السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني - الشربيني  
{قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ} (91)

الأوّل : { قالوا } له { يا شعيب ما نفقه } ، أي : ما نفهم { كثيراً مما تقول } . فإن قيل : إنه كان يخاطبهم بلسانهم فلم قالوا { ما نفقه } ؟ أجيب : بأنهم كانوا لا يلقون إليه أذهانهم لشدّة نفرتهم عن كلامه وهو قوله تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } [ الأنعام ، 25 ] أو أنهم فهموه ولكنهم ما أقاموا له وزناً ، فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة ، كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه : ما أدري ما تقول .

النوع الثاني : قولهم له : { وإنا لنراك فينا ضعيفاً } ، أي : لا قوّة لك فتمتنع منا إن أردناك بسوء أو ذليلاً لا عز لك ، وقيل : أعمى بلغة حمير ، قاله قتادة ، وفي هذا تجويز العمي على الأنبياء إلا أنّ هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا المعنى ؛ لأنه ترك الظاهر من غير دليل ، وقيل : ضعيف البصر ، قاله الحسن . النوع الثالث : قولهم له : { ولولا رهطك } ، أي : عشيرتك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا لا لخوف من شوكتهم { لرجمناك } بالحجارة حتى تموت ، والرهط من الثلاثة إلى عشرة ، وقيل : إلى السبعة ، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا له أنه لا حرمة له عندهم ولا وقع له في صدورهم وأنهم إنما لم يقتلوه لأجل احترام رهطه . النوع الرابع : قولهم له : { وما أنت علينا بعزيز } ، أي : لا تعز علينا ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم ، وإنما يعز علينا رهطك ؛ لأنهم من أهل ديننا ولم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا .