في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّـٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا} (15)

مضى الشوط الأول من السورة ، يعالج تنظيم حياة المجتمع المسلم واستنقاذه من رواسب الجاهلية بإقامة الضمانات لليتامى وأموالهم وأنفسهم في محيط الأسرة ، وفي محيط الجماعة ، يعالج نظام التووعقاب الرجال أيضا عقوبة واحدة هي حد الزنا كما ورد في آية سورة النور ، وهي الجلد ؛ وكما جاءت بها السنة أيضا ، وهي الرجم . والهدف الأخير من هذه أو تلك هو صيانة المجتمع من التلوث ، والمحافظة عليه نظيفا عفيفا شريفا .

وفي كل حالة وفي كل عقوبة يوفر التشريع الإسلامي الضمانات ، التي يتعذر معها الظلم والخطأ والأخذ بالظن والشبهة ؛ في عقوبات خطيرة ، تؤثر في حياة الناس تأثيرا خطيرا .

( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم . فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) . .

وفي النص دقة واحتياط بالغان . فهو يحدد النساء اللواتي ينطبق عليهن الحد : " من نسائكم " - أي المسلمات - ويحدد نوع الرجال الذين يستشهدون على وقوع الفعل : " من رجالكم " - أي المسلمين - فحسب هذا النص يتعين من توقع عليهن العقوبة إذا ثبت الفعل . ويتعين من تطلب إليهم الشهادة على وقوعه .

إن الإسلام لا يستشهد على المسلمات - حين يقعن في الخطيئة - رجالا غير مسلمين . بل لا بد من أربعة رجال مسلمين . منكم . من هذا المجتمع المسلم . يعيشون فيه ، ويخضعون لشريعته ، ويتبعون قيادته ، ويهمهم أمره ، ويعرفون ما فيه ومن فيه . ولا تجوز في هذا الأمر شهادة غير المسلم ، لأنه غير مأمون على عرض المسلمة ، وغير موثوق بأمانته وتقواه ، ولا مصلحة له ولا غيرة كذلك على نظافة هذا المجتمع وعفته ، ولا على إجراء العدالة فيه . وقد بقيت هذه الضمانات في الشهادة حين تغير الحكم ، وأصبح هو الجلد أو الرجم . .

( فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت ) . .

لا يختلطن بالمجتمع ، ولا يلوثنه ، ولا يتزوجن ، ولا يزاولن نشاطا . .

( حتى يتوفاهن الموت ) . .

فينتهي أجلهن ، وهن على هذه الحال من الإمساك في البيوت .

( أو يجعل الله لهن سبيلا ) . .

فيغير ما بهن ، أو يغير عقوبتهن ، أو يتصرف في أمرهن بما يشاء . . مما يشعر أن هذا ليس الحكم النهائي الدائم ، وإنما هو حكم فترة معينة ، وملابسات في المجتمع خاصة . وأنه يتوقع صدور حكم آخر ثابت دائم . وهذا هو الذي وقع بعد ذلك ، فتغير الحكم كما ورد في سورة النور ، وفي حديث رسول الله [ ص ] وإن لم تتغير الضمانات المشددة في تحقيق الجريمة .

قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت . قال : كان رسول الله [ ص ] إذا نزل عليه الوحي أثر عليه ، وكرب لذلك ، وتغير وجهه . فأنزل الله عليه عز وجل ذات يوم ، فلما سري عنه قال : " خذوا عني . . قد جعل الله لهن سبيلا . . الثيب بالثيب ، والبكر بالبكر . الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة . والبكر جلد مائة ثم نفي سنة " . . وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة ، عن الحسن ، عن حطان ، عن عبادة بن الصامت . عن النبي [ ص ] ولفظه : " خذوا عني . خذوا عني . قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام . والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة " . . وقد ورد عن السنة العملية في حادث ماعز والغامدية كما ورد في صحيح مسلم : أن النبي [ ص ] رجمهما ولم يجلدهما . وكذلك في حادث اليهودي واليهودية اللذين حكم في قضيتهما ، فقضى برجمهما ولم يجلدهما . .

فدلت سنته العملية على أن هذا هو الحكم الأخير :

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱلَّـٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا} (15)

الفاحشة والفحش والفحشاء : ما عظُم قبحه من الأفعال والأقوال . والمراد بها هنا الزنا .

كانت الآيات السابقة تعالج تنظيم حياة المجتمع الإسلامي ، فعُنيتْ بحقوق اليتامى والسفهاء المالية ، كما عنيت بحقوق النساء وشؤون الميراث ، فأبطلتْ ما كان عليه أهل الجاهلية في توزيع الميراث وبينت القسمة العادلة بياناً شافيا .

أما هذه الآية فإنها تعالج حياة المجتمع المسلم ، وتطهيره من الفاحشة التي كانت متفشية في أهل الجاهلية . وكان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بشهادة أربعة رجال حُبست في بيتها فلا تخرج منه حتى تموت . وهو ما تحكم به هذه الآية . لكنه لم يستمر فقد جاء تفصيل الحكم لاحقا في سورة النور وفي الأحاديث الصحيحة .

واللاتي يأتين الزنا من نسائكم ، بعد ثبوته عليهن بحق ، فاحبسوهن أيها المؤمنون ، في البيوت وامنعوهن من الخروج إلى أن يتوفاهن الله { أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً } أي : يفتح لهن طريقاً مستقيما للحياة ، بالزواج أو التوبة .

قال ابن عباس : هذا كان الحكم لهذه الفاحشة ثم أبدله الله في سورة النور وجعله الجَلْد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّـٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا} (15)

فيه ثمان مسائل :

الأولى : لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن ، وانجر الأمر إلى ذكر ميراثهن مع مواريث الرجال ، ذكر أيضا التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة ؛ لئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف .

الثانية : قوله تعالى : " واللاتي " " اللاتي " جمع التي ، وهو اسم مبهم للمؤنث ، وهي معرفة ولا يجوز نزع الألف واللام منه للتنكير ، ولا يتم إلا بصلته ؛ وفيه ثلاث لغات كما تقدم . ويجمع أيضا " اللات " بحذف الياء وإبقاء الكسرة ؛ و " اللائي " بالهمزة وإثبات الياء ، و " اللاء " بكسر الهمزة وحذف الياء ، و " اللا " بحذف الهمزة . فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي : اللواتي ، وفي اللاء : اللوائي . وقد روي عنهم " اللوات " بحذف الياء وإبقاء الكسرة . قال ابن الشجري . قال الجوهري : أنشد أبو عبيد :

من اللواتي والتي واللات *** زعمن أن قد كبرت لدات

واللوا بإسقاط التاء . وتصغير التي اللتيا بالفتح والتشديد ؛ قال الراجز :

بعد اللتيا واللتيا والتي{[4137]}

وبعض الشعراء أدخل على " التي " حرف النداء ، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا : يا الله وحده ؛ فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها . وقال :

من اجلِك يالتي تيمت قلبي *** وأنت بخيلة بالود عني

ويقال : وقع في اللتيا والتي ؛ وهما اسمان من أسماء الداهية .

الثالثة : قوله تعالى : " يأتين الفاحشة " الفاحشة في هذا الموضع الزنا ، والفاحشة الفعلة القبيحة ، وهي مصدر كالعاقبة والعافية . وقرأ ابن مسعود " بالفاحشة " بباء الجر .

الرابعة : قوله تعالى : " من نسائكم " إضافة في معنى الإسلام وبيان حال المؤمنات ؛ كما قال " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " {[4138]} [ البقرة : 282 ] لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب ولا يلحقها هذا الحكم .

الخامسة : قوله تعالى : " فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " أي من المسلمين ، فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدعي وسترا على العباد . وتعديل الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن . قال الله تعالى : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " {[4139]} [ النور : 4 ] وقال هنا : " فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " . وروى أبو داود عن جابر بن عبدالله قال : جاءت اليهود برجل وامرأة منهم قد{[4140]} زنيا فقال : النبي صلى الله عليه وسلم{[4141]} ( ائتوني بأعلم رجلين منكم ) فأتوه بابني صوريا فنشدهما : ( كيف تجدان أمر هذين في التوراة ؟ ) قالا : نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما . قال : ( فما يمنعكما أن ترجموهما ) ؟ قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود ، فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما . وقال قوم : إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ؛ إذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما ، وهذا ضعيف ؛ فإن اليمين تدخل في الأموال واللوث{[4142]} في القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا .

السادسة : ولا بد أن يكون الشهود ذكورا ؛ لقوله : " منكم " ولا خلاف فيه بين الأمة . وأن يكونوا عدولا ؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة ، وهذا أعظم ، وهو بذلك أولى . وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل ، على ما هو مذكور في أصول الفقه . ولا يكونون ذمة{[4143]} ، وإن كان الحكم على ذمية ، وسيأتي ذلك في " المائدة " {[4144]} وتعلق أبو حنيفة بقوله : " أربعة منكم " في أن الزوج إذا كان أحد الشهود في القذف لم يلاعن . وسيأتي بيانه في " النور " {[4145]} إن شاء الله تعالى .

السابعة : قوله تعالى : " فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت " هذه أول عقوبات{[4146]} الزناة ؛ وكان هذا في ابتداء الإسلام ، قال عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد حتى نسخ بالأذى الذي بعده ، ثم نسخ ذلك بآية " النور " وبالرجم في الثيب . وقالت فرقة : بل كان الإيذاء هو الأول ثم نسخ بالإمساك ، ولكن التلاوة أخرت وقدمت ، ذكره ابن فورك ، وهذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة ، فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذ لهم سجن . قاله ابن العربي .

الثامنة : واختلف العلماء هل كان هذا السجن حدا أو وعدا بالحد على قولين : أحدهما : أنه توعد بالحد ، والثاني : أنه حد . قاله ابن عباس والحسن . زاد ابن زيد : وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه . وهذا يدل على أنه كان حدا بل أشد ، غير أن ذلك الحكم كان ممدودا{[4147]} إلى غاية وهو الأذى في الآية الأخرى ، على اختلاف التأويلين في أيهما قبل ، وكلاهما ممدود إلى غاية وهي قوله عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت : ( خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ) . وهذا نحو قوله تعالى : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " {[4148]} [ البقرة : 187 ] فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام لانتهاء غايته لا لنسخه . هذا قول المحققين المتأخرين من الأصوليين ، فإن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما ، والجمع ممكن بين الحبس والتعيير{[4149]} والجلد والرجم ، وقد قال بعض العلماء : إن الأذى والتعيير{[4150]} باق مع الجلد ؛ لأنهما لا يتعارضان ، بل يحملان على شخص واحد . وأما الحبس فمنسوخ بإجماع ، وإطلاق المتقدمين النسخ على مثل هذا تجوز . والله أعلم .


[4137]:هذا صدر بيت للعجاج، وعجزه: إذا علتها نفس تردت
[4138]:راجع ج 3 ص 389.
[4139]:راجع ج 12 ص 171.
[4140]:من أبي داود كما في ابن العربي.
[4141]:من أبي داود كما في ابن العربي.
[4142]:اللوث: هو أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت: أن فلانا قتلني، أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما أو تهديد منه له، أو نحو ذلك.
[4143]:في ج: ولا يكونون ذمية وفي ط و ي و ز: ذمة. والمراد المعاهدون. وفي البحر : ولا يكونوا.
[4144]:راجع ج 6 ص 349 فما بعد.
[4145]:راجع ج 12 ص 182 فما بعد.
[4146]:كذا في ابن عطية والعبارة له . وفي الأصول: عزمات
[4147]:كذا في ابن العربي. والأصول: كان محمودا. كلاهما ممدود.
[4148]:راجع ج 2 ص 321.
[4149]:في ج: التعزير.
[4150]:في ج: التعزير.