( فكلي واشربي )هنيئا . ( وقري عينا )واطمئني قلبا . فأما إذا واجهت أحدا فأعلنيه بطريقة غير الكلام ، أنك نذرت للرحمن صوما عن حديث الناس وانقطعت إليه للعبادة . ولا تجيبي أحدا عن سؤال . .
ونحسبها قد دهشت طويلا ، وبهتت طويلا ، قبل أن تمد يدها إلى جذع النخلة تهزه ليساقط عليها رطبا جنيا . . ثم أفاقت فاطمأنت إلى أن الله لا يتركها . وإلى أن حجتها معها . . هذا الطفل الذي ينطق في المهد . . فيكشف عن الخارقة التي جاءت به إليها . .
أي فكلي من الجني ، واشربي من السري ، وقري عينا برؤية الولد النبي . وقرئ بفتح القاف وهي قراءة الجمهور . وحكى الطبري قراءة " وقري " بكسر القاف وهي لغة نجد . يقال : قر عينا يقر ويقر بضم القاف وكسرها وأقر الله عينه فقرت . وهو مأخوذ من القر والقرة وهما البرد . ودمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة . وضعفت فرقة هذا وقالت : الدمع كله حار ، فمعنى أقر الله عينه أي سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقر وتسكن ، وفلان قرة عيني ، أي نفسي تسكن بقربه . وقال الشيباني : " وقري عينا " معناه نامي حضها على الأكل والشرب والنوم . قال أبو عمرو : أقر الله عينه أي أنام عينه ، وأذهب سهره . و " عينا " نصب على التمييز ، كقولك : طب نفسا . والفعل في الحقيقة إنما هو للعين فنقل ذلك إلى ذي العين ، وينصب الذي كان فاعلا في الحقيقة على التفسير . ومثله طبت نفسا ، وتفقأت شحما ، وتصببت عرقا ، ومثله كثير .
قوله تعالى : { فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما } فيه ثلاث مسائل :
الأولى-قوله تعالى : " فإما ترين " الأصل في ترين ترأيين{[10820]} فحذفت الهمزة كما حذفت من ترى ونقلت فتحتها إلى الراء فصار " تريين " ثم قلبت الياء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فاجتمع ساكنان الألف المنقلبة عن الياء وياء التأنيث ، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ، فصار ترين ، ثم حذفت النون علامة للجزم ؛ لأن إن حرف شرط وما صلة فبقي تري ، ثم دخله نون التوكيد وهي مثقلة ، فكسر ياء التأنيث لالتقاء الساكنين ؛ لأن النون المثقلة بمنزلة نونين الأولى ساكنة فصار ترين وعلى هذا النحو قول ابن دريد :
إما تَرَيْ رأسي حاكَى لونُه{[10821]}
إما تري رأسي أزْرَى به{[10822]}
وإنما دخلت النون هنا بتوطئة " ما " كما يوطئ لدخولها أيضا لام القسم . وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة " ترين " بسكون الياء وفتح النون خفيفة ، قال أبو الفتح : وهى شاذة .
الثانية-قوله تعالى : " فقولي إني نذرت " هذا جواب الشرط وفيه إضمار ، أي فسألك عن ولدك " فقولي إني نذرت للرحمن صوما " أي صمتا ، قاله ابن عباس وأنس بن مالك . وفي قراءة أبي بن كعب " إني نذرت للرحمن صوما صمتا " وروي عن أنس . وعنه أيضا " وصمتا " بواو ، واختلاف اللفظين يدل على أن الحرف ذكر تفسيرا لا قرآنا ، فإذا أتت معه واو فممكن أن يكون غير الصوم . والذي تتابعت به الأخبار عن أهل الحديث ورواة اللغة أن الصوم هو الصمت ؛ لأن الصوم إمساك والصمت إمساك عن الكلام . وقيل : هو الصوم والمعروف ، وكان يلزمهم الصمت يوم الصوم إلا بالإشارة . وعلى هذا تخرج قراءة أنس " وصمتا " بواو ، وأن الصمت كان عندهم في الصوم ملتزما بالنذر ، كما أن من نذر منا المشي إلى البيت اقتضى ذلك الإحرام بالحج أو العمرة . ومعنى هذه الآية أن الله تعالى أمرها على لسان جبريل عليه السلام - أو ابنها على الخلاف المتقدم - بأن تمسك عن مخاطبة البشر ، وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها ، وتتبين الآية فيقوم عذرها . وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية ، وهو قول الجمهور . وقالت فرقة : معنى " قولي " بالإشارة لا بالكلام . الزمخشري : وفيه أن السكوت عن السفيه واجب ، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها .
الثالثة-من التزم بالنذر ألا يكلم أحدا من الآدميين فيحتمل أن يقال إنه قربة فيلزم بالنذر ، ويحتمل أن يقال : ذلك لا يجوز في شرعنا لما فيه من التضييق وتعذيب النفس ، كنذر القيام في الشمس ونحوه . وعلى هذا كان نذر الصمت في تلك الشريعة لا في شريعتنا ، وقد تقدم . وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق بالكلام . وهذا هو الصحيح لحديث أبي إسرائيل ، خرجه البخاري عن ابن عباس{[10823]} . وقال ابن زيد والسدي : كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام .
قلت : ومن سنتنا نحن في الصيام الإمساك عن الكلام القبيح ، قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ) . وقال عليه الصلاة والسلام : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) .
ولما كان من المعلوم أنها هزت{[48053]} فتساقط الرطب ، {[48054]}سبب عنه قوله{[48055]} : { فكلي } أي فتسبب عن الإنعام عليك بالماء والرطب أن يقال لك {[48056]}تمكيناً من كل منهما{[48057]} كلي من الرطب { واشربي } من ماء السرى { وقري } أي استقري { عيناً } بالنوم ، فإن المهموم لا ينام ، والعين لا تستقر ما دامت يقظى{[48058]} ، وعن الأصمعي أن المعنى : ولتبرد دمعتك ، لأن دمعة الفرح باردة ودمعة{[48059]} الحزن حارة ، واشتقاق " قري " من القرور ، وهو الماء البارد - انتهى .
وقال الإمام أبو عبد الله القزاز{[48060]} في ديوانه : وحكى الفراء أن قريشاً ومن حولهم يقولون : قررت به{[48061]} عيناً - أي بكسر العين - {[48062]}أقر ، وأن أسداً وقيساً{[48063]} وتميماً يقولون : قررت به عيناً - أي بالفتح - أقر ، قال - يعني الفراء : فمن قال : قررت - أي بالكسر - قراً ، وقرى عيناً - أي بالفتح{[48064]} ، وهي القراءة المعروفة ، ومن قال : قررت ، - أي بالفتح قراً وقري عيناً - بكسر القاف أي وهي الشاذة ، قال - أي القزاز : هي{[48065]} لغة كل{[48066]} من لقيت من أهل نجد ، والمصدر قرة{[48067]} وقرور .
وسيأتي في القصص ما ينفع هنا ، وهو على كل حال{[48068]} كناية عن طيب النفس وتأهلها{[48069]} لأن تنام {[48070]}بالكفاية في الدنيا بطعام البدن وغذاء الروح بكونه آية باهرة ، والآخرة بالكرامة{[48071]} وذلك على أنفع الوجوه ، قيل : ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل ؛ ثم سبب عن ذلك قوله مؤكداً إيذاناً بأن أكثر رؤيتها في تلك الأوقات الملائكة عليهم السلام{[48072]} { فإما ترين } أي{[48073]} يا مريم { من البشر أحداً } {[48074]}لا تشكين أنه من البشر{[48075]} ينكر عليك { فقولي } لذلك المنكر جواباً له {[48076]}مع التأكيد تنبيهاً على البراءة لأن البريء{[48077]} يكون ساكناً لاطمئنانه والمرتاب يكثر كلامه وحلفه : { إني نذرت للرحمن } أي الذي عمت رحمته فأدخلني فيها على ضعفي وخصني بما رأيت من الخوارق { صوماً } أي صمتاً ينجي من كل وصمة{[48078]} {[48079]}وإمساكاً عن الكلام{[48080]} { فلن } أي فتسبب عن النذر أني لن { أكلم اليوم إنسياً * } فإن كلامي يقبل الرد والمجادلة و{[48081]}لكن يتكلم عني المولود الذي كلامه لا يقبل الدفع ، وأما أنا {[48082]}فأنزه نفسي عن{[48083]} مجادلة السفهاء فلا أكلم إلا الملائكة أو الخالق بالتسبيح والتقديس وسائر أنواع الذكر ، {[48084]}قالوا : ومن أذل الناس سفيهاً لم يجد مسافهاً ، ومن الدلالة عليه بالصمت عن كلام الناس مع ما تقدم الإشارة إلى أنه ردع مجرد