في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ} (213)

204

وعلى ذكر الموازين والقيم ؛ وظن الذين كفروا بالذين آمنوا ؛ وحقيقة مكان هؤلاء ووزنهم عند الله . . ينتقل السياق إلى قصة الاختلاف بين الناس في التصورات والعقائد ، والموازين والقيم ؛ وينتهي بتقرير الأصل الذي ينبغي أن يرجع إليه المختلفون ؛ وإلى الميزان الأخير الذي يحكم فيما هم فيه مختلفون :

( كان الناس أمة واحدة ؛ فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ؛ وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه - وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم - فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ؛ والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) . .

هذه هي القصة . . كان الناس أمة واحدة . على نهج واحد ، وتصور واحد . وقد تكون هذه إشارة إلى حالة المجموعة البشرية الأولى الصغيرة من أسرة آدم وحواء وذراريهم ، قبل اختلاف التصورات والاعتقادات . فالقرآن يقرر أن الناس من أصل واحد . وهم أبناء الأسرة الأولى : أسرة آدم وحواء . وقد شاء الله أن يجعل البشر جميعا نتاج أسرة واحدة صغيرة ، ليقرر مبدأ الأسرة في حياتهم ، وليجعلها هي اللبنة الأولى . وقد غبر عليهم عهد كانوا فيه في مستوى واحد واتجاه واحد وتصور واحد في نطاق الأسرة الأولى . حتى نمت وتعددت وكثر أفرادها ، وتفرقوا في المكان ، وتطورت معايشهم ؛ وبرزت فيهم الاستعدادات المكنونة المختلفة ، التي فطرهم الله عليها لحكمة يعلمها ، ويعلم ما وراءها من خير للحياة في التنوع في الاستعدادات والطاقات والاتجاهات .

عندئذ اختلفت التصورات وتباينت وجهات النظر ، وتعددت المناهج ، وتنوعت المعتقدات . . وعندئذ بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين . .

( وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) . .

وهنا تتبين تلك الحقيقة الكبرى . . إن من طبيعة الناس أن يختلفوا ؛ لأن هذا الاختلاف أصل من أصول خلقتهم ؛ يحقق حكمة عليا من استخلاف هذا الكائن في الأرض . . إن هذه الخلافة تحتاج إلى وظائف متنوعة ، واستعدادات شتى من الوان متعددة ؛ كي تتكامل جميعها وتتناسق ، وتؤدي دورها الكلي في الخلافة والعمارة ، وفق التصميم الكلي المقدر في علم الله . فلا بد إذن من تنوع في المواهب يقابل تنوع تلك الوظائف ؛ ولا بد من اختلاف في الاستعدادات يقابل ذلك الاختلاف في الحاجات . . ( ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك - ولذلك خلقهم ) . .

هذا الاختلاف في الاستعدادات والوظائف ينشى ء بدوره اختلافا في التصورات والاهتمامات والمناهج والطرائق . . ولكن الله يحب أن تبقى هذه الاختلافات المطلوبة الواقعة داخل إطار واسع عريض يسعها جميعا حين تصلح وتستقيم . . هذا الإطار هو إطار التصور الإيماني الصحيح . الذي ينفسح حتى يضم جوانحه على شتى الاستعدادات وشتى المواهب وشتى الطاقات ؛ فلا يقتلها ولا يكبحها ؛ ولكن ينظمها وينسقها ويدفعها في طريق الصلاح .

ومن ثم لم يكن بد أن يكون هناك ميزان ثابت يفيء إليه المختلفون ؛ وحكم عدل يرجع إليه المختصمون ؛ وقول فصل ينتهي عنده الجدل ، ويثوب الجميع منه إلى اليقين :

( فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، وأنزل معهم الكتاب بالحق ، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) .

