الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا} (26)

وقوله : { وقري عينا } هو من قررت بالمكان عند الشيباني{[44143]} ، أي : قري{[44144]} عينا . وقيل : هو من قررت به عيناه مشتق من القر أي : بردت عينا ، فلم تسخ{[44145]} بخروج الدمع . ولغة قريش قررت به عينا أقر وقررت بالمكان أقر .

وأهل نجد يقولون : قررت به عينا أقر{[44146]} .

ثم قال تعالى : { فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا }[ 25 ] .

أي : ( قال لها عيسى صلى الله عليه وسلم بعد قوله [ لهأي{[44147]} أنا أكفيك الكلام ، فإما ترين . . . الآية . والظاهر أن يكون هذا الأمر من الله جل ذكره لها ، والله أعلم بذلك .

فالمعنى : إن رأيت من بني آدم أحدا يسألك . فقولي : إني نذرت للرحمن صوما . أي : أوجبت على نفسي للرحمن{[44148]} صوما . أي : صمتا . قاله ابن عباس والضحاك{[44149]} .

وقال قتادة : صامت{[44150]} من الطعام والشراب والكلام{[44151]} .

وقال ابن زيد : كان في بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم ن الطعام إلا من ذكر الله عز وجل فقال لها ذلك{[44152]} .

وأصل الصوم . الإمساك ، وإنما أمرها بالصوم عن الكلام لأنه خاف عليها ألا تكون لها حجة فيما جاءت به ، فأمرها بالكف عن الكلام ليكفيها ولدها الحجة عنها .

ولا يحل لأحد أن ينذر ترك الكلام يوما . وإنما جعل الله ذلك آية لمريم خاصة{[44153]} .

وقد قيل{[44154]} : بل{[44155]} كانت ذلك اليوم صائمة عن الطعام والشراب ، فأذن لها ألا تكلم الناس ذلك اليوم{[44156]} .

روى{[44157]} يزيد الرقاشي{[44158]} أن أنس بن مالك{[44159]} قال : إذ ولد عيسى{[44160]} أصبح كل صنم يعبد من دون الله خارا على وجهه ، وأقبلت الشياطين إلى إبليس تضرب وجوهها{[44161]} لما حدث .

ومