في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (106)

104

وليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة ؛ وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه . وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل ، وفي التقرير الذي سبقه عما يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد . . وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها - ويقودها - اليهود ، لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين ، وهي الخير الضخم الذي ينفسونه على المسلمين !

وكانت الحملة - كما أسلفنا - تتعلق بنسخ بعض الأوامر والتكاليف . وبخاصة عند تحويل القبلة إلى الكعبة . الأمر الذي أبطل حجتهم على المسلمين :

( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) . .

وسواء كانت المناسبة هي مناسبة تحويل القبلة - كما يدل سياق هذه الآيات وما بعدها - أم كانت مناسبة أخرى من تعديل بعض الأوامر والتشريعات والتكاليف ، التي كانت تتابع نمو الجماعة المسلمة ، وأحوالها المتطورة . أم كانت خاصة بتعديل بعض الأحكام التي وردت في التوراة مع تصديق القرآن في عمومه للتوراة . . سواء كانت هذه أم هذه أم هذه ، أم هي جميعا المناسبة التي اتخذها اليهود ذريعة للتشكيك في صلب العقيدة . . فإن القرآن يبين هنا بيانا حاسما في شأن النسخ والتعديل ؛ وفي القضاء على تلك الشبهات التي أثارتها يهود ، على عادتها وخطتها في محاربة هذه العقيدة بشتى الأساليب .

فالتعديل الجزئي وفق مقتضيات الأحوال - في فترة الرسالة - هو لصالح البشرية ، ولتحقيق خير أكبر تقتضيه أطوار حياتها . والله خالق الناس ، ومرسل الرسل ، ومنزل الآيات ، هو الذي يقدر هذا . فإذا نسخ آية القاها في عالم النسيان - سواء كانت آية مقروءة تشتمل حكما من الأحكام ، أو آية بمعنى علامة وخارقة تجيء لمناسبة حاضرة وتطوى كالمعجزات المادية التي جاء بها الرسل - فإنه يأتي بخير منها أو مثلها ! ولا يعجزه شيء ، وهو مالك كل شيء ، وصاحب الأمر كله في السماوات وفي الأرض . .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{۞مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (106)

{ ما ننسخ من آية } لما قال الكافرون : إن محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولا

ويرجع عنه غدا ، وأنه ما يقول إلا من تلقاء نفسه-أنزل الله هذه الآية بيانا لوجه حكمة النسخ ، وأنها رعاية مصالح العباد ، وأن النسخ من عند الله لا من عند محمد صلى الله عليه وسلم .

والنسخ : الرفع والإزالة ، يقال : نسخت الشمس الظل ، إذا أذهبته وأبطلته ، ونسخ الآية تارة برفع حكمها مع بقاء تلاوتها ، وتارة برفع تلاوتها مع بقاء حكمها ، وتارة برفعهما معا . وتارة يكون النسخ يبدل ، وتارة بغير بدل ، كما تقرر في الأصول . والمراد به في الآية نسخ الحكم ببدل .

وإنساء الآية – من النسيان- إذهابها من القلوب حتى لا تذكرها ، وهو النوع الثالث من النسخ والمعنى : ما ننسخ من آية فنرفع حكمها ، أو نمحو من القلوب ، نأت بدلها بما هو أنفع لكم وأسهل ، وأكثر لأجركم . أو بمثلها في المنفعة والثواب . فما نسخ بالأخف فهو في العمل أيسر ، وما نسخ بالأشد فهو في الثواب أكثر ، وقرئ " ننسأها " ، من النسئ بمعنى التأخير ، أي نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ .