن مريم وأمه جُعِل بينهما حجاب فأصاب الطعن الحجاب ولم ينفذ إليهما منه شيء " .

قال : وذكر لنا أنّهما كانا لا يصيبان من الذنوب كما يصيبه سائر بني آدم . وقال وهب بن منبه : " لمّا ولد عيسى ( عليه السلام ) أتى الشياطين إبليس فقالوا : أصبحت الأصنام منكّسة ، فقال : هذا لحادثٌ حدث ، وقال : مكانكم ، فطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً ، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً ، ثمّ طار أيضاً فوجد عيسى قد ولد ، وإذا الملائكة قد حفّت حوله فلم يصل إليه إبليس فرجع إليهم ، فقال : إنّ نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلاَّ أنا بحضرتها إلاَّ هذه ، فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ، ولكن ائتوا بني آدم من قِبَل الخفة والعجلة .