في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ} (92)

65

وبمناسبة الإنفاق على غير درب الله ، وفي غير سبيله ، وبمناسبة الافتداء يوم لا ينفع الفداء ، يبين البذل الذي يرضاه :

( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون . وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ) . .

وقد فقه المسلمون وقتها معنى هذا التوجيه الإلهي ، وحرصوا على أن ينالوا البر - وهو جماع الخير - بالنزول عما يحبون ، وببذل الطيب من المال ، سخية به نفوسهم في انتظار ما هو أكبر وأفضل .

روى الإمام أحمد - بإسناده - عن أبي إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة : سمع أنس بن مالك يقول : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا ، وكان أحب أمواله إليه بير " حاء " . وكانت مستقبله المسجد . وكان النبي [ ص ] يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب . قال أنس : فلما نزلت : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) . . قال أبو طلحة : يا رسول الله ، إن الله يقول : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون )وإن أحب أموالي إلي بير " حاء " وإنها صدقة لله أرجو بها برها وذخرها عند الله تعالى . فضعها يا رسول الله حيث أراك الله . فقال النبي [ ص ] " بخ بخ . ذاك مال رابح . ذاك مال رابح . وقد سمعت . وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين " فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله . فقسمها أبو طلحة في أقاربهوبني عمه " . . [ أخرجه الشيخان ] .

وفي الصحيحين أن عمر - رضي الله عنه - قال : " يا رسول الله لم أصب مالا قط ، هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر . فما تأمرني به ؟ قال : " احبس الأصل ، وسبل الثمرة " " . .

وعلى هذا الدرب سار الكثيرون منهم يلبون توجيه ربهم الذي هداهم إلى البر كله ، يوم هداهم إلى الإسلام . ويتحررون بهذه التلبية من استرقاق المال ، ومن شح النفس ، ومن حب الذات ؛ ويصعدون في هذا المرتقى السامق الوضيء أحرارا خفافا طلقاء . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ} (92)

نال الشيء : أصابه ووصل إليه .

البر : الخير ، وبرّ الله رحمته ورضاه . البر : الجنة ، وكل فعل يقرب صاحبه من الله فهو بر .

لن تنالوا الخير الكامل الذي تطلبونه إلا إذا أعطيتم مما تحبون من كرائم أموالكم في سبيل الله . وهو يعلم ما تنفقونه ، قليلا كان أو كثيرا ، طيبا أو رديئا ، لأنه هو العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .

لما نزلت هذه الآية بادر الصحابة إلى بذل أحسن ما عندهم من أموال ، كل بحسب طاقته . وكذلك اقتفى أثرهم السلف الصالح . فقد تصدّق أبو طلحة الأنصاري بأحسن بستان في المدينة ، وعمر بن الخطاب بسهم له في خيبر ، وكان أحسن ما عنده . كذلك تصدّق زيد بن حارثة بأحسن فرس لديه . . والأخبار في هذا الموضوع كثيرة جدا . وفي هذه الآية الكريمة حث على فعل الخير وترغيب فيه ، جعلنا الله ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه .