ولا يكتفي السياق بالدعوة إلى اتخاذ الزينة عند كل مسجد ، وإلى الاستمتاع بالطيب من الطعام والشراب . بل يستنكر تحريم هذه الزينة التي أخرجها الله لعباده ، وتحريم الطيبات من الرزق . فمن المستنكر أن يحرم أحد - برأيه - ما أخرجه الله للناس من الزينة أو من الطيبات . فتحريم شيء أو تحليله لا يكون إلا بشرع من الله :
( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق )?
ويتبع الاستنكار بتقرير أن هذه الزينة من اللباس ، وهذه الطيبات من الرزق ، هي حق للذين آمنوا - بحكم إيمانهم بربهم الذي أخرجها لهم - ولئن كان سواهم يشاركهم فيها في هذه الدنيا ، فهي خالصة لهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها الذين كفروا :
( قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ، خالصة يوم القيامة ) . .
ولن يكون الشأن كذلك ، ثم تكون محرمة عليهم ؛ فما يخصهم الله في الآخرة بشيء هو حرام !
( كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ) .
والذي ( يعلمون ) حقيقة هذا الدين هم الذين ينتفعون بهذا البيان .
ولما كان من المعلوم أن ما كانوا ألفوه واتخذوه ديناً يستعظمون تركه ، لأن الشيطان يوسوس لهم بأنه توسع الدنيا ، والتوسع{[32162]} فيها مما ينبغي الزهد فيه كما دعا إليه كثير من الآيات ، أكد سبحانه الإذن في ذلك بالإنكار على من حرمه ، فقال منكراً عليهم إعلاماً بأن الزهد الممدوح ما كان مع{[32163]} صحة الاعتقاد في الحلال والحرام ، وأما ما كان مع تبديل شيء من الدين بتحليل حرام أو عكسه فهو مذموم : { قل } منكراً موبخاً { من حرم زينة الله } أ ي الملك الذي لا أمر لأحد معه { التي أخرج لعباده } أي ليتمتعوا بها من الثياب والمعادن وغيرها .
ولما ذكر الملابس التي هي شرط في صحة العبادة على وجه عام غيرها من المراكب وغيرها ، أتبعها المآكل والمشارب فقال : { والطيبات } أي من{[32164]} الحلال المستلذ { من الرزق } كالبحائر والسوائب ونحوها ؛ ولما كان معنى الإنكار : لم يحرمها من يعتبر تحريمه بل أحلها ، وكان ربما غلا في الدين غال تمسكاً بالآيات المنفرة عن الدنيا المهونة لشأنها مطلقاً فضلاً عن زينة وطيبات الرزق ، قال مستأنفاً لجواب من يقول : لمن ؟ : { قل هي } أي الزينة{[32165]} والطيبات { للذين آمنوا } وعبر بهذه العبارة ولم يقل : ولغيرهم ، تنبيهاً على أنها لهم بالآصالة { في الحياة الدنيا } وأما الكفار{[32166]} فهم تابعون لهم في التمتع بها وإن كانت{[32167]} لهم أكثر ، فهي غير خالصة لهم وهي للذين آمنوا { خالصة } أي لا يشاركهم فيها{[32168]} أحد ، هذا على قراءة نافع بالرفع ، والتقدير على قراءة غيره : حال كونها خالصة { يوم القيامة } وفي هذا تأكيد لما مضى من إحلالها بعد تأكيد ومحو الشكوك{[32169]} ، وداعية للتأمل في الفصل بين المقامين لبيان أن الزهد المأمور به إنما هو بالقلب بمعنى أنه لا يكون للدنيا عنده{[32170]} قدر ولا له إليها التفات ولا هي أكبر همه ، وأما كونها ينتفع بها فيما أذن الله فيه وهي محقورة غير مهتم بها فذلك من المحاسن .
ولما كان هذا المعنى من دقائق المعاني ونفائس المباني ، أتبعه تعالى قوله جواباً لمن يقول : إن هذا التفصيل فائق فهل{[32171]} يفصل غيره هكذا ؟ { كذلك } أي مثل هذا التفصيل البديع { نفصل الآيات } أي نبين أحكامها ونميز بعض المشتبهات من بعض { لقوم يعلمون* } أي لهم ملكة وقابلية للعلم ليتوصلوا به إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.