ولكن القوم كانوا قد بلغوا من فساد القلوب ، ومن سوء تقدير القيم في الحياة ، وسوء التصور لدوافع العمل والسلوك ، ما كشف عنه تبجحهم من قبل بالسخرية والتكذيب :
( قالوا : يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ، وإنا لنراك فينا ضعيفا ، ولولا رهطك لرجمناك ، وما أنت علينا بعزيز ) . .
فهم ضيقو الصدور بالحق الواضح ، لا يريدون أن يدركوه :
( قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ) . .
وهم يقيسون القيم في الحياة بمقياس القوة المادية الظاهرة :
فلا وزن عندهم للحقيقة القوية التي يحملها ويواجههم بها .
ففي حسابهم عصبية العشيرة ، لا عصبية الاعتقاد ، وصلة الدم لا صلة القلب . ثم هم يغفلون عن غيرة الله على أوليائه فلا يضعونها في الحساب .
لا عزة التقدير والكرامة ولا عزة الغلب والقهر . ولكننا نحسب حساب الأهل والعشيرة !
وحين تفرغ النفوس من العقيدة القويمة والقيم الرفيعة والمثل العالية ؛ فإنها تقبع على الأرض ومصالحها القريبة وقيمها الدنيا ؛ فلا ترى حرمة يومئذ لدعوة كريمة ، ولا لحقيقة كبيرة ؛ ولا تتحرج عن البطش بالداعية إلا أن تكون له عصبة تؤويه ؛ وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه . أما حرمة العقيدة والحق والدعوة فلا وزن لها ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية .
قوله تعالى : " قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول " أي ما نفهم ؛ لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور ، وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله . وقيل : قالوا ذلك إعراضا عن سماعه ، واحتقارا لكلامه ، يقال : فقِه يفقَه إذا فهم فقها ، وحكى الكسائي : فقُه فقَها وفِقْها إذا صار فقيها{[8841]} . " وإنا لنراك فينا ضعيفا " قيل : إنه كان مصابا ببصره{[8842]} ، قاله سعيد بن جبير وقتادة . وقيل : كان ضعيف البصر ، قاله الثوري ، وحكى عنه النحاس مثل قول سعيد بن جبير وقتادة . قال النحاس : وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى ضعيفا ، أي قد ضعف بذهاب بصره ، كما يقال له ضرير ، أي قد ضر بذهاب بصره ، كما يقال له : مكفوف ، أي قد كف عن النظر بذهاب بصره . قال الحسن : معناه مهين . وقيل : المعنى ضعيف البدن ، حكاه علي بن عيسى . وقال السدي : وحيدا ليس لك جند وأعوان تقدر بها على مخالفتنا . وقيل : قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها و " ضعيفا " نصب على الحال . " ولولا رهطك " رفع بالابتداء ، ورهط الرجل عشيرته الذي يستند إليهم ويتقوى بهم ، ومنه الراهطاء لجحر اليربوع ؛ لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده . ومعنى " لرجمناك " لقتلناك بالرجم ، وكانوا إذا قتلوا إنسانا رجموه بالحجارة ، وكان رهطه من أهل ملتهم . وقيل : معنى " لرجمناك " لشتمناك ، ومنه قول الجعدي :
تراجَمْنا بمُرّ القول حتى *** نصير كأننا فَرَسَا رِهَانِ
والرجم أيضا اللعن ، ومنه الشيطان الرجيم . " وما أنت علينا بعزيز " أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع .
فلما رأوه لا ينزع عنهم ولم يقدروا لكلامه على جواب ، أيأسوه من الرجوع إليه بأن أنزلوا أنفسهم عناداً في الفهم لهذا الكلام الواضح {[40014]}جداً إلى{[40015]} عداد البهائم ، وهددوه فأخبر تعالى عنهم بذلك{[40016]} استئنافاً في جواب من يقول : ما قالوا بعد هذا الدعاء الحسن ؟ بقوله : { قالوا يا شعيب } منادين له باسمه جفاء وغلظة { ما نفقه } أي الآن لأن " ما " تخص{[40017]} بالحال { كثيراً مما تقول } وإذا لم يفهم الكثير من الكلام لم يفهم مقصوده ، يعنون : خفض عليك واترك كلامك فإنا لا نفهمه تهاوناً به{[40018]} كما يقول الإنسان لخصمه إذا نسبه إلى الهذيان : أنا لا أدري ما تقول ، ولما كان غرضهم مع العناد قطع الأمر ، خصواً عدم الفهم بالكثير ليكون أقرب إلى الإمكان ، وكأنهم - والله أعلم - أشاروا إلى أنه كلام غير منتظم فلا حاصل له ولا لمضمونه وجود في الخارج .
ولما كان في ذلك إشارة إلى أنه ضعيف العقل لأن كلامه مثل كلام المجانين ، أتبعوه قولهم{[40019]} : { وإنا لنراك } أي رؤية مجددة مستمرة { فينا ضعيفاً } أي في البدن وغيره ، فلا تتعرض لسخطنا فإنك لا تقدر على الامتناع من مكروه نحله بك بقوة عقل ولا جسم ولا عشيرة ، وأشاروا إلى ضعف العشيرة بتعبيرهم بالرهط في قولهم : { ولولا رهطك لرجمناك } أي قتلناك شر قتلة - فإن الرهط من ثلاثة إلى عشرة وأكثر ما قيل : إن فخذه أربعون - فما أنت علينا بممتنع لضعفك وقلة قومك { وما أنت } أي خاصة ، لأن " ما " لنفي الحال اختصاص بالزمان ، والقياس أن يكون مدخولها فعلاً أو شبهه ، وحيث أوليت الاسم لا سيما الضمير دل على أن التقديم للاهتمام والاختصاص { علينا بعزيز* } بكريم مودود ، تقول : أعززت فلاناً - إذا كان له عندك ود ، بل قومك هم الأعزة عندنا لموافقتهم لنا ، ولو كان المراد : ما عززت علينا ، لكان الجواب : لم لا أعز وقد شرفني الله - أو نحو هذا ، ويصح أن يراد بالعزيز القوي الممتنع ، ويصير إفهامه لامتناع رهطه محمولاً على أن المانع لهم موافقتهم لهم لا قوتهم ؛ والفقه : فهم الكلام على ما تضمن من المعنى ، وقد صار اسماً لضرب من علوم الدين ، وأصل الرهط : الشدة ، من الترهيط لشدة الأكل ، ومنه الراهطاء : جحر اليربوع لشدته وتوثقه ليخبأ فيه ولده .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.