ولا بد أن نقف عند قوله تعالى " بالحق " . . فهو القول الفصل بأن الحق هو ما جاء به الكتاب ؛ وأن هذا الحق قد أنزل ليكون هو الحكم العدل ، والقول الفصل ، فيما عداه من أقوال الناس وتصوراتهم ومناهجهم وقيمهم وموازينهم . . لا حق غيره . ولا حكم معه . ولا قول بعده . وبغير هذا الحق الواحد الذي لا يتعدد ؛ وبغير تحكيمه في كل ما يختلف فيه الناس ؛ وبغير الانتهاء إلى حكمه بلا مماحكة ولا اعتراض . . بغير هذا كله لا يستقيم أمر هذه الحياة ؛ ولا ينتهي الناس من الخلاف والفرقة ؛ ولا يقوم على الأرض السلام ؛ ولا يدخل الناس في السلم بحال .

ولهذه الحقيقة قيمتها الكبرى في تحديد الجهة التي يتلقى منها الناس تصوراتهم وشرائعهم ؛ والتي ينتهون إليها في كل ما يشجر بينهم من خلاف في شتى صور الخلاف . . إنها جهة واحدة لا تتعدد هي التي أنزلت هذا الكتاب بالحق ؛ وهو مصدر واحد لا يتعدد هو هذا الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . .

وهو كتاب واحد في حقيقته ، جاء به الرسل جميعا . فهو كتاب واحد في أصله ، وهي ملة واحدة في عمومها ، وهو تصور واحد في قاعدته : إله واحد ، ورب واحد ، ومعبود واحد ، ومشرع واحد لبني الإنسان . . ثم تختلف التفصيلات بعد ذلك وفق حاجات الأمم والأجيال ؛ ووفق أطوار الحياة والارتباطات ؛ حتى تكون الصورة الأخيرة التي جاء بها الإسلام ، وأطلق الحياة تنمو في محيطها الواسع الشامل بلا عوائق . بقيادة الله ومنهجه وشريعته الحية المتجددة في حدود ذلك المحيط الشامل الكبير .

وهذا الذي يقرره القرآن في أمر الكتاب هو النظرية الإسلامية الصحيحة في خط سير الأديان والعقائد . . كل نبي جاء بهذا الدين الواحد في أصله ، يقوم على القاعدة الأصيلة : قاعدة التوحيد المطلق . . ثم يقع الانحراف عقب كل رسالة ، وتتراكم الخرافات والأساطير ، حتى يبعد الناس نهائيا عن ذلك الأصل الكبير . وهنا تجيء رسالة جديدة تجدد العقيدة الأصيلة ، وتنفي ما علق بها من الانحرافات ، وتراعي أحوال الأمة وأطوارها في التفصيلات . . وهذه النظرية أولى بالإتباع من نظريات الباحثين في تطور العقائد من غير المسلمين ، والتي كثيرا ما يتأثر بها باحثون مسلمون ، وهم لا يشعرون ، فيقيمون بحوثهم على أساس التطور في أصل العقيدة وقاعدة التصور ، كما يقول المستشرقون وأمثالهم من الباحثين الغربيين الجاهليين !

وهذا الثبات في أصل التصور الإيماني ، هو الذي يتفق مع وظيفة الكتاب الذي أنزله الله بالحق ، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، في كل زمان ، ومع كل رسول ، منذ أقدم الأزمان .

ولم يكن بد أن يكون هناك ميزان ثابت يفيء إليه الناس ، وأن يكون هناك قول فصل ينتهون إليه . ولم يكنبد كذلك أن يكون هذا الميزان من صنع مصدر آخر غير المصدر الإنساني ، وأن يكون هذا القول قول حاكم عدل لا يتأثر بالهوى الإنساني ، ولا يتأثر بالقصور الإنساني ، ولا يتأثر الجهل الإنساني !

وإقامة ذلك الميزان الثابت تقتضي علما غير محدود . علم ما كان وما هو كائن وما سيكون . علمه كله لا مقيدا بقيود الزمان التي تفصل الوجود الواحد إلى ماض وحاضر ومستقبل ، وإلى مستيقن ومظنون ومجهول ، وإلى حاضر مشهود ومغيب مخبوء . . ولا مقيدا بقيود المكان التي تفصل الوجود الواحد إلى قريب وبعيد ، ومنظور ومحجوب ، ومحسوس وغير محسوس . . في حاجة إلى إله يعلم ما خلق ، ويعلم من خلق . . ويعلم ما يصلح وما يصلح حال الجميع .

وإقامة ذلك الميزان في حاجة كذلك إلى استعلاء على الحاجة ، واستعلاء على النقص ، واستعلاء على الفناء ، واستعلاء على الفوت ، واستعلاء على الطمع ، واستعلاء على الرغبة والرهبة . . واستعلاء على الكون كله بما فيه ومن فيه . . في حاجة إلى إله ، لا أرب له ، ولا هوى ، ولا لذة ، ولا ضعف في ذاته - سبحانه - ولا قصور !

أما العقل البشري فبحسبه أن يواجه الأحوال المتطورة ، والظروف المتغيرة ، والحاجات المتجددة ؛ ثم يوائم بينها وبين الإنسان في لحظة عابرة وظرف موقوت . على أن يكون هناك الميزان الثابت الذي يفيء إليه ، فيدرك خطأه وصوابه ، وغيه ورشاده ، وحقه وباطله ، من ذلك الميزان الثابت . . وبهذا وحده تستقيم الحياة . ويطمئن الناس إلى أن الذي يسوسهم في النهاية إله !

إن الكتاب لم ينزل بالحق ليمحو فوارق الاستعدادات والمواهب والطرائق والوسائل . إنما جاء ليحتكم الناس إليه . . وإليه وحده . . حين يختلفون . .

ومن شأن هذه الحقيقة أن تنشىء حقيقة أخرى تقوم على أساسها نظرة الإسلام التاريخية :

إن الإسلام يضع( الكتاب )الذي أنزله الله " بالحق " ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . . يضع هذا الكتاب قاعدة للحياة البشرية . ثم تمضي الحياة . فإما اتفقت مع هذه القاعدة ، وظلت قائمة عليها ، فهذا هو الحق . وإما خرجت عنها وقامت على قواعد أخرى ، فهذا هو الباطل . . هذا هو الباطل ولو ارتضاه الناس جميعا . في فترة من فترات التاريخ . فالناس ليسوا هم الحكم في الحق والباطل . وليس الذي يقرره الناس هو الحق ، وليس الذي يقرره الناس هو الدين . إن نظرة الإسلام تقوم ابتداء على أساس أن فعل الناس لشيء ، وقولهم لشيء ، وإقامة حياتهم على شيء . . لا تحيل هذا الشيء حقا إذا كان مخالفا للكتاب ؛ ولا تجعله أصلا من أصول الدين ؛ ولا تجعله التفسير الواقعي لهذا الدين ؛ ولا تبرره لأن أجيالا متعاقبة قامت عليه . .

وهذه الحقيقة ذات أهمية كبرى في عزل أصول الدين عما يدخله عليها الناس ! وفي التاريخ الإسلامي مثلا وقع انحراف ، وظل ينمو وينمو . . فلا يقال : إن هذا الانحراف متى وقع وقامت عليه حياة الناس فهو إذن الصورة الواقعية للإسلام ! كلا ! إن الإسلام يظل بريئا من هذا الواقع التاريخي . ويظل هذا الذي وقع خطأ وانحرافا لا يصلح حجة ولا سابقة ؛ ومن واجب من يريد استئناف حياة إسلامية أن يلغيه ويبطله ، وأن يعود إلى الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . .

ولقد جاء الكتاب . . ومع ذلك كان الهوى يغلب الناس من هناك ومن هناك ؛ وكانت المطامع والرغائب والمخاوف والضلالات تبعد الناس عن قبول حكم الكتاب ، والرجوع إلى الحق الذي يردهم إليه :

( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات . . بغيا بينهم ) . .

فالبغي . . بغي الحسد . وبغي الطمع . وبغي الحرص . وبغي الهوى . . هو الذي قاد الناس إلى المضي في الاختلاف على أصل التصور والمنهج ؛ والمضي في التفرق واللجاج والعناد .

وهذه حقيقة . . فما يختلف اثنان على أصل الحق الواضح في هذا الكتاب ، القوي الصادع المشرق المنير . . ما يختلف اثنان على هذا الأصل إلا وفي نفس أحدهما بغي وهوى ، أو في نفسيهما جميعا . . فأما حين يكون هناك إيمان فلا بد من التقاء واتفاق :

( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) . .

هداهم بما في نفوسهم من صفاء ، وبما في أرواحهم من تجرد ، وبما في قلوبهم من رغبة في الوصول إلى الحق . وما أيسر الوصول حينئذ والاستقامة :

( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) . .

هو هذا الصراط الذي يكشف عنه ذلك الكتاب . وهو هذا المنهج الذي يقوم على الحق ويستقيم على الحق . ولا تتقاذفه الأهواء والشهوات ، ولا تتلاعب به الرغاب والنزوات . .

والله يختار من عباده لهذا الصراط المستقيم من يشاء ، ممن يعلم منهم الاستعداد للهدى والاستقامة على الصراط ؛ أولئك يدخلون في السلم ، وأولئك هم الأعلون ، ولو حسب الذين لا يزنون بميزان الله أنهم محرومون ، ولو سخروا منهم كما يسخر الكافرون من المؤمنين !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ} (213)

ولما كان كأنه قيل : هل كان{[9371]} هذا الكفر والتزيين من بدء الأمر أم هو شيء حدث {[9372]}فيكون حدوثه أعجب ؟ فقيل : لا فرق عند الحكيم بين{[9373]} هذا وذاك{[9374]} ، فإن قدرته {[9375]}على الكبير والصغير{[9376]} والجاهل والعليم والطائش والحليم على حد سواء على أن الواقع أن ذلك شيء حدث بعد البيان الواضح{[9377]} { كان الناس } أي كلهم { أمة } {[9378]}أي مجتمعين على شيء واحد يؤم بعضهم بعضاً ويقتدي بعضهم بعضاً{[9379]} ثم أكد اجتماعهم فقال : { واحدة } أي{[9380]} على الصراط المستقيم فزل{[9381]} بعضهم فاختلفوا وتفرقت بهم السبل كما في آية يونس

{ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا{[9382]} }[ يونس : 19 ] وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله{[9383]} الأصفهاني{[9384]} وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : على الإسلام كلهم{[9385]} { فبعث الله } {[9386]}أي الذي لا حكم لغيره{[9387]} { النبيين } الذين رفعهم {[9388]}الله تعالى{[9389]} على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره وأرسلهم إلى خلقه { مبشرين{[9390]} } {[9391]}لمن أطاع ، وهو جار مجرى حفظ الصحة ، ولأنه مقصود بالذات قدم{[9392]} {[9393]}{ ومنذرين } لمن عصى{[9394]} ، وذلك جار مجرى إزالة المرض بالدواء{[9395]} . قال الحرالي : فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهداية شيء وإنما هم مستجلون لأمر جبلات الخلق وفطرهم{[9396]} فيبشرون من فطر على خير وينذرون من جبل على شر ، لا يستأنفون أمراً لم يكن بل يظهرون أمراً كان مغيباً ، وكذلك حال كل إمام وعالم في زمانه يميز الله الخبيث من الطيب{[9397]} - انتهى . { وأنزل معهم الكتاب } أي كلامه الجامع للهداية .

قال الحرالي : إبراماً لثني الأمر المضاعف ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه بشاهد واحد فقد{[9398]} كان في الرسول كفاية وفي الكتاب وحده كفاية لكن الله{[9399]} تعالى ثنى الأمر وجمع الكتاب والرسول لتكون{[9400]} له الحجة البالغة - انتهى . { بالحق } أي الثابت كل ثبات { ليحكم } {[9401]}أي الله بواسطة الكتاب{[9402]} { بين الناس فيما اختلفوا فيه } {[9403]}من الدين الحق الذي كانوا عليه قبل ذلك أمة واحدة فسلكوا بهم بعد جهد{[9404]} السبيل الأقوم ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب { وما اختلف فيه } أي الكتاب {[9405]}الهادي للحق الذي لا لبس فيه المنزل لإزالة الاختلاف{[9406]} { إلا الذين } ولما كان العالم يقبح منه مخالفة العلم مطلقاً لا بقيد كونه من معلم مخصوص بني للمفعول { أوتوه } أي فبدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف ، ففي هذا غاية التعجيب وإظهار القدرة الباهرة التي حملتهم على ذلك .

ولما كان الخلاف ربما كان عن أمر غامض بين أن الأمر على غير ذلك فقال {[9407]}مشيراً بإثبات الجار إلى أنه لم يستغرق الزمان{[9408]} { من بعد ما جاءتهم البينات }{[9409]} أي الدلائل العقلية والنقلية التي ثبتت بها النبوة التي{[9410]} ثبت بها الكتاب . قال الحرالي : الجامعة لآيات ما في المحسوس وآيات ما في المسموع ، فلذلك كانت البينات{[9411]} مكملة لاجتماع شاهديها{[9412]} - انتهى .

ولما كان هذا محل السؤال عن السبب بين أنه الحسد والاستطالة عدولاً عن الحق {[9413]}محبة لما زين من الدنيا وتنافساً فيها{[9414]} فقال : { بغياً } قال الحرالي{[9415]} : والبغي أعمال الحسد بالقول والفعل قال عليه الصلاة والسلام : " ثلاث لا يسلم منهن أحد " ومنهن متحلي الحسد والطيرة والظن ، فإذا حسدت فلا تبغ{[9416]} لأن الحسد{[9417]} واقع في النفس{[9418]} كأنها مجبولة عليه فلذلك عذرت فيه ؛ فإذا استعملت بحسبه{[9419]} مقالها وفعالها كانت باغية - انتهى . و{[9420]}زاده عجباً{[9421]} بقوله { بينهم } أي لا بغياً على غيرهم فبدلوا من كل جهة .

ولما ذكر إنزال الكتاب وسببه ذكر ما تسبب عنه فقال {[9422]}عاطفاً على ما تقديره : فعموا عن البينات{[9423]} : { فهدى الله } في إسناده إلى الاسم الأعظم كما قال الحرالي إعلام بأنه ليس من طوق{[9424]} الخلق إلا{[9425]} بعون وتوفيق من الحق - انتهى . { الذين آمنوا } أي بالنبيين{[9426]} ببركة إيمانهم { لما اختلفوا } {[9427]}أي أهل الضلالة{[9428]} { فيه } ثم بينه بقوله : { من الحق{[9429]} } ويجوز أن تكون تبعيضية لما عموا عنه من الحق الذي نزل به الكتاب الذي جاء به النبيون{[9430]} { بإذنه } أي بما ارتضاه لهم من علمه {[9431]} وإرادته وتمكينه{[9432]} . قال الحرالي : فيه إشعار بما فطرهم{[9433]} عليه من التمكين لقبوله لأن{[9434]} الإذن أدناه التمكين وإزالة المنع - انتهى . { والله } {[9435]} أي المحيط علماً وقدرة{[9436]} { يهدي من يشاء } أي بما له من أوصاف الكمال { إلى صراط مستقيم * } قال الحرالي{[9437]} : هذا هدى أعلى من الأول كأن الأول هدى إلى إحاطة علم الله وقدرته وهذا هدى إليه ، وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم المحمدي

" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله " انتهى . ولما {[9438]} أفهم ما صرح به الكلام السابق من الاختلاف{[9439]} وقوع العداوات وكان في العداوات خطر الأموال والأنفس وكان ذلك أشق ما يكون وكانت العادة قاضية بأن المدعوين{[9440]} إلى ذلك إن لم يصممواعلى الآيات كانوا{[9441]} بين مستثقلين{[9442]} لأمر{[9443]} الرسل يرون أنهم يفرقون ما اتفق من الكلمة ورضي به الناس لأنفسهم ويشتتون أمرهم مستثقلين{[9444]} لطول انتظار الانتصار كان حالهم حال من يطلب الراحات{[9445]} في {[9446]} ذرى الجنات{[9447]} بلا مشقات وذلك محال ومحض ضلال ، {[9448]} فإن الثبات على الصراط المستقيم لا يكون إلا باحتمال شدائد التكاليف{[9449]}


[9371]:في ظ: كانها.
[9372]:العبارة من هنا إلى "شيء حدث" ساقطة من م.
[9373]:من م ومد وفي الأصل: بعد.
[9374]:في ظ: ذلك.
[9375]:في ظ ومد: على الصغير والكبير.
[9376]:في ظ ومد: على الصغير والكبير.
[9377]:زيد في م: قال.
[9378]:العبارة من هنا إلى "فقال" سقطت من ظ.
[9379]:في م ومد: ببعض.
[9380]:ليس في ظ.
[9381]:في الأصل: نزل والتصحيح من م وظ.
[9382]:سورة 10 آية 19.
[9383]:من مد وفي م: قال.
[9384]:العبارة المحجوزة زيدت من م ومد.
[9385]:في البحر المحيط 2 / 134: مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أن إصرار هؤلاء على كفرهم هو حب الدنيا وان ذلك ليس مختصا بهذا الزمان الذي بعثت فيه بل هذا امر كان في الأزمنة المتقادمة إذ كانوا على حق ثم اختلفوا بغيا وحسدا وتنازعا في طلب الدنيا و "الناس" القرون بين آدم ونوح وهي عشرة كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله نوحا فمن بعده – قاله ابن عباس وقتادة.
[9386]:ليست في ظ.
[9387]:ليست في ظ
[9388]:ليست في م.
[9389]:ليست في م.
[9390]:وقدم البشارة لأنها أبهج للنفس وأقبل لما يلقى النبي وفيها اطمئنان المكلف والوعد بثواب ما يفعله من الطاعة ومنه "فإنما يسرانه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا" – البحر المحيط 2 / 135.
[9391]:العبارة من هنا إلى "الأصبهاني" ليست في ظ.
[9392]:من م ومد.
[9393]:زيدت في الأصل: وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله الأصبهاني ولم تكن الزيادة في م ومد فحذفناها.
[9394]:ليست في ظ.
[9395]:ليست في ظ.
[9396]:في الأصل: نظرهم والتصحيح من م ومد وظ.
[9397]:راجع لمضمونها سورة 8 آية 37.
[9398]:في ظ: فقط.
[9399]:زيد في ظ: ثنى.
[9400]:في ظ: ليكون.
[9401]:سقطت من ظ.
[9402]:سقطت من ظ
[9403]:العبارة من هنا إلى "وما اختلف فيه" ليست في ظ
[9404]:في م: جهة.
[9405]:زيد بعده في مد: قوله: والعبارة من "ولما كان" إلى هنا ليست في ظ.
[9406]:ليس في ظ: وفي البحر المحيط 2 / 137: والذين أوتوه أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيها منه على شناعة فعلهم وقبيح ما فعلوه من الاختلاف ولن غيرهم تبع لهم في الاختلاف فهم أصل الشر، وأتى بلفظ 'من' الدالة على ابتداء الغاية منبها على أن اختلافهم متصل بأول زمان مجئ البينات لم يقع منهم اتفاق على شيء بعد المجئ بل بنفس ما جاءتهم البينات اختلفوا لم يتخلل بينهما فترة، و "البينات" التوراة والإنجيل فالذين أوتوه هم اليهود والنصارى أو جميع الكتب المنزلة فالذين أوتوه علماء كل ملة....ثم بين أن ذلك الاختلاف الذي كان لا ينبغي أن يكون ليس لموجب ولا داع إلا مجرد البغي والظلم والتعدي.
[9407]:سقطت من ظ.
[9408]:سقطت من ظ.
[9409]:العبارة من هنا إلى "ثبت بها الكتاب" ليست في ظ.
[9410]:زيد في الأصل: ثبت بها النبوة التي، ولم تكن الزيادة في م ومد فحذفناها.
[9411]:في م: الآيات وفي مد: المبينات.
[9412]:في م ومد: شاهدها.
[9413]:سقطت من ظ.
[9414]:سقطت من ظ.
[9415]:قال الأندلسي: وفي قوله "البينات" دلالة على ان الدلائل العقلية المركبة في الطباع السليمة والدلائل السمعية التي جاءت في الكتاب قد حصلا ولا عذر في العدول والإعراض عن الحق لكن عارض هذا الدليل القطعي ما ركب فيهم من البغي والحسد والحرص على الاستئثار بالدنيا – البحر المحيط 2 / 137.
[9416]:من م مد وظ، وفي الأصل: فلا يتبع.
[9417]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الجسد – كذا.
[9418]:في مد: النفى.
[9419]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بحسبة.
[9420]:في ظ: زاد تعجبا.
[9421]:في ظ: زاد تعجبا
[9422]:ليست في ظ.
[9423]:ليست في ظ.
[9424]:في مد: طرق.
[9425]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لا.
[9426]:ليس في ظ.
[9427]:ليست في ظ.
[9428]:ليست في ظ.
[9429]:في البحر المحيط 2 / 138: "ومن الحق" تبيين المختلف فيه و "من" تتعلق بمحذوف لنها في موضع الحال من "ما" فتكون للتبعيض ويجوز أن تكون لبيان الجنس على قول من يرى ذلك التقدير: لما اختلفوا فيه الذي هو الحق، والأحسن أن يحمل المختلف فيه هنا على الدين والإسلام، ويدل عليه قراءة عبد الله: لما اختلفوا فيه من الإسلام، وقد حمل هذا المختلف فيه على غير هذا وفي تعيينه خلاف أهو الجمعة، جعلها اليهود السبت والنصارى الأحد وكانت فرضت عليهم كما فرضت علينا وفي الصحيحين: نحن الأولون والآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا واوتيناه من بعدهم؛ فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له قال: يوم الجمعة، فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى أو الصلاة فمنهم من يصلي إلى المشرق ومنهم من يصلي إلى المغرب فهدى الله تعالى المؤمنين إلى القبلة – قاله زيد بن أسلم أو إبراهيم على نبينا وعليه السلام قالت النصارى كان نصرانيا، وقالت اليهود: كان يهوديا فهدى الله المؤمنين لدينه بقوله: ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا" أو عيسى على نبينا وعليه السلام جعلته اليهود لعنة وجعلته النصارى إلاها فهدانا الله تعالى لقول الحق فيه – قاله ابن زيد؛ أو الكتب التي آمنوا ببعضها وكفروا ببعضها؛ أو الصيام اختلفوا فيه فهدانا الله لشهر رمضان – فهذه ستة أقوال غير الأول – انتهى.
[9430]:العبارة المحجوزة زيدت من م ومد، وقد سقطت من الأصل ظ.
[9431]:هكذا ثبتت في م ومد، وليست في ظ، وقدمها في الأصل على "بإذنه" وليس فيه "و".
[9432]:هكذا ثبتت في م ومد، وليست في ظ، وقد مها في الأصل على "بإذنه" وليس فيه "و"
[9433]:من م ومد وظ، وفي الأصل: وطرهم.
[9434]:في م: الان.
[9435]:سقطت من ظ.
[9436]:سقطت من ظ.
[9437]:وقال أبو حيان الأندلسي: في هذه الجملة وما قبلها دليل على أنه يستقل بهدى نفسه، وتكرر اسم الله في قوله: "والله" جاء على الطريقة الفصحى التي هي استقلال كل جملة وذلك أولى من أن يفتقر بالغضمار إلى ما قبلها من مفسر ذلك المضمر....وفي قوله: "من يشاء" إشعار بل دلالة على أن هدايته تعالى منشأها الإرادة فقط لا وصف ذاتي في الذي يهديه يستحق به الهداية بل ذلك مفدوق بإرادته تعالى فقط "لا يسأل عما يفعل" – البحر المحيط 2 / 139.
[9438]:العبارة من هنا إلى "لم يصمموا على الآيات" ليست في ظ.
[9439]:في م: اختلاف.
[9440]:في الأصل: الموعودين، والتصحيح من م ومد.
[9441]:كتب فوقه في ظ: أي الناس.
[9442]:في الأصل: مستقلين، والتصحيح من م وظ ومد.
[9443]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لا من.
[9444]:في الأصل : مستقلين والتصحيح من م وظ ومد.
[9445]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الراجات.
[9446]:من مد وظ وفي الأصل: درى الجنات، وفي م: درى الجنايات.
[9447]:من مد وظ وفي الأصل: درى الجنات، وفي م: درى الجنايات.
[9448]:سقطت من ظ.
[9449]:سقطت من ظ.