( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا . ولباس التقوى ، ذلك خير ، ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ) . .
هذا النداء يجيء في ظل المشهد الذي سبق عرضه من القصة . . مشهد العري وتكشف السوآت والخصف من ورق الجنة . . لقد كان هذا ثمرة للخطيئة . . والخطيئة كانت في معصية أمر الله ، وتناول المحظور الذي نهى عنه الله . . وليست هي الخطيئة التي تتحدث عنها أساطير [ الكتاب المقدس ! ] والتي تعج بها التصورات الفنية الغربية المستقاة من تلك الأساطير ومن إيحاءات " فرويد " المسمومة . . لم تكن هي الأكل من " شجرة المعرفة " - كما تقول أساطير العهد القديم . وغيرة الله - سبحانه وتعالى - من " الإنسان " وخوفه - تعالى عن وصفهم علواً كبيراً - من أن يأكل من شجرة الحياة أيضاً فيصبح كواحد من الآلهة ! كما تزعم تلك الأساطير . ولم تكن كذلك هي المباشرة الجنسية كما تطوف خيالات الفن الأوربي دائماً حول مستنقع الوحل الجنسي ، لتفسر به كل نشاط الحياة كما علمهم فرويد اليهودي ! . .
وفي مواجهة مشهد العري الذي أعقب الخطيئة ومواجهة العري الذي كان يزاوله المشركون في الجاهلية يذكر السياق في هذا النداء نعمة الله على البشر وقد علمهم ويسر لهم ، وشرع لهم كذلك ، اللباس الذي يستر العورات المكشوفة ، ثم يكون زينة - بهذا الستر - وجمالاً ، بدل قبح العري وشناعته - ولذلك يقول : ( أنزلنا ) أي : شرعنا لكم في التنزيل . واللباس قد يطلق على ما يواري السوأة وهو اللباس الداخلي ، والرياش قد يطلق على ما يستر الجسم كله ويتجمل به ، وهو ظاهر الثياب . كما قد يطلق الرياش على العيش الرغد والنعمة والمال . . وهي كلها معان متداخلة ومتلازمة :
( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ) . .
كذلك يذكر هنا ( لباس التقوى ) ويصفه بأنه ( خير ) :
( ولباس التقوى ذلك خير . ذلك من آيات الله . ) . .
قال عبد الرحمن بن أسلم : [ يتقي الله فيواري عورته ، فذاك لباس التقوى ] . .
فهناك تلازم بين شرع الله اللباس لستر العورات والزينة ، وبين التقوى . . كلاهما لباس . هذا يستر عورات القلب ويزينه . وذاك يستر عورات الجسم ويزينه . وهما متلازمان . فعن شعور التقوى لله والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح عري الجسد والحياء منه . ومن لا يستحي من الله ولا يتقيه لا يهمه أن يتعرى وأن يدعو إلى العري . . العري من الحياء والتقوى ، والعري من اللباس وكشف السوأة !
إن ستر الجسد حياء ليس مجرد اصطلاح وعرف بيئي - كما تزعم الأبواق المسلطة على حياء الناس وعفتهملتدمير إنسانيتهم ، وفق الخطة اليهودية البشعة التي تتضمنها مقررات حكماء صهيون - إنما هي فطرة خلقها الله في الإنسان ؛ ثم هي شريعة أنزلها الله للبشر ؛ وأقدرهم على تنفيذها بما سخر لهم في الأرض من مقدرات وأرزاق .
والله يذكر بني آدم بنعمته عليهم في تشريع اللباس والستر ، صيانة لإنسانيتهم من أن تتدهور إلى عرف البهائم ! وفي تمكينهم منه بما يسر لهم من الوسائل :
ومن هنا يستطيع المسلم أن يربط بين الحملة الضخمة الموجهة إلى حياء الناس وأخلاقهم ؛ والدعوة السافرة لهم إلى العري الجسدي - باسم الزينة والحضارة والمودة ! - وبين الخطة الصهيونية لتدمير إنسانيتهم ، والتعجيل بانحلالهم ، ليسهل تعبيدهم لملك صهيون ! ثم يربط بين هذا كله والخطة الموجهة للإجهاز على الجذور الباقية لهذا الدين في صورة عواطف غامضة في أعماق النفوس ! فحتى هذه توجه لها معاول السحق ، بتلك الحملة الفاجرة الداعرة إلى العري النفسي والبدني الذي تدعو إليه أقلام وأجهزة تعمل لشياطين اليهود في كل مكان ! والزينة " الإنسانية " هي زينة الستر ، بينما الزينة " الحيوانية " هي زينة العري . . ولكن " الآدميين " في هذا الزمان يرتدون إلى رجعية جاهلية تردهم إلى عالم البهيمة . فلا يتذكرون نعمة الله بحفظ إنسانيتهم وصيانتها !
ولما بين فيما مضى أن موجب الإخراج من الجنة{[32103]} هو ما أوجب{[32104]} كشف السوءة من المخالفة وفرغ مما استتبعه حتى أخبره بأنه حكم بإسكاننا هذه الدار بعد تلك الدار ، شرع يحذرنا من عدونا كما حذر أبانا عليه السلام{[32105]} ، وبدأ بقوله بياناً لأنه أنعم علينا فيها بكل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وإيذاناً بما في كشف العورة من الفضيحة والإبعاد عن كل خير وإشعاراً بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى { يا بني آدم } .
ولما كان الكلام في كشف العورة ، وأن آدم عليه السلام أعوزه الساتر حتى فزع إلى الورق ، كان موضع أن يتوقع{[32106]} ما يكون في ذلك فقال{[32107]} مفتتحاً بحرف التوقع : { قد أنزلنا } أي بعظمتنا { عليكم } من آثار بركات السماء ، إما ابتداء بخلقه وإما بإنزال أسبابه لمطر ونحوه { لباساً } أي لم يقدر عليه أبوكم في الجنة { يواري سوءاتكم } إرشاداً إلى دواء ذلك الداء وإعلاماً بأن نفس الكشف نقص لا يصلح لحضرات الكمال ، وقال : { وريشاً } إشارة إلى أنه سبحانه زادنا على الساتر ما به الزينة والجمال استعارة من ريش الطائر ، محبباً{[32108]} فيما يبعد من الذنب ويقرب إلى حضرة{[32109]} الرب .
ولما ذكر اللباس الحسي ، وقسمه على ساتر ومزين{[32110]} ، أتبعه المعنوي فقال مشيراً - بقطعه في قراءة الجمهور عما قبله - إلى كمال تعظيمه حثاً عليه وندباً إليه : { ولباس التقوى } فعلم أن ساتر العورات حسي ومعنوي ، فالحسي لباس الثياب ، والمعنوي التحلي بما يبعث على المناب{[32111]} ؛ ثم زاد في تعظيم المعنوي بقوله : { ذلك خير } أي ولباس التقوى هو{[32112]} خير من لباس الثياب ، ولكنه فصل باسم الإشارة المقترن بأداة البعد إيماء إلى علو رتبته وحسن عاقبته لكونه أهم{[32113]} اللباسين لأن نزعه يكون بكشف العورة الحسية والمعنوية ، فلو تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو غير متق كان كله سوءات ، ولو كان متقياً وليس عليه إلا خريقة تواري عورته كان في غاية الجمال والستر والكمال ، بل ولو كان مكشوف العورة في بعض الأحوال كما قال صلى الله عليه وسلم " ستر ما بين عوراتكم وأعين الجن أن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء : بسم الله اللهم ! إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " رواه الترمذي وابن ماجه عن علي رضي الله عنه ، والذي يكاد يقطع به أن المعاصي سبب إحلال السوءة الذي منه ضعف البدن وقصر العمر حساً أو معنى بمحق البركة منه لما يفهمه ما تقدم في البقرة في بدء الخلق عن التوراة أن الله تعالى قال لآدم عليه السلام : كل من جميع أشجار الفردوس ، فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل منها لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتاً تتهيأ للموت حساً ، ويقضى عليك بالاشتغال بأسباب المعيشة فيقصر عمرك معنى بذهاب بركته - والله أعلم{[32114]} .
ولما كان في شرع اللباس تمييز الإنسان عن بقية الحيوان وتهيئة أسبابه التي لم يجدها آدم عليه السلام في الجنة من الفضل والنعمة والدلالة على عظمة المنعم ورحمته وقدرته واختياره ما هو معلوم ، قال : { ذلك } أي إنزال اللباس { من آيات الله } أي الذي حاز صفات الكمال الدالة على فضله ورحمته لعباده ، ولعل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة { لعلهم يذكرون* } - ولو على أدنى وجوه التذكر بما يشير إليه الإدغام - لئلا يقول المتعنت : إن الحث على التذكر خاص بالمخاطب ويدعي أنه المسلمون فقط ، أي أنزلنا ذلك ليكون حالهم{[32115]} حال من يتذكر فيعرف أنه يستقبح منه ما يستقبح من غيره .
قوله تعالى : { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوأتكما وريشا ولباسا التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون 26 يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان كما اخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوأتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } اللباس ما يلبس{[1360]} والمراد بالإنزال هنا الخلق ؛ أي خلقنا لكم لباسا يستر عوراتكم التي أظهرها إبليس من أبويكم وهما في الجنة . ويستدل بذلك على وجوب ستر العورة لكل من الرجل والمرأة فسترها فرض بإطلاق ، لكن العلماء اختلفوا في تحديد ماهية العورة لكل منهما . فعورة الرجل ما بين السرة والركبة . واختلفوا في كون السرة والركبة من العورة ؛ فقد قالت الحنفية : عورة الرجل ما تحت السرة إلى الركبة . وبذلك فغن السرة ليست عندهم من العورة ؛ للخبر : ( عورة الرجل ما بين سرته وركبته ) أما الركبة عندهم فهي من العورة ؛ للخبر : ( الركبة من العورة ) : أما الشافعية فقالوا : السرة من العورة . أما الركبة فليست عورة . وعند المالكية ، العورة ما بين السرة إلى الركبة . يعني أن عورة الرجل التي يحرم النظر إليها ، ما بين السرة والركبة ؛ فيجب ستر ذلك سواء في الصلاة أو خارجها . أما الفخذ فهو عندهم عورة مخففة ويكره كشفها ولا يحرم . واحتجوا لكونها عورة بما رواه البخاري عن جرهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( غط فخذاك فإن الفخذ عورة ) .
وقال أهل الظاهر : العورة من الرجل هو الفرج نفسه ، وهما القبل والدبر دون غيرهما استنادا إلى ظاهر الآية { لباسا يواري سوآتهما } والسوءة الفرج ؛ فهو عورة دون غيره .
أما المرأة الحرة فكلها عورة باستثناء الوجه والكفين . وهو قول أكثر أهل العلم . ويستدل لذلك بالخبر : ( من أرادا أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها ) ؛ ولأن كشف ذلك من الإحرام واجب . وقالت الحنفية : قدم المرأة ليست بعورة دفعا للحرج عنها بستر قدمها . وقال أخرون : كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها .
أما الأمة فعورتها ما تحت ثديها ولها أن تبدي رأسها ومعصميها{[1361]} فحكمها في ذلك حكم الرجل . فلما كان عورة من الرجل فهو عورة من الأمة ، فبطنها وظهرها عورة ، وما سوى ذلك من بدنها ليس بعورة ؛ لأنها تخرج في حاجة سيدها في ثياب مهنتها عادة ، وتكليفها بلباس الحرة يلحق بها حرجا شديدا{[1362]} .
أما قوله : { وريشا } فالمراد بالريش هنا اللباس الفاخر . وقيل : المال والخصب والمعاش{[1363]} والمقصود بيان واحدة من نعم الله على عباده ؛ إذ خلق لهم ما يلبسونه لستر عوراتهم وأجسادهم وما يتجملون به في حياتهم من زينة اللباس وفاخرة مما يكسبهم إحساسا بالسعادة ورفاهة العيش .
قوله : { لباس التقوى ذلك خير } لباس مرفوع على أنه مبتدأ ، وخبره { ذلك خير } {[1364]} .
أما لباس التقوى ، فتأويله على أنه لباس الورع والاستقامة على طريق الله والتزام دينه وشرعه معاصيه ، والائتمار بأوامره . وقيل : لباس التقوى يشمل كل وجوه الصلاح والاستقامة مما ينبثق في الأصل عن عقيدة التوحيد الخالص والإيمان بالله وحده دون شريك سواه والازدجار عما نهي عنه وزجر ، والاستعصام بشرعه وما أمر . لا جرم أن التمسك بعقيدة الإسلام والأخذ بمنهج الله وحده دون غيره من مناهج الأرض ، لسوف يصير بالإنسان المسلم إلى أشرف صيرورة من سلامة الطيع وطهارة الطوية وجمال الخلق بما يفيض على المرء من محاسن السلوك وروعة الحياء وحسن التصرف ما يجعله الإنسان المميز المفضال .
قوله : { ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون } الإشارة هنا إلى ما تقدم من إنزال اللباس والرياش ولباس التقوى . فذلك كله من آيات الله الدالة على فضله على عباده ورحمته بهم { لعلهم يذكرون } أي يتفكرون فيما خلقه الله من هذه الآيات وأمثالها فيؤمنون بالله إيمانا صحيحا فيفرون إلى الله وحده ، مبادرين الإنابة إليه والثواء إلى جنابه العظيم .