في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا} (58)

58

( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ؛ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . إن الله نعما يعظكم به . إن الله كان سميعا بصيرًا . . )

هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة ؛ وهذا هو خلقها : أداء الأمانات إلى أهلها . والحكم بين( الناس ) بالعدل . على منهج الله وتعليمه .

والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى . . الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان ؛ والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها ، وحملها " الإنسان " . . أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه . فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة . فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به ، والاهتداء إليه ، ومعرفته ، وعبادته ، وطاعته . وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه . والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته ، وإلى عقله ، وإلى معرفته ، وإلى إرادته ، وإلى اتجاهه ، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله ، بعون من الله : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) . . وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات .

ومن هذه الأمانة الكبرى ، تنبثق سائر الأمانات ، التي يأمر الله أن تؤدى :

ومن هذه الأمانات : أمانة الشهادة لهذا الدين . . الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له . ترجمة حية في شعورها وسلوكها . حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس . فيقولوا : ما أطيب هذا الإيمان وأحسنة وأزكاه ؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال ! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون . . والشهادة له بدعوة الناس إليه ، وبيان فضله ومزيته - بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية - فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه ، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك ، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان . وهي إحدى الأمانات . .

ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض ؛ منهجا للجماعة المؤمنة ؛ ومنهجا للبشرية جميعا . . المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة ، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة . فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات ؛ بعد الإيمان الذاتي . ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة . . ومن ثم ف " الجهاد ماض إلى يوم القيامة " على هذا الأساس . . أداء لإحدى الأمانات . .

ومن هذه الأمانات - الداخلة في ثنايا - ما سبق - أمانة التعامل مع الناس ؛ ورد أماناتهم إليهم : أمانة المعاملات والودائع المادية . وأمانة النصيحة للراعي وللرعية . وأمانة القيام على الأطفال الناشئة . وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها . . وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال . . فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدي ؛ ويجملها النص هذا الإجمال . .

فأما الحكم بالعدل بين( الناس )فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا بين( الناس )جميعا . لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب . ولا عدلا مع أهل الكتاب ، دون سائر الناس . . وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه " إنسانًا " . فهذه الصفة - صفة الناس - هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني . وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا : مؤمنين وكفارا . أصدقاء وأعداء . سودا وبيضا . عربا وعجما . والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل - متى حكمت في أمرهم - هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط - في هذه الصورة - إلا على يد الإسلام ، وإلا في حكم المسلمين ، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية . . والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة ؛ فلم تذق له طعما قط ، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا . لأنهم " ناس " ! لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه( الناس ) !

وذلك هو أساس الحكم في الإسلام ؛ كما أن الأمانة - بكل مدلولاتها - هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي .

والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها ؛ والحكم بين الناس بالعدل ؛ هو التذكير بأنه من وعظ الله - سبحانه - وتوجيهه . ونعم ما يعظ الله به ويوجه :

( إن الله نعما يعظكم به ) . .

ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه . فالأصل في تركيب الجملة : إنه نعم ما يعظكم الله به . . ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة ، فيجعله " اسم إن " ويجعل نعم ما " نعمًا ومتعلقاتها ، في مكان " خبر إن " بعد حذف الخبر . . ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله - سبحانه - وهذا الذي يعظهم به . .

ثم إنها لم تكن " عظة " إنما كانت " أمرًا . . ولكن التعبير يسميه عظة . لأن العظة أبلغ إلى القلب ، وإسرع إلى الوجدان ، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء !

ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية ؛ يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه :

إن الله كان سميعا بصيرًا . .

والتناسق بين المأمور به من التكاليف ؛ وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس ؛ وبين كون الله سبحانه ( سميعا بصيرًا ) مناسبة واضحة ولطيفة معا . . فالله يسمع ويبصر ، قضايا العدل وقضايا الأمانة . والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير ، وإلى مراعاة الملابسات والظواهر ، وإلى التعمق فيما وراءالملابسات والظواهر . وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا} (58)

ولما{[21760]} تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في {[21761]}النساء و{[21762]}اليتامى في الإرث وغيره ، وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال ، وذكر خيانة{[21763]} أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب ، وذكر أنه آتى هذه الأمة الملك المقتضي للحكم ، وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم ؛ أقبل عليهم بلذيذ{[21764]} خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه{[21765]} بما ختمه بالظل الموعود على العدل في حديث " سبعة يظلمهم الله في ظله{[21766]} " فقال : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال{[21767]} { يأمركم } أي أيتها{[21768]} الأمة { أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } أي من غير خيانة{[21769]} ما ، كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم والإخبار بغيره ، والأمانة : كل ما وجب لغيرك عليك .

ولما أمر بما يحق للإنسان في نفسه ، أمر بما يحق له في معاملة غيره{[21770]} ، وحقق لهم{[21771]} ما لم يكونوا يرومونه{[21772]} من أمر الملك بقوله بأداة القطع عاطفاً شيئين على شيئين{[21773]} : { إذا حكمتم } وبين عموم ملكهم لسائر{[21774]} الأمم بقوله{[21775]} : { بين الناس } وبين المأمور به بقوله : { أن تحكموا بالعدل } أي السواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له{[21776]} ، فإن ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل{[21777]} الظليل ، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل " الحديث .

ولما أخبرهم بأمره{[21778]} زادهم رغبة{[21779]} بقوله : { إن الله } {[21780]}معبراً أيضاً بالاسم الأعظم { نعمَّا } أي نعم شيئاً عظيماً{[21781]} { يعظكم به } وحثهم على المبادرة إلى حسن الامتثال بقوله : { إن الله } مكرراً لهذا الاسم الشريف ليجتهدوا في الترقي في طهارة الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم . ولما كان الرقيب في الأمانات لا بد له من{[21782]} أن يكون له من يد سمع وعلم قال{[21783]} : { كان } أي ولم يزل{[21784]} ولا يزال{[21785]} { سميعاً } أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جواباً لأمره وغيره ذلك { بصيراً * } أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك وغيره من امتثال وغيره .


[21760]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21761]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21762]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21763]:من ظ ومد، وفي الأصل: جناية.
[21764]:في ظ: بلين.
[21765]:من ظ ومد، وفي الأصل: بقرابة ـ كذا.
[21766]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21767]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21768]:في ظ: أيها.
[21769]:في مد: جناية.
[21770]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21771]:في ظ: له.
[21772]:من مد، وفي الأصل وظ: يرمونه.
[21773]:زيد ما بين الحاجزين من مد، وموضعه في ظ: سين على سين ـ كذا.
[21774]:من ظ ومد، وفي الأصل: ساير.
[21775]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21776]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21777]:زيد الواو بعده في ظ.
[21778]:من ظ ومد، وفي الأصل: بأمرهم.
[21779]:سقط من ظ.
[21780]:العبارة من هنا إلى "أن الله" سقطت من ظ.
[21781]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[21782]:سقط من مد.
[21783]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21784]:في ظ: لم تزل.
[21785]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.