المعنى جمعنا لك بين الشُّرب والأكل .
قال عمروُ بنُ ميمُون : ليس شيءٌ خيرٌ من الثَّمر والرُّطب ، ثم تلا هذه الآية .
وقال بعضُ العلماءِ : أكْلُ الرُّطبِ والثَّمرةِ للمرأةِ الَّتي ضربها الطَّلق يُسَهِّل عليها الولادة .
قال الرَّبيعُ بنُ خيثمٍ " ما للنُّفساءِ عندي خيرٌ من الرُّطب ، ولا للمرضِ خيرٌ من العسل{[21550]} .
قالت المعتزلةُ : هذه الأفعال الخارقةُ للعادةِ كانت معجزة لزكريَّا وغيره من الأنبياء ؛ وهذا باطلٌ ؛ لأنَّ زكريَّا -صلوات الله عليه وسلامه- ما كان له علمٌ بحالها ومكانها ، فكيف بتلك المعجزات ؟ بل الحقُّ أنها كانت كراماتٍ لمريم ، أو إرهاصاً لعيسى- صلوات الله عليهما- ، لأنَّ النَّخلة لم تكُن مثمرةً ، إذا ذاك ؛ لأن ميلادهُ كان في زمان الشتاء ، وليس ذاك وقت ثَمر .
قوله تعالى : { وَقَرِّي عَيْناً } : نصب " عًيْناً " على التمييز منقولٌ من الفاعل ؛ إذ الأصل : لتقرَّ عينُك ، والعامَّة على فتح القاف من " قَرِّي " أمراً من قرَّت عينهُ تَقَرَّ ، بكسر العين في الماضي ، وفتحها في المضارع .
وقُرئ{[21551]} بكسر القاف ، وهي لغةُ نجدٍ ؛ يقولون : قرَّت عينهُ تقرُّ ، بفتح العين في الماضي ، وكسرها في المضارع ، والمشهورُ : أن مكسور العين في الماضي ل " العَيْنِ " ، والمفتوحها في " المَكَان " يقال : قررتُ بالمكانِ اقرُّ به ، وقد يقال : قررتُ بالمكانِ بالكسر ، وسيأتي ذلك في قوله تعالى { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } [ الأحزاب : 33 ] .
أحدهما : أنَّه مأخوذٌ من " القُرّ " وهو البردُ : وذلك أنَّ العين ، إذا فرح صاحبها ، كان دمُعها قارًّا ، بارداً ، وإذا حزن ، كان حارًّا ؛ ولذلك قالوا في الدعاء عليه : " أسْخَنَ اللهُ عيْنَهُ " وفي الدعاء له : " أقر اللهُ عيْنه " وما أحلى قول أبي تمَّام -رحمه الله تعالى- : [ الطويل ]
فأمَّا عُيُونُ العاشِقينَ فأسْخِنَتْ *** وأمَّا عُيونُ الشَّامتينَ فقرَّتِ{[21552]}
والثاني : أنه مأخوذٌ من الاستقرار ، والمعنى : أعطاه الله ما يسكِّنُ عينه فلا تطمحُ إلى غيره .
المعنى : فكلي من الرطب واشربي من النهر " وقرّي عيناً " وطيبي{[21553]} نفساً ، وقدَّم الأكل على الشرب ؛ لأن حاجة النُّفساء ، إلى الرُّطب أشدُّ من احتياجها إلى شرب الماء ؛ لكثرة ما سال منها من الدَّم ، قيل : " قَرِّي عيْناً " بولدك عيسى ، وتقدَّم معناه .
فإن قيل : إن مضرَّة الخوف أشدُّ من مضرَّة الجُوع والعطشِ ؛ لأنَّ الخَوْفَ ألمُ الرُّوح ، والجُوع ألمُ البدنِ ، وألم الرُّوح أقوى من ألم البدنِ ، يروى أنَّه أجيعتْ شاةٌ ، فقُدِّم إليها علفٌ ، وعندها ذئبٌ ، فبقيت الشَّاة مدَّة مديدة لا تتناول العلف ، مع جوعها ؛ خوفاً من الذئب ، ثم كسر رجلها ، وقدم العلفُ إليها ، فتناولت العلف ، مع ألم البدن ؛ فدلَّ ذلك على أنَّ ألم الخوف أشدُّ من ألم البدنِ ، وإذا كان كذلك ، فلم قدَّم دفع ضرر الجُوع والعطش على دفع ضرر الخوف ؟ .
فالجوابُ : لأنَّ هذا الخوف كان قليلاً ؛ لأنَّ بشارة جبريل -صلوات الله عليه- كانت قد تقدَّمت ، فما كانت تحتاجُ إلى التَّذكرة مرَّة أخرى .
قوله تعالى : { فَإِمَّا تَرَيِنَّ } دخلت " إن " الشرطيةُ على " ما " الزائدةِ للتوكيد ، فأدغمتْ فيها ، وكتبتْ متَّصلة ، و " تَرَينَّ " تقدَّم تصريفه .
أي : " أن تري " ، فدخلت عليه نونُ التَّوكيد ، فكسرتِ الياءُ ، لالتقاء الساكنين .
معناه : فإمَّا ترينَّ من البشر أحداً ، فسألك عن ولدكِ والعامَّةُ على صريح الياء المكسورة ، وقرأ أبو عمروٍ في رواية " ترَئِنَّ " بهمزة مكسورة بدل الياء ، وكذلك رُوي عنه{[21554]} " لتَرؤنَّ " بإبدالِ الواو همزةً ، قال الزمخشري : " هذا من لٌغةِ من يقولُ : لبَأتُ بالحَجِّ ، وحلأتُ الَّسويقَ " -يعني بالهمز- وذلك لتآخ بين الهمز وحروف اللِّين " وتجَرَّأ ابنُ خالويه على أبي عمروٍ ؛ فقال : " هو لَحْنٌ عند أكْثَرِ النَّحويِّين " .
وقرأ أبو جعفر قارئُ المدينةِ ، وشيبةُ ، وطلحةُ{[21555]} " تَرَيْنَ " بياءٍ ساكنة ، ونون خفيفة ، قال أبن جني : " وهي شاذَّةٌ " . قال شهاب الدين : لأنَّه كان ينبغي أن يؤثِّر الجازمُ ، فيحذف نون الرفع ؛ كقُول الأفوهِ : [ السريع ]
إمَّا تَرَيْ رَأسِي أزْرَى بِهِ *** ماسُ زمانٍ ذِ انتِكاثٍ مَئُوس{[21556]}
ولم يؤُثِّر هنا شذوذاً ، وهذا نظيرُ قول الآخر : [ البسيط ]
لولا فَوارِسُ مِنْ نُعْمٍ وأسْرتِهِمْ *** يَوْمَ الصُّليْفاءِ لمْ يُوفونَ بالجَارِ{[21557]}
فلم يعمل " لَمْ " وأبقى نون الرَّفع .
و " من البشر " حالٌ من " أحَداً " لأنه لو تأخَّر ، لكان وصفاً ، وقال أبو البقاء{[21558]} : " أو مفعول " يعني متعلِّق بنفس الفعل قبله .
قوله تعالى : { فَقُولِي } بين هذا الجواب ، وشرطه جملةٌ محذوفةٌ ، تقديره : فإمَّا ترينَّ من البشر أحداً ، فسألك الكلام ، فقُولي ، وبهذا المقدَّر نخلصُ من إشكالٍ : وهو أنَّ قولها " فَلَنْ أكَلِّمَ اليومَ إنسيًّا " كلامٌ ؛ فيكون ذلك تناقضاً ؛ لأنها قد كلَّمت إنسيًّا بهذا الكلامِ ، وجوابه ما تقدَّم .
ولذلك قال بعضهم : إنَّها ما نذرتْ في الحال ، بل صبرتْ ؛ حتَّى أتاها القَوْمَ ، فذكرت لهم : { إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً } .
وقيل : المرادُ بقوله " فقٌولي " إلى آخره ، أنه بالإشارة ، وليس بشيء ؛ بل المعنى : فلن أكلِّم اليوم إنسيًّا بعد هذا الكلامِ .
وقرأ{[21559]} زيدُ بن عليٍّ " صِيَاماً " بدل " صوماً " وهما مصدران .
معنى قوله تعالى : { صَوْماً } : أي صمتاً ، وكذلك كان يقرأ ابن مسعُود -رضي الله عنه- ، والصَّوم في اللُّغة ، الإمْسَاك عن الطَّعام والكلام .
قال السديُّ : كان في بني إسرائيل{[21560]} من إذا أراد أن يجتهد ، صام عن الكلام ، كما يصوم عن الطَّعام ، فلا يتكلَّم حتَّى يُمْسِيَ .
قيل : كانت تُكَلِّمُ الملائكة ، ولا تكلِّم الإنْسَ .
قيل : أمرها الله تعالى بنذر الصَّمْت ؛ لئلاَّ تشرع مع من اتَّهَمَهَا في الكلام ؛ لمعنيين :
أحدهما : أن كلام عيسى -صلوات الله عليه- أقوى في إزالةِ التُّهمَة من كلامهما ، وفيه دلالةٌ على أنَّ تفويض{[21561]}[ الأمر ]{[21562]}إلى الأفضلِ أولى .
الثانية : كراهةُ مجادلة السُّفهاء ، وفيه أنَّ السُّكُوت عن السَّفيه واجبٌ ، ومن أذلِّ الناس سفيهٌ لم يجد مسافهاً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.