( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) . .
فهم في عناد يقوده الهوى ، وتؤرثه المصلحة ، ويحدوه الغرض . . وإن كثيرا من طيبي القلوب ليظنون أن الذي يصد اليهود والنصارى عن الإسلام أنهم لا يعرفونه ، أو لأنه لم يقدم إليهم في صورة مقنعة . . وهذا وهم . . إنهم لا يريدون الإسلام لأنهم يعرفونه ! يعرفونه فهم يخشونه على مصالحهم وعلى سلطانهم ؛ ومن ثم يكيدون له ذلك الكيد الناصب الذي لا يفتر ، بشتى الطرق وشتى الوسائل . عن طريق مباشر وعن طرق أخرى غير مباشرة . يحاربونه وجها لوجه ، ويحاربونه من وراء ستار . ويحاربونه بأنفسهم ويستهوون من أهله من يحاربه لهم تحت أي ستار . . وهم دائما عند قول الله تعالى لنبيه الكريم : ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) .
وفي مواجهة هذا الإصرار من أهل الكتاب على الاعراض عن قبلة الإسلام ومنهجه الذي ترمز هذه القبلة له ، يقرر حقيقة شأن النبي [ ص ] وموقفه الطبيعي :
ليس من شأنك أن تتبع قبلتهم أصلا . واستخدام الجملة الأسمية المنفية هنا أبلغ في بيان الشأن الثابت الدائم للرسول [ ص ] تجاه هذا الأمر . وفيه إيحاء قوي للجماعة المسلمة من ورائه . فلن تختار قبلة غير قبلة رسولها التي اختارها له ربه ورضيها له ليرضيه ؛ ولن ترفع راية غير رايتها التي تنسبها إلى ربها ؛ ولن تتبع منهجا إلا المنهج الإلهي الذي ترمز له هذه القبلة المختارة . . هذا شأنها ما دامت مسلمة ؛ فإذا لم تفعل فليست من الإسلام في شيء . . إنما هي دعوى . .
ويستطرد فيكشف عن حقيقة الموقف بين أهل الكتاب بعضهم وبعض ؛ فهم ليسوا على وفاق ، لأن الأهواء تفرقهم :
( وما بعضهم بتابع قبلة بعض ) . .
والعداء بين اليهود والنصارى ، والعداء بين الفرق اليهودية المختلفة ، والعداء بين الفرق النصرانية المختلفة أشد عداء .
وما كان للنبي [ ص ] وهذا شأنه وهذا شأن أهل الكتاب ، وقد علم الحق في الأمر ، أن يتبع أهواءهم بعدما جاءه من العلم :
( ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ) . .
ونقف لحظة أمام هذا الجد الصارم ، في هذا الخطاب الإلهي من الله سبحانه إلى نبيه الكريم الذي حدثه منذ لحظة ذلك الحديث الرفيق الودود . .
إن الأمر هنا يتعلق بالاستقامة على هدي الله وتوجيهه ؛ ويتعلق بقاعدة التميز والتجرد إلا من طاعة الله ونهجه . ومن ثم يجيء الخطاب فيه بهذا الحزم والجزم ، وبهذه المواجهة والتحذير . . ( إنك إذا لمن الظالمين ) . .
إن الطريق واضح ، والصراط مستقيم . . فإما العلم الذي جاء من عند الله . وإما الهوى في كل ما عداه . وليس للمسلم أن يتلقى إلا من الله . وليس له أن يدع العلم المستيقن إلى الهوى المتقلب . وما ليس من عند الله فهو الهوى بلا تردد .
وإلى جانب هذا الإيحاء الدائم نلمح كذلك أنه كانت هناك حالة واقعة من بعض المسلمين ، في غمرة الدسائس اليهودية وحملة التضليل الماكرة ، تستدعي هذه الشدة في التحذير ، وهذا الجزم في التعبير .
ولما أطمع أول الآية في أهل الكتاب{[5478]} وقطع عنهم آخرها صرح بما لوّح{[5479]} إليه هذا الأخير{[5480]} وأعلمه صلى الله عليه وسلم بعاقبة أمرهم وأنه لا اتفاق بينه وبينهم أصلاً ولا اتفاق بين فريقيهم مع كون الكل من بني إسرائيل ليريحه صلى الله عليه وسلم من التطلع إلى هدى بعضهم فقال تعالى : { ولئن أتيت الذين أوتوا } {[5481]}بناه للمجهول تنبيهاً على هوانهم{[5482]} { الكتاب } أي من اليهود والنصارى { بكل آية } أي من الآيات المسموعة مرغبة ومرهبة ومن الآيات المرئية مغرّبة ومقربة { ما تبعوا قبلتك } أي هذه التي حولت إليها وكنت الحقيق بها لكونها قياماً للناس كما أنت رسول إلى جميع الناس ، {[5483]}لأن إعراضهم ليس عن شبهة إذا زالت زال بل عن عناد{[5484]} . ثم أومأ له إلى أنهم ينصبون له الحبائل ليعود ولو ساعة من نهار إلى قبلتهم ليقدحوا بذلك فيه فقال : { وما أنت بتابع قبلتهم } ثم أشار إلى عيبهم باختلافهم وتفرقهم مع نهيهم عنه فقال : { وما بعضهم } {[5485]}أي أهل الكتاب{[5486]} { بتابع قبلة بعض } مع تقاربهم في النسب ، وذلك حثاً للعرب على الثبات على مباعدتهم والحذر من مخادعتهم .
ولما كان دينهم قد نسخ أعلم سبحانه بأن ثباتهم على قبلتهم مع ذلك{[5487]} مجرد هوى{[5488]} فقال{[5489]} منفراً{[5490]} للأمة عنهم ومحذراً لهم منهم بخطاب الرأس ليكون ذلك أدعى لقبول الاتباع { ولئن{[5491]} اتبعت أهواءهم } . ولما كان هذا السياق لأمر القبلة فقط قال{[5492]} : { من بعد ما جاءك من العلم } قال الحرالي : فأبهمه ولم يكن نحو الأول الذي قال فيه " بعد الذي " لظهور ما ذكر في الأول وخفاء ما وقعت{[5493]} إليه الإشارة في هذا وجاءت فيه " من " التي هي لابتداء من أولية{[5494]} لخفاء مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا وظهور ذلك الأول ، لأن ذلك كان في أمر{[5495]} الملة التي مأخذها العقل ، وهذه{[5496]} في أمر التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب ، قال الحرالي : قال تعالى : { إنك إذاً لمن الظالمين } على حد ما ذكر من أنه من لمح لمحاً من وصف كان من الموصوف به بألطف لطف ووصف كل رتبة بحسبها ، فما يرفع عنه النبي صلى الله عليه وسلم من باب إظهار رغبته وحرصه على هداية الخلق الذي جبل على الرحمة فيه وطلب المسامحة في التقاصر عنه نظراً منه إلى حق الله تعالى ومضمون وصية الله تعالى له حين{[5497]} أوصاه بغير ترجمان ولا واسطة أن يصفح عمن ظلمه ويصل من قطعه ، فكان صلى الله عليه وسلم يطلب{[5498]} وصل المنقطع عنه حتى يعلن{[5499]} عليه بالإكراه في ترك ذلك وودعه فيجيبه حكماً وإن كان معه علماً ، ومنه قوله : " اللهم اغفر{[5500]} لقومي فإنهم لا يعلمون "
ففي طيّ كل خطاب له يظهر الله عز وجل فيه إكراهه على أخذ حكم الحق وإمضاء العدل أعظم مدحة له والتزام لوصيته إياه ، فهو ممدوح بما هو مخاطب بخطاب الإكراه على إمضاء العدل والاختصار في أمر رحمته للعالمين ، فرفعه الله أن يكون ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع النقمة ، فذلك{[5501]} الذي{[5502]} يجمع معناه بين متقابل الظالمين فيمن يضع النقمة موضع الرحمة فيكون أدنى الظلم ، أو من يضع الرحمة في موضع النقمة فيكون منه بتغيير الوضع بوضع الفضل موضع العدل ؛ وعلى{[5503]} ذلك جميع ما ورد في القرآن من نحو قوله : { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك } أي في إمضاء العدل{ فلا تكونن من الممترين{[5504]} }[ يونس : 94 ] في طلب الفضل لأهل العدل فإن الله يمضي عدله كما يفيض فضله ، وكذلك قوله :{ عبس وتولى أن جاءه الأعمى{[5505]} }[ عبس : 1-2 ] فيه {[5506]}إظهار لمدحته بحرصه{[5507]} على تألف الأبعدين ووصل القاطعين حتى ينصرف عنهم بالحكم{[5508]} وإشادة{[5509]} الإكراه عليه في ذلك ، فلا ينصرف عن حكم الوصية إلى حكم الكتاب بالحق إلا عن إشادة{[5510]} بإكراهه عليه ، فهو محمود بما هو منهي عنه ، لأن خطابه أبداً في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل ، وخطاب سائر الخلق جار فيما بين العدل والجور ، فبين الخطابين ما بين درج العلو ، ودرك السفل في مقتضى الخطابين المتشابهين في القول المتباينين في العلم - انتهى . وسيأتي في قوله تعالى :{ عفا الله عنك لم أذنت لهم }[ التوبة : 43 ] في سورة التوبة{[5511]} ما يوضحه .