هذا هو الافتتاح الذي يلخص موضوع السورة كله ، ويشير إلى جملة قضاياها . ومن ثم يبدأ في استعراض آيات القدرة ، وعجائب الكون الدالة على قدرة الخالق وحكمته وتدبيره ، الناطقة بأن من مقتضيات هذه الحكمة أن يكون هناك وحي لتبصير الناس ؛ وأن يكون هناك بعث لحساب الناس . وأن من مقتضيات تلك القدرة أن تكون مستطيعة بعث الناس ورجعهم إلى الخالق الذي بدأهم وبدأ الكون كله قبلهم . وسخره لهم ليبلوهم فيما آتاهم .
وتبدأ الريشة المعجزة في رسم المشاهد الكونية الضخمة . . لمسة في السماوات ، ولمسة في الأرضين . ولمسات في مشاهد الأرض وكوامن الحياة . .
ثم التعجيب من قوم ينكرون البعث بعد هذه الآيات الضخام ، ويستعجلون عذاب الله ، ويطلبون آية غير هذه الآيات :
( الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ، ثم استوى على العرش ، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسسمى ، يدبر الأمر ، يفصل الآيات ، لعلكم بلقاء ربكم توقنون ) .
( وهو الذي مد الأرض ، وجعل فيها رواسي وأنهارا ، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ، يغشي الليل النهار . إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) .
( وفي الأرض قطع متجاورات ، وجنات من أعناب ، وزرع ، ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل . إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) .
( وإن تعجب فعجب قولهم : أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ? أولئك الذين كفروا بربهم . وأولئك الأغلال في أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ، وإن ربك لشديد العقاب . ويقول الذين كفروا : لولا أنزل عليه آية من ربه ، إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) .
والسماوات - أيا كان مدلولها وأيا كان ما يدركه الناس من لفظها في شتى العصور - معروضة على الأنظار ، هائلة - ولا شك - حين يخلو الناس إلى تأملها لحظة . وهي هكذا لا تستند إلى شيء . مرفوعة ( بغير عمد مكشوفة ترونها ) . .
هذه هي اللمسة الأولى في مجالي الكون الهائلة وهي بذاتها اللمسة الأولى للوجدان الإنساني ، وهو يقف أمام هذا المشهد الهائل يتملاه ؛ ويدرك أنه ما من أحد يقدر على رفعها بلا عمد - أو حتى بعمد - إلا الله ؛ وقصارى ما يرفعه الناس بعمد أو بغير عمد تلك البنيان الصغيرة الهزيلة القابعة في ركن ضيق من الأرض لا تتعداه . ثم يتحدث الناس عما في تلك البنيان من عظمة ومن قدرة ومن إتقان ، غافلين عما يشملهم ويعلوهم من سماوات مرفوعة بغير عمد ؛ وعما وراءها من القدرة الحقة والعظمة الحقة ، والإتقان الذي لا يتطاول إليه خيال إنسان !
ومن هذا المنظور الهائل الذي يراه الناس ، إلى المغيب الهائل الذي تتقاصر دونه المدارك والأبصار : ( ثم استوى على العرش ) . .
فإن كان علو فهذا أعلى . وإن كانت عظمة فهذا أعظم . وهو الاستعلاء المطلق ، يرسمه في صورة على طريقة القرآن في تقريب الأمور المطلقة لمدارك البشر المحدودة .
وهي لمسة أخرى هائلة من لمسات الريشة المعجزة . لمسة في العلو المطلق إلى جانب اللمسة الأولى في العلو المنظور ، تتجاوران وتتسقان في السياق . .
ومن الاستعلاء المطلق إلى التسخير . تسخير الشمس والقمر . تسخير العلو المنظور للناس على ما فيه من عظمة أخاذة ، أخذت بألبابهم في اللمسة الأولى ، ثم إذا هي مسخرة بعد ذلك لله الكبير المتعال .
ونقف لحظة أمام التقابلات المتداخلة في المشهد قبل أن نمضي معه إلى غايته . فإذا نحن أمام ارتفاع في الفضاء المنظور يقابله ارتفاع في الغيب المجهول . وإذا نحن أمام استعلاء يقابله التسخير . وإذا نحن أمام الشمس والقمر يتقابلان في الجنس : نجم وكوكب ، ويتقابلان في الأوان ، بالليل والنهار . .
ثم نمضي مع السياق . . فمع الاستعلاء والتسخير الحكمة والتدبير :
وإلى حدود مرسومة ، ووفق ناموس مقدر . سواء في جريانهما في فلكيهما دورة سنوية ودورة يومية . أو جريانهما في مداريهما لا يتعديانه ولا ينحرفان عنه . أو جريانهما إلى الأمد المقدر لهما قبل أن يحول هذا الكون المنظور .
الأمر كله ، على هذا النحو من التدبير الذي يسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى . . والذي يمسك بالأفلاك الهائلة والأجرام السابحة في الفضاء فيجريها لأجل لا تتعداه ، لا شك عظيم التدبير جليل التقدير .
ومن تدبيره الأمر أنه ( يفصل الآيات ) وينظمها وينسقها ، ويعرض كلا منها في حينه ، ولعلته ، ولغايته ( لعلكم بلقاء ربكم توقنون ) حين ترون الآيات مفصلة منسقة ، ومن ورائها آيات الكون ، تلك التي أبدعتها يد الخالق أول مرة ، وصورت لكم آيات القرآن ما وراء إبداعها من تدبير وتقدير وإحكام . . ذلك كله يوحي بأن لا بد من عودة إلى الخالق بعد الحياة الدنيا ، لتقدير أعمال البشر ، ومجازاتهم عليها . فذلك من كمال التقدير الذي توحي به حكمة الخلق الأول عن حكمة وتدبير .
فلما أثبت سبحانه لهذا{[43351]} الكتاب أنه المختص بكونه حقاً فثبت أنه أعظم الأدلة والآيات ، شرع يذكر ما أشار إليه بقوله : { وكأين من{[43352]} آية } من{[43353]} الآيات المحسوسة الظاهرة الدالة على كون آيات الكتاب حقاً بما لها في{[43354]} أنفسها من الثبات ، والدلالة بما لفاعلها من القدرة والاختيار - على أنه قادر على كل شيء ، وأن ما أخبر به من البعث{[43355]} حق لما له من الحكمة ، والدالة - بما للتعبير عنها من الإعجاز - على كونها من عند الله ، وبدأ بما بدأ به في تلك من آيات السماوات لشرفها ولأنها أدل ، فقال : { الله } أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال وحده { الذي رفع السماوات } بعد إيجادها من عدم - كما أنتم بذلك مقرون ؛ والرفع : وضع الشيء في جهة العلو سواء كان بالنقل{[43356]} أو بالاختراع ، كائنة{[43357]} { بغير عمد } جمع عماد كأهب وإهاب أو عمود ، والعمود : جسم مستطيل{[43358]} يمنع المرتفع أن يميل ، وأصله منع الميل{[43359]} { ترونها } أي مرئية حاملة لهذه الأجرام العظام التي مثلها لا تحمل{[43360]} في مجاري{[43361]} عاداتكم إلا بعد{[43362]} تناسبها في العظم ، هذا على أن { ترونها } صفة ، ويجوز - ولعله أحسن - أن{[43363]} يكون على تقدير سؤال من كأنه قال : ما دليل أنها بغير عمد ؟ فقيل : المشاهدة التي{[43364]} لا أجلى{[43365]} منها .
ولما كان رفع السماوات بعد{[43366]} خلق الأرض وقبل تسويتها ، ذكر أنه شرع في{[43367]} تدبير ما للكونين من المنافع وما فيهما من الأعراض والجواهر ، وأشار إلى عظمة ذلك التدبير بأداة التراخي فقال : { ثم استوى على العرش } قال الرازي في لوامع{[43368]} البرهان : وخص العرش لأنه أعلى خلقه وصفوته{[43369]} ومنظره الأعلى وموضع تسبيحه ومظهر ملكه ومبدأ وحيه ومحل قربه ، ولم ينسب شيئاً من خلقه كنسبته ، فقال تعالى : { ذو العرش } كما قال { ذو الجلال } و " ذو " كلمة لحق واتصال وظهور ومبدأ ، وقال الرماني : والاستواء : الاستيلاء بالاقتدار ونفوذ السلطان ، وأصله : استوى التدبير ، كما أن أصل القيام الانتصاب ، ثم يقال : قائم بالتدبير - انتهى . وعبر ب " ثم " لبعد هذه الرتبة{[43370]} عن الأطماع وعلوها عما يستطاع ، فليس هناك ترتيب ولا مهلة{[43371]} حتى يفهم أن{[43372]} ما قبل كان على غير ذلك ، والمراد أنه أخذ في التدبير لما خلق كما هو شأن الملوك إذا استووا على عروشهم ، أي{[43373]} لم يكن لهم مدافع ، وإن لم يكن هناك{[43374]} جلوس أصلاً ، وذلك لأن روح الملك التدبير وهو أعدل أحواله والله أعلم { وسخر } أي ذلل{[43375]} تذليلاً عظيماً { الشمس } أي التي هي آية النهار{[43376]} { {[43377]} والقمر{[43378]} } أي الذي هو آية الليل لما فيهما{[43379]} من الحكم والمنافع والمصالح التي{[43380]} بها صلاح{[43381]} البلاد والعباد{[43382]} ، ودخلت اللام فيهما وكل واحد منهما لا ثاني{[43383]} له لما في الاسم من معنى الصفة ، إذ لو وجد{[43384]} مثل لهما لم{[43385]} يتوقف في إطلاق الاسم عليه ، ولا كذلك{[43386]} زيد وعمرو . و{[43387]} التسخير : التهيئة لذلك{[43388]} المعنى المسخر له ليكون بنفسه من غير معاناة صاحبه فيما يحتاج إليه{[43389]} كتسخير{[43390]} النار للإنضاج{[43391]} والماء للجريان { كل } أي من الكوكبين{[43392]} { يجري } .
ولما كان السياق للتدبير ، علم أن المراد بجريهما لذلك ، وهو تنقلهما في المنازل والدرجات التي يتحول{[43393]} بها الفصول ، ويتغير النبات وتضبط الأوقات ، {[43394]} وكلما كان التدبير أسرع ، علم أن صاحبه أعلم ولا سيما إن كان أحكم{[43395]} ، فكان الموضع للام{[43396]} لا لإلى ، فعلل{[43397]} بقوله : { لأجل }{[43398]} أي لأجل اختصاصه بأجل{[43399]} { مسمى }{[43400]} هذي أجلها سنة ، وذاك أجله شهر{[43401]} ؛ والأجل : الوقت المضروب لحدوث أمر وانقطاعه .
ولما كان كل من ذلك مشتملاً من الآيات على ما يجل عن الحصر مع كونه في غاية الإحكام ، استأنف خبراً هو كالتنبيه{[43402]} على ما فيما مضى من الحكمة ، فقال مبيناً للاستواء على العرش بعد أن أشار إلى عظمة هذا الخبر بما في صلة الموصول من الأوصاف العظيمة : { يدبر الأمر } أي في المعاش والمعاد وما ينظمهما بأن يفعل فيه فعل من ينظر في أدباره وعواقبه ليأتي محكماً يجل عن{[43403]} أن يرام بنقض ، بل هو بالحقيقة الذي يعلم أدبار الأمور وعواقبها{[43404]} ، لا يشغله شأن عن شأن ، مع أن هذا العالم - من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى - محتو{[43405]} عل أجناس وأنواع وفصول وأصناف وأشخاص لا يحيط بها سواه ، وذلك دال قطعاً على أنه سبحانه{[43406]} في ذاته وصفاته متعال عن مشابهة المحدثات واحد أحد صمد ليس له كفواً أحد .
ولما كان هذا بياناً عظيماً لا لبس فيه ، قال { يفصل الآيات } أي{[43407]} {[43408]} التي برز إلى الوجود تدبيرها{[43409]} ، الدالة على وحدانيته وكمال حكمته ، المشتملة عليها مبدعاته ، {[43410]} فيفرقها ويباين بينها مباينة لا لبس فيها{[43411]} ، تقريباً لعقولكم وتدريباً{[43412]} لفهومكم ، {[43413]} لتعلموا أنها فعل الواحد المختار ، لا فعل الطبائع{[43414]} ولا غيرها من الأسباب التي أبدعها ، وإلا فكانت{[43415]} على نسق واحد ، وجمعها لما تقدم من الإشارة إلى كثرتها بقوله : { وكأين من آية في السماوات والأرض } فكأن هذه الألف واللام لذلك المنكر هناك{[43416]} .
ولما كان التدبير وهذا التفصيل دالاًّ على تمام القدرة وغاية الحكمة ، وكان البعث لفصل القضاء والحكم بالعدل وإظهار العظمة هو محط الحكمة ، علل بقوله : { لعلكم بلقاء ربكم{[43417]} } أي لتكون حالكم حال من يرجى له بما ينظر من الدلالات{[43418]} الإيقان بلقاء الموجد له المحسن إليه بجميع ما تحتاجه{[43419]} التربية { توقنون * } أي تعلمون ذلك من غير شك استدلالاً بالقدرة على ابتداء الخلق على القدرة على ما جرت العادة بأنه أهون من الابتداء وهو الإعادة ، وأنه لا تتم{[43420]} الحكمة إلا بذلك .