ثم يأخذ السياق في تظليل الجو كله بأرق الظلال ؛ وفي استجاشة الوجدان بذكريات الطفولة ومشاعر الحب والعطف والحنان :
( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) . . والكبر له جلاله ، وضعف الكبر له إيحاؤه ؛ وكلمة( عندك ) تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة الكبر والضعف . . ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) وهي أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب ألا يند من الولد ما يدل على الضجر والضيق ، وما يشي بالإهانة وسوء الأدب . . ( وقل لهما قولا كريما ) وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما يشي بالإكرام والاحترام . . ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) وهنا يشف التعبير ويلطف ، ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان . فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينا ، ولا يرفض أمرا . وكأنما للذل جناح يخفضه إيذانا بالسلام والاسستسلام . ( وقل : رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) فهي الذكرى الحانية . ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الولدان ، وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان . وهو التوجه إلى الله أن يرحمهما فرحمة الله أوسع ، ورعاية الله أشمل ، وجناب الله أرحب . وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء .
قال الحافظ أبو بكر البزار - بإسناده - عن بريدة عن أبيه : أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها فسأل النبي [ ص ] هل أديت حقها ? قال : لا . ولا بزفرة واحدة .
خفض الجناح : التواضع والتذلل .
وألن لهما جانبك وتواضع لهما مع الاحترام الزائد ، وادع لهما وتوجه إلى الله أن يرحمهما برحمته الباقية ، كفاء رحمتهما لك في صغرك وجميل شفقتهما عليك . ومهما أديت لهما من خدمات فلن تستطيع أن تكافئهما .
وقد وردت أحاديث كثيرة في بر الوالدين . منها عن عبد الله بن مسعود قال : ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله ورسوله ؟ قال : الصلاة على وقتها ، قلت : ثم أي ؟ قال : بر الوالدين ، قلت : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله ) .
وروى البزار عن بريدة عن أبيه : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يطوف حاملاً أمه ، فقال : هل أديتُ حقها ؟ قال : لا ، ولا بزفرة واحدة .
الرابعة عشرة : قوله تعالى : " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " هذه استعارة في الشفقة والرحمة بهما والتذلل لهما تذلل الرعية للأمير والعبيد للسادة ، كما أشار إليه سعيد بن المسيب . وضرب خفض الجناح ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده . والذل : هو اللين . وقراءة الجمهور بضم الذال ، من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة فهو ذال وذليل . وقرأ سعيد بن جبير وابن عباس وعروة بن الزبير " الذل " بكسر الذال ، ورويت عن عاصم ، من قولهم : دابة ذلول بينة الذل . والذل في الدواب المنقاد السهل دون الصعب . فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة ، في أقواله وسكناته ونظره ، ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب .
الخامسة عشرة : الخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته ؛ إذ لم يكن له عليه السلام في ذلك الوقت أبوان . ولم يذكر الذل في قوله تعالى : " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين{[10193]} " [ الشعراء : 215 ] وذكره هنا بحسب عظم الحق وتأكيده . و " من " في قوله : " من الرحمة " لبيان الجنس ، أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس ، لا بأن يكون ذلك استعمالا . ويصح أن يكون لانتهاء الغاية .
ثم أمر تعالى عباده بالترحم على آبائهم والدعاء لهم ، وأن ترحمهما كما رحماك وترفق بهما كما رفقا بك ؛ إذ ولِياك صغيرا جاهلا محتاجا فآثراك على أنفسهما ، وأسهرا ليلهما ، وجاعا وأشبعاك ، وتعريا وكسواك ، فلا تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحد الذي كنت فيه من الصغر ، فتلي منهما ما وليا منك ، ويكون لهما حينئذ فضل التقدم . قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) . وسيأتي في سورة [ مريم ]{[10194]} الكلام على هذا الحديث .
السادسة عشرة : قوله تعالى : " كما ربياني " خص التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتبعهما في التربية ، فيزيده ذلك إشفاقا لهما وحنانا عليهما ، وهذا كله في الأبوين المؤمنين . وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربى ، كما تقدم{[10195]} . وذكر عن ابن عباس وقتادة أن هذا كله منسوخ بقوله : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - إلى قوله - أصحاب الجحيم " [ التوبة : 113 ] فإذا كان والدا المسلم ذميين استعمل معهما ما أمره الله به هاهنا ، إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر ؛ لأن هذا وحده نسخ بالآية المذكورة . وقيل : ليس هذا موضع نسخ ، فهو دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيين ، كما تقدم . أو يكون عموم هذه الآية خص بتلك ، لا رحمة الآخرة ، لا سيما وقد قيل إن قوله : " وقل رب ارحمهما " نزلت في سعد بن أبي وقاص ، فإنه أسلم ، فألقت أمه نفسها في الرمضاء متجردة ، فذكر ذلك لسعد فقال : لَتِمْتُ ، فنزلت الآية . وقيل : الآية خاصة في الدعاء للأبوين المسلمين . والصواب أن ذلك عموم كما ذكرنا ، وقال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح ، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان من الجنة وإن واحدا فواحدا ، ومن أمسى وأصبح مسخطا لوالديه ، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى النار وإن واحدا فواحدا ) فقال رجل : يا رسول الله ، وإن ظلماه ؟ قال : ( وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه ) . وقد روينا بالإسناد المتصل عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن أبي أخذ مالي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل : ( فأتني بأبيك ) فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك : إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه ) فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله ) ؟ فقال : سله يا رسول الله ، هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إيه{[10196]} ، دعنا من هذا أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك ) ؟ فقال الشيخ : والله يا رسول الله ، ما زال الله عز وجل يزيدنا بك يقينا ، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي . قال : ( قل وأنا أسمع ) قال قلت :
غَذَوْتُكَ{[10197]} مولودا ومُنْتُك{[10198]} يافعًا *** تُعَلّ بما أجني عليك وتنهلُ
إذا ليلة ضافتك{[10199]} بالسقم لم أبت *** لسقمك إلا ساهرا أتَمَلْمَلُ
كأني أنا المطروق دونك بالذي *** طُرِقْتَ به دوني فعيني تَهْمُلُ
تخاف الردى نفسي عليك وإنها *** لتعلم أن الموت وقت مؤجلُ
فلما بلغت السن والغاية التي *** إليها مدى ما كنت فيك أؤملُ
جعلت جزائي غلظة وفظاظة *** كأنك أنت المنعم المتفضلُ
فليتك إذ لم تَرْعَ حق أبوتي *** فعلت كما الجار المصاقب يفعلُ
فأوليتني حق الجوار ولم تكن *** *** علي بمال دون مالك تبخلُ
قال : فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال : ( أنت ومالك لأبيك ) . قال الطبراني : اللخمي لا يروي - يعني هذا الحديث - عن ابن المنكدر بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد ، وتفرد به عبيد الله بن خلصة . والله أعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.