في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا} (15)

وبذلك الناموس الكوني الدقيق ترتبط قاعدة العمل والجزاء :

( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ) . .

فهي التبعة الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه ؛ إن اهتدى فلها ، وإن ضل فعليها . وما من نفس تحمل وزر أخرى ، وما من أحد يخفف حمل أحد . إنما يسأل كل عن عمله ، ويجزي كل بعمله ولا يسأل حميم حميما . وقد شاءت رحمة الله ألا يأخذ الإنسان بالآيات الكونية المبثوثة في صفحات الوجود ، وألا يأخذه بعهد الفطرة الذي أخذه على بني آدم في ظهور آبائهم ، إنما يرسل إليهم الرسل منذرين ومذكرين : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وهي رحمة من الله أن يعذر إلى العباد قبل أن يأخذهم بالعذاب .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا} (15)

قوله تعالى : " من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها " أي إنما كل أحد يحاسب عن نفسه لا عن غيره ، فمن اهتدى فثواب اهتدائه له ، ومن ضل فعقاب كفره عليه . " ولا تزر وازرة وزر أخرى " تقدم في الأنعام{[10160]} . وقال ابن عباس : نزلت في الوليد بن المغيرة ، قال لأهل مكة : اتبعون واكفروا بمحمد وعلي أوزاركم ، فنزلت هذه الآية ، أي إن الوليد لا يحمل آثامكم وإنما إثم كل واحد عليه . يقال : وزر يزر وزرا ، ووزرة ، أي أثم . والوزر : الثقل المثقل والجمع أوزار ، ومنه " يحملون أوزارهم على ظهورهم{[10161]} " [ الأنعام : 31 ] أي أثقال ذنوبهم . وقد وزر إذا حمل فهو وازر ، ومنه وزير السلطان الذي يحمل ثقل دولته . والهاء في قوله{[10162]} كناية عن النفس ، أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى ، حتى أن الوالدة تلقي ولدها يوم القيامة فتقول : يا بني ألم يكن حجري لك وطاء ، ألم يكن ثديي لك سقاء ، ألم يكن بطني لك وعاء ، فيقول : بلى يا أمه فتقول : يا بني فإن ذنوبي أثقلتني فاحمل عني منها ذنبا واحدا فيقول : إليك عني يا أمه فإني بذنبي عنك اليوم مشغول .

مسألة : نزعت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية في الرد على ابن عمر حيث قال : إن الميت ليعذب ببكاء أهله . قال علماؤنا : وإنما حملها على ذلك أنها لم تسمعه ، وأنه معارض للآية . ولا وجه لإنكارها ، فإن الرواة لهذا المعنى كثير ، كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة ، وهم جازمون بالرواية ، فلا وجه لتخطئتهم . ولا معارضة بين الآية والحديث ، فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته ، كما كانت الجاهلية تفعله ، حتى قال طرفة :

إذا متُّ فانعينِي بما أنا أهلُه *** وشُقِّي عليّ الجيب يا بنتَ مَعْبَدِ

وقال :

إلى الحول ثم اسمُ السلام عليكما *** ومن يبكِ حولا كاملا فقد اعْتَذَرْ

وإلى هذا نحا البخاري . وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد ظاهر الحديث ، وأنه إنما يعذب بنوحهم ؛ لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك ، فيعذب بتفريطه في ذلك ، وبترك ما أمره الله به من قوله : " قوا أنفسكم وأهليكم نارا{[10163]} " [ التحريم : 6 ] لا بذنب غيره ، والله أعلم .

قوله تعالى : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " أي لم نترك الخلق سدى ، بل أرسلنا الرسل . وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع ، خلافا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر . وقد تقدم في البقرة القول فيه{[10164]} . والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا ، أي أن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار . وقالت فرقة : هذا عام في الدنيا والآخرة ، لقوله تعالى : " كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا " [ الملك : 8 ] . قال ابن عطية : والذي يعطيه النظر أن بعثه آدم عليه السلام بالتوحيد وبث المعتقدات في بنيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفطر توجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله ، ثم تجدد ذلك في زمن نوح عليه السلام بعد غرق الكفار . وهذه الآية أيضا يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا في الذين لم تصلهم رسالة ، وهم أهل الفترات الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم . وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ، ولا يقتضي ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف . قال المهدوي : وروي عن أبي هريرة أن الله عز وجل يبعث يوم القيامة رسولا إلى أهل الفطرة والأبكم والأخرس والأصم ، فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في الدنيا ، وتلا الآية ، رواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ، ذكره النحاس .

قلت : هذا موقوف ، وسيأتي مرفوعا في آخر سورة [ طه ] إن شاء الله تعالى ، ولا يصح . وقد استدل قوم في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام وآمنوا فلا تكليف عليهم فيما مضى ، وهذا صحيح ، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل ، والله أعلم .


[10160]:راجع ج 7 ص 155.
[10161]:راجع ج 6 ص 413.
[10162]:يبدو هنا سقط لفظ: وازرة بدليل ما بعدها.
[10163]:راجع ج 18 ص 194 وص 212.
[10164]:راجع ج 1 ص 251.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا} (15)

ولما كان ما مضى ، أنتج قطعاً معنى ما قلنا لبني إسرائيل { إن أحسنتم } الآية ، لكل أحد منهم ومن غيرهم ، وذلك قوله تعالى : { من اهتدى } فتبع الهدى { فإنما يهتدي لنفسه } لأن ثوابه لا يتعداه { ومن ضل } بالإعراض عما أنزلنا من البيان { فإنما يضل عليها } لأن عقابه عليه ، لا يتجاوزه { ولا تزر وازرة } أي أي وازرة كانت { وزر أخرى } لتخفف عنها ، بل لكل جزاء عمله لا يتعداه إلى غيره ، فنثيب من اهتدى ونعذب من ضل { وما كنا } أي على عظمتنا { معذبين } أحداً { حتى نبعث } أي بعثاً يناسب عظمتنا { رسولاً * } فمن بلغته دعوته فخالف أمره واستكبر عن اتباعه عذبناه بما يستحقه ، وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام في جميع الأمم كما قال تعالى{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً }[ النحل : 36 ] { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير }[ فاطر : 24 ] فإن دعوتهم إلى الله تعالى قد انتشرت ، وعمت الأقطار واشتهرت ، انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة }[ ص : 7 ] فإنه يفهم أنهم سمعوه في الملة الأولى فمن بلغته دعوة أحد منهم بوجه من الوجوه فقصر في البحث عنها فهو كافر مستحق للعذاب ، فلا تغتر بقول كثير من الناس في نجاة أهل الفترة مع إخبار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار ، وأن ما يدحرج الجعل خير منهم - إلى غير ذلك من الأخبار ؛ قال الإمام أبو عبد الله الحليمي أحد أجلاء الشافعية وعظماء أئمة الإسلام رضي الله عنهم في أوائل منهاجه في باب من لم تبلغه الدعوة : وإنما قلنا : إن من كان منهم عاقلاً مميزاً إذا رأى ونظر إلا أنه لا يعتقد ديناً فهو كافر ، لأنه وإن لم يكن سمع دعوة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا شك أنه سمع دعوة أحد من الأنبياء الذين كانوا قبله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كثرتهم ، وتطاول أزمان دعوتهم ، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم والذين كفروا بهم وخالفوهم ، فإن الخبر قد يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق ، وإذا سمع آية دعوة كانت إلى الله فترك أن يستدل بعقله على صحتها وهو من أهل الاستدلال والنظر ، كان بذلك معرضاً عن الدعوة فكفر - والله أعلم ، وإن أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي ولا عرف أن في العالم من يثبت إلهاً - وما نرى أن ذلك يكون - فإن كان فأمره على الاختلاف - يعني عند من يوجب الإيمان بمجرد العقل ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل . وما قاله الحليمي نقل نحوه عن الإمام الشافعي نفسه رضي الله عنه ؛ قال الزركشي في آخر باب الديات من شرحه على المنهاج : وقد أشار الشافعي إلى عسر قصور - أي عدم بلوغ - الدعوة حيث قال : وما أظن أحداً إلا بلغته الدعوة إلا أن يكون قوم من وراء النهر بكوننا ، وقال الدميري : وقال الشافعي : ولم يبق من لم تبلغه الدعوة .