فأما وظيفة الجماعة المسلمة التي تقوم على هاتين الركيزتين لكي تنهض بها . . هذه الوظيفة الضرورية لإقامة منهج الله في الأرض ، ولتغليب الحق على الباطل ، والمعروف على المنكر ، والخير على الشر . . هذه الوظيفة التي من أجلها أنشئت الجماعة المسلمة بيد الله وعلى عينه ، ووفق منهجه . . فهي التي تقررها الآية التالية :
( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وأولئك هم المفلحون ) . .
فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته . فهناك " دعوة " إلى الخير . ولكن هناك كذلك " أمر " بالمعروف . وهناك " نهي " عن المنكر . وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان ، فإن " الأمر والنهي " لا يقوم بهما إلا ذو سلطان . .
هذا هو تصور الإسلام للمسألة . . إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى . . سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر . . سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله . . سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر . . وتحقيق هذا المنهج يقتضي " دعوة " إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج . ويقتضي سلطة " تأمر " بالمعروف " وتنهى " عن المنكر . . فتطاع . . والله يقول : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) . . فمنهج الله في الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان . فهذا شطر . أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي ، على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشرية ، وصيانة تقاليد الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة ، وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرىء برأيه وبتصوره ، زاعما أن هذا هو الخير والمعروف والصواب !
والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من ثم - تكليف ليس بالهين ولا باليسير ، إذا نظرنا إلى طبيعته ، وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم ، ومصالح بعضهم ومنافعهم ، وغرور بعضهم وكبريائهم . وفيهم الجبار الغاشم . وفيهم الحاكم المتسلط . وفيهم الهابط الذي يكره الصعود . وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد . وفيهم المنحل الذي يكره الجد . وفيهم الظالم الذي يكره العدل . وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة . . وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف ، ويعرفون المنكر . ولا تفلح الأمة ، ولا تفلح البشرية ، إلا أن يسود الخير ، وإلا أن يكون المعروف معروفا ، والمنكر منكرا . . وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى . . وتطاع . .
ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين : الإيمان بالله والأخوة في الله . لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى ثم بقوة الحب والألفة ، وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة ، وكلفها به هذا التكليف . وجعل القيام به شريطة الفلاح . فقال عن الذين ينهضون به :
إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته . فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية . هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير . المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل . والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم . . عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر . والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة . والحق فيه أقوى من الباطل . والعدل فيه أنفع من الظلم . . فاعل الخير فيه يجد على الخير اعوانا . وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانا . . ومن هنا قيمة هذا التجمع . .
إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد ، لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه . والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة ، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه .
والتصور الإسلامي عن الوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص . . يختلف في هذا كله عن التصورات الجاهلية اختلافا جوهريا أصيلا . فلا بد إذن من وسط خاص يعيش فيه هذا التصور بكل قيمه الخاصة . لا بد له من وسط غير الوسط الجاهلي ، ومن بيئة غير البيئة الجاهلية .
هذا الوسط الخاص يعيش بالتصور الإسلامي ويعيش له ؛ فيحيا فيه هذا التصور ، ويتنفس أنفاسه الطبيعية في طلاقة وحرية ، وينمو نموه الذاتي بلا عوائق من داخله تؤخر هذا النمو أو تقاومه . وحين توجد هذه العوائق تقابلها الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وحين توجد القوة الغاشمة التي تصد عن سبيل الله تجد من يدافعها دون منهج الله في الحياة .
هذا الوسط يتمثل في الجماعة المسلمة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة . الإيمان بالله كي يتوحد تصورها للوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص ، وترجع إلى ميزان واحد تقوم به كل ما يعرض لها في الحياة ، وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله ، وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج الله في الأرض . . والأخوة في الله . كي يقوم كيانها على الحب والتكافل اللذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة ، وتتضاعف بهما مشاعر الإيثار . الإيثار المنطلق في يسر ، المندفع في حرارة ، المطمئن الواثق المرتاح .
وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين . . على الإيمان بالله : ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله - سبحانه - وتمثل صفاه في الضمائر ؛ وتقواه ومراقبته ، واليقظة والحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال . وعلى الحب . الحب الفياض الرائق ، والود . الود العذب الجميل ، والتكافل . التكافل الجاد العميق . . وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغا ، لولا أنه وقع ، لعد من أحلام الحالمين ! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة ، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة ! وهي قصة وقعت في هذه الأرض . ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان !
وعلى مثل ذلك الإيمان ومثل هذه الأخوة يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان . .
الخير : ما فيه صلاح الناس في الدين والدنيا وهنا هو الإسلام .
المعروف : ما استحسنه الشرع والعقل .
بعد أن أرشد الكتاب المؤمنين إلى صلاح أنفسهم ، وتزكيتها بالعمل بتقوى الله والتمسك بحبله المتين ، بين لهم واجبهم الذي يقوم على القاعدتين اللتين مر ذكرهما : الإيمان بالله ، والأخوة في الله . وهذا واجب ضروري لإقامة دين الله على الأرض ، وتغليب الحق على الباطل . لذلك وجب على المسلمين أن تكون فيهم جماعة متميزة تقوم بالدعوة إلى الخير وصلاح البشرية . ويجب أن تكون هذه الطائفة معيّنة من قبل الحاكم وأن تتمتع بالسلطة الكافية لإنجاز ذلك ، وأن يقوم كل واحد منها باختصاصه حتى لا تحدث الفوضى وتضطرب الأمور .
هذا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف عسير يتطلب القيام به مؤمنين حقا ، متحلّين بالخلق العظيم والصبر والفهم والمرونة ، لأنهم سوف يصطدمون بأصحاب المصالح وذوي النفوذ والكبرياء والغرور . وعلى هذا فلا بد من اختيار جماعة يكون عملها خالصا لوجه الله ويؤتي ثمره على أحسن الوجوه ، حتى يصدق على أفرادها قوله تعالى { وأولئك هم المفلحون } . وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه " أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن غضِب لله غضب الله له " . قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم-105 المائدة } .
" والمراد*{[4]} بالخير هنا الإسلام ، وبالمعروف طاعة الله ، وبالمنكر معصيته ، ومحصل المعنى أنه لابد من وجود جماعة تدعو غير المسلمين إلى الإسلام ، وتدعو المسلمين إلى ما يرضي الله ، ويثيب عليه ، وترك ما يغضبه ، ويعاقب عليه .
ولفظ ( منكم ) في الآية قرينة على أن وجوب الأمر بالمعروف على سبيل الكفاية ، دون العين ، إذا قام به البعض سقط عن الكل .
وليس من الضروري أن يكون القائم بهذه المهمة عادلا ، بحيث لا يجوز للفاسق أن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر . . كلا ، لأمرين : الأول أن شرط الحكم تماما كالحكم لا يثبت إلا بدليل ، ولا دليل على شرط العدالة هنا لا من الكتاب ، ولا من السنة ، ولا من العقل . الثاني أن حكم الآمر بالمعروف لا يناط بطاعة أو معصية غيره من الأحكام .
وكثير من الفقهاء اشترطوا لوجوب الأمر بالمعروف أن يكون الآمر آمنا على نفسه ، بحيث لا يصيبه أي ضرر إذا أمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر .
ولكن هذا الشرط لا يطّرد في جميع الموارد ، فإن قتال من يحاربنا من أجل ديننا وبلادنا واجب ، مع العلم بأن القتال يستدعي الضرر بطبعه : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن-111 التوبة " . ويجوز لكل إنسان أن يضحي بحياته إذا تيقن أن في هذه التضحية مصلحة عامة ، وفائدة للعباد والبلاد أهم وأعظم من حياته ، بل هو مشكور عند الله والناس ، وفي الحديث : " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " .
وخلاصة القول : يجب دفع الضرر لو كانت له فائدة في الأصل ، كما يجوز للإنسان أن يقدم على قطع عضو سقيم من أعضائه ، حرصا على حياته ، وخوفا على نفسه من الهلاك .
هذا ، إلى أن للأسلوب أثره البالغ ، فبعض الأساليب تُنفّر من الحق ، وتجر صاحبها إلى المتاعب والويلات ، وبعضها تفرض الفكرة على سامعها فرضا من حيث لا يشعر . . والعاقل الحكيم يعطي لكل مقام ما يناسبه من القسوة واللين . وقد كان فرعون في أوج سلطانه وطغيانه ، ولم يكن لموسى وهارون ناصر ولا معين ، ومع ذلك أمرهما أن يدعواه إلى الحق ، ولكن بأسلوب هين لين . . حتى خالق الكون جلّت كلمته يخاطب عباده تارة بأسلوب التهديد والوعيد ، ويقول لهم : { أنكم منّا لا تنصرون-65 المؤمنون } . وتارة يقول لهم برفق : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم-22 النور } .
وبالجملة إن إعلان الدعوة الإسلامية على الملأ ، وتآمر المسلمين فيما بينهم بالمعروف ، وتناهيهم عن المنكر ، إن هذا ركيزة من ركائز الإسلام ، ومن ثم يحتم وجود فئة معينة تقوم بهذه المهمة ، تماما كما يحتم وجود سلطة تحافظ على الأمن والنظام ، وفئة تختص بالصناعة ، وأخرى بالزراعة ، وما إلى ذاك مما لا تتم الحياة إلا به .
وهذا الأصل من الأصول الأساسية لكل دين ، وكل مبدأ ، ولو كان زمنيا ، لأنه الوسيلة المجدية لبث الدعوة وانتصارها ، وردع أعدائها . . ولا شيء أدل على ذلك من اهتمام أصحاب المذاهب السياسية والاقتصادية بوسائل الإعلام ، وتطورها وبذل الملايين في سبيلها ، ومن وقوف الدعاية بشتى أساليبها مع المدفع جنبا إلى جنب ، وما ذاك إلا لأنهم أدركوا بتجاربهم أن الرأي العام أمضى سلاحا ، وأقوى أثرا من الصواريخ والقنابل . وقد اشتهر عن أحد أقطاب الحلفاء بعد انتصارهم في الحرب العالمية أنه قال : " لقد انتصرنا في المعركة بقنابل من ورق " . يعني الصحف والنشرات .
وتسأل : كيف تجمع بين قوله تعالى : { ولتكن أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } وبين قوله سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم-105 المائدة } ، حيث أفادت الأولى وجوب الأمر بالمعروف ، ودلت الثانية على عدم وجوبه بقرينة ( عليكم أنفسكم ) ؟
الجواب : المقصود بالآية الثانية أن من قام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه المطلوب فلا يضره ضلال من ضل ، وإعراض من أعرض ، ما دام قد أدى ما عليه : { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب-40 الرعد } .
سؤال ثان : لقد اشتهر عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " . وهذا الترتيب يتنافى مع ما هو معروف شرعا وعقلا وعرفا من أن تغيير المنكر إنما يبتدئ أولا باللسان ، فإن لم يُجدِ فبالحرب ، فما هو الوجه لقول الرسول الأعظم ؟ .
الجواب : فرق بعيد بين تغيير المنكر ، وبين النهي عن المنكر ، فإن النهي عن المنكر يكون قبل وقوعه- في الغالب- فهو أشبه بالوقاية ، كما لو احتملت أن شخصا يفكر بالسرقة ، فتنهاه عنها .
أما تغيير المنكر فيكون بعد وقوعه ، كما لو علمت أن شخصا سرق محفظة الغير ، فإن كنت قادرا على انتزاعها من السارق ، وردها إلى صاحبها وجب عليك أن تباشر ذلك بنفسك إذا انحصر الرد بفعلك خاصة ، ولم يلحقك أي ضرر ، فإن لم تستطع وجب عليك أن تأمر السارق برد المحفظة إلى صاحبها ، وتنهاه عن إمساكها ، فإن لم تستطع مقتَّ السارق ، ولم ترض بفعله بينك وبين ربك . . وموضوع الحديث النبوي تغيير المنكر ، لا النهي عن المنكر " .