وبعد ذلك يهبط الخط التصويري الهائل من السماء إلى الأرض فيرسم لوحتها العريضة الأولى :
( وهو الذي مد الأرض ، وجعل فيها رواسي وأنهارا ، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين . يغشي الليل النهار . إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) .
والخطوط العريضة في لوحة الأرض هي مد الأرض وبسطها أمام النظر وانفساحها على مداه . لا يهم ما يكون شكلها الكلي في حقيقته . إنما هي مع هذا ممدودة مبسوطة فسيحة . هذه هي اللمسة الأولى في اللوحة . ثم يرسم خط الرواسي الثوابت من الجبال ، وخط الأنهار الجارية في الأرض . فتتم الخطوط العريضة الأولى في المشهد الأرضي ، متناسقة متقابلة .
ومما يناسب هذه الخطوط الكلية ما تحتويه الأرض من الكليات ، وما يلابس الحياة فيها من كليات كذلك .
وتتمثل الأولى فيما تنبت الأرض : ( ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) . وتتمثل الثانية في ظاهرتي الليل والنهار : يغشي الليل النهار .
والمشهد الأول يتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم إلا قريبا . هي أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى ، حتى النباتات التي كان مظنونا أن ليس لها من جنسها ذكور ، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر ، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة ، أو متفرقة في العود . وهي حقيقة تتضامن مع المشهد في إثارة الفكر إلى تدبر أسرار الخلق بعد تملي ظواهره .
والمشهدالثاني مشهد الليل والنهار متعاقبين ، هذا يغشى ذاك ، في انتظام عجيب . هو ذاته مثار تأمل في مشاهد الطبيعة ، فقدوم ليل وإدبار نهار أو إشراق فجر وانقشاع ليل ، حادث تهون الألفة من وقعه في الحس ، ولكنه في ذاته عجب من العجب ، لمن ينفض عنه موات الألفة وخمودها ، ويتلقاه بحس الشاعر المتجدد ، الذي لم يجمده التكرار . . والنظام الدقيق الذي لا تتخلف معه دورة الفلك هو بذاته كذلك مثار تأمل في ناموس هذا الكون ، وتفكير في القدرة المبدعة التي تدبره وترعاه : ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )
ونقف كذلك هنا وقفة قصيرة أمام التقابلات الفنية في المشهد قبل أن نجاوزه إلى ما وراءه . . التقابلات بين الرواسي الثابتة والأنهار الجارية . وبين الزوج والزوج في كل الثمرات . وبين الليل والنهار . ثم بين مشهد الأرض كله ومشهد السماء السابق . وهما متكاملان في المشهد الكوني الكبير الذي يضمهما ويتألف منهما جميعا .
ولما انقضى ما أراد{[43421]} من آيات السماوات ، ثنى بما فيما ثنى به في آية يوسف من الدلالات فقال : { وهو } أي وحده { الذي مد الأرض } ولو شاء لجعلها{[43422]} كالجدار أو{[43423]} الأزج{[43424]} لا يستطاع القرار عليها ، وهذا لا ينافي أن تكون كرية ، لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح ، كما أن الجبال أوتاد والحيوان يستقر عليها { وجعل فيها } جبالاً مع شهوقها { رواسي } أي ثوابت ، واحدها راسية أي ثابتة باقية في حيزها غير منتقلة عن أماكنها{[43425]} لا تتحرك ، فلا يتحرك ما هي راسية فيه . ولما غلب على الجبال وصفها بالرواسي ، صارت الصفة تغني عن الموصوف فجمعت جمع الاسم كحائط وكاهل - قاله أبو حيان{[43426]} ، ولما كانت طبيعة الأرض واحدة كان حصول الجبل في جانب منها دون آخر ووجود المعادن المتخالفة فيها تارة جوهرية ، وتارة خامية ، وتارة نفطية ، وتارة كبريتية - إلى غير ذلك ، دليلاً على اختصاصه تعالى بتمام القدرة والاختيار لأن الجبل واحد{[43427]} في الطبع كما أن تأثير الشمس واحد ، فقال تعالى : { وأنهاراً } أي وجعل فيها خارجة منها{[43428]} ، وأكثر ما تكون{[43429]} الأنهار من الجبال ، لأنها أجسام صلبة عالية ، وفي خلال الأرض أبخرة فتصاعد{[43430]} تلك الأبخرة المتكونة في قعر الأرض ، ولا تزال تخرق{[43431]} حتى تصل إليها فتحتبس{[43432]} بها{[43433]} فلا تزال تتكامل{[43434]} حتى يعظم تكاثفها{[43435]} ، فإذا بردت{[43436]} صارت ماء فيحصل بسببها مياه كثيرة كما تنعقد الأبخرة البخارية المتكاثفة في أعالي الحمامات{[43437]} إذا بردت وتتقاطر ، فإذا تكامل انعقاد تلك المياه وعظمت شقت{[43438]} أسافل الجبال أو غيرها من الأماكن التي تستضعفها{[43439]} لقوتها وقوة الأبخرة المصاحبة لها ، فإن كان لتلك المياه مدد من جهة الفواعل والقوابل بحيث كلما{[43440]} نبع منها شيء حدث عقيبه شيء ، وهكذا على الاتصال فهي النهر ، والنهر : المجرى الواسع من مجاري الماء ، وأصله الاتساع ، ومنه النهار - لاتساع ضيائه .
ولما ذكر الأنهار{[43441]} ذكر ما ينشأ عن المياه فقال : { ومن كل الثمرات } ويجوز أن يكون متعلقاً بما قبله ، ثم يكون كأنه قيل : من ينتفع بهذه الأشياء ؟ فقيل : { جعل فيها } أي الأرض { زوجين اثنين } ذكراً وأنثى من كل صنف من الحيوان ينتفع بها{[43442]} ، ويجوز أن يكون متعلقاً بما بعده فيكون التقدير : وجعل فيها من كل الثمرات زوجين اثنين ذكراً{[43443]} وأنثى تنتفع الأنثى{[43444]} بلقاحها من الذكر أو قربه{[43445]} منها فيجود ثمرها ؛ والثمرة طعمة الشجرة ، والزوج : شكل له{[43446]} قرين من نظير أو نقيض ، فكأنه قيل : ما الذي ينضجها ؟ فقال : { يغشي اليل النهار } أي والنهار الليل ، فينضج هذا بحره ويمسك هذا ببرده ، فيعتدل فعلهما على ما قدره تعالى لهما في السير من الزيادة والنقصان للحر والبرد للإخراج والإنضاج{[43447]} إلى غير ذلك من الحكم النافعة{[43448]} في الدين والدنيا الظاهر لكل ذي عقل أنها بتدبيره بفعله واختياره وقهره واقتداره .
ولما ساق سبحانه هذه الآيات مفصلة إلى أربع وكان فيها دقة ، جمعها وناطها{[43449]} بالفكر فقال : { إن في ذلك } أي الذي وقع التحديث عنه من الآيات متعاطفاً { لآيات } أي دلالات واضحات عجيبات باهرات على أن ذلك كله مستند{[43450]} إلى قدرته واختياره ، ونبه على أن المقام يحتاج إلى تعب بتجريد النفس من الهوى وتحكيم العقل صرفاً بقوله : { لقوم } أي ذوي قوة زائدة على القيام فيما يحاولونه { يتفكرون * } أي يجتهدون في الفكر ، قال الرماني : وهو تصرف القلب في طلب المعنى ، ومبدأ ذلك معنى يُخطره الله تعالى على بال الإنسان فيطلب متعلقاته التي فيها بيان عنه من كل وجه يمكن فيه ، والختم{[43451]} بالتفكر إشارة إلى الاهتمام بإعطاء المقام حقه في الرد على الفلاسفة ، فإنهم يسندون{[43452]} حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية ، وهو كلام ساقط لمن تفكر فيما قرره{[43453]} سبحانه في الآية السالفة من إسقاط وروده{[43454]} من أنه سبحانه هو{[43455]} الذي أوجد الأشياء كلها من عدم ثم أخذ في تدبيرها ، فاختصاص كل شيء{[43456]} من الأجرام العلوية بطبع وصفة وخاصية إنما هو بتخصيص المدبر الحكيم الفاعل بالاختيار ، فصار وجود الحوادث السفلية لو سلم أنه متأثر عن{[43457]} الحوادث العلوية إنما يكون مستنداً إليها باعتبار السببية ، والسبب والمسبب مستند إلى الصانع القديم{[43458]} المدبر الحكيم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.