الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ} (26)

{ يَابَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ } أي خلقنا لكم ، وقيل : نزّلنا أسبابه وآلاته لأنه [ المثبّت ] بما يقول .

وقيل : [ على الحكم ] كبقيّة صنعته وذلك أن قريشاً كانوا يطوفون بالبيت عراة وقوله { لِبَاساً } وهو ما يُلبس من الثياب { يُوَارِي } يستر { سَوْءَاتِكُمْ } عوراتكم واحدها سوءة ، وهي فعلة من السوء سمّيت سوأة لأنّه يسوء صاحبها إنكشافها من جسده { وَرِيشاً } يعني مالاً في قول ابن عباس والضحاك والسدي ، فقال : الريش : الرجل إذا [ تموك ] وقال ابن زيد : الريش الجمال .

وقيل : هو اللباس . وحكي أبو عمرو أنّ العرب تقول : أعطاني فلان ريشة أي كسوة وجهازة .

وقرأ عثمان بن عفان والحسن وأبو عبد الرحمن وأبو رجاء وقتادة : ورياشاً بالألف وهو جمع ريش مثل ذئب وذياب وبير وبيار وقَدِحَ وقداح .

قال قطرب : الريش والرياش واحد ، كقولك دبغ ودباغ ولبس ولباس وحل وحلال وحرم وحرام ، ويجوز أن يكون مصدراً من قول القائل : راشه إليه بريشه رياشاً .

والرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من المتاع والثياب و الفراش وغيرها . وقال ابن عباس : الرياش اللباس والعيش والنعيم . وقال الأخفش : الرياش الخصبة والمعايش .

{ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذلِكَ خَيْرٌ } قرأ أهل المدينة والشام . والكسائي ولباس التقوى بالنصب عطفاً على الريش . وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء وخبره ( خير ) .

وجعلوا ذلك صلة في الكلام ، وكذلك قرأ ابن مسعود وأُبي بن كعب : ولباس التقوى خير . واختلفوا في لباس التقوى ماهو [ هل ] يدلّ على لباس التقوى [ الدرع ] والساعدان . والساقان . والآلات التي يتّقى بها في الحرب مع العدو .

وقال قتادة والسدي وابن جريج : لباس التقوى هو الإيمان . وقال معبد الجهني : هو الحياة . وأنشدني أبو القاسم [ السدوسي ] قال : أنشدني أبو عرابة الدوسي في معناه

إني كأني أرى من لا حيالة *** ولا أمانة وسط الناس عُرياناً .

عطيّة عن ابن عباس : هو العمل الصالح وروى الذبال بن عمرو عن ابن عباس قال : هو السمت الحسن في الوجه .

وقال الحسن : رأيت عثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قميص قوهي محلول الزر وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحمام ، ثمّ قال : أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " والذي نفس محمد بيده ماعمل أحدٌ قط سراً إلاّ ألبسه الله رداءه علانية إن خيراً فخير وإن شراً فشر " ثمّ تلا هذه الآية { وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذلِكَ خَيْرٌ } قال : السمت الحسن .

وقال عروة بن الزبير : لباس التقوى خشية الله ، ابن زيد : ستر للعورة يتقي الله فيواري عورته { ذلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } قال وهب بن منبه : الإيمان عريان لباسه التقوى وزينته الحياء وفاله [ الفقه ] وجماله العفّة ، وثمره العمل الصالح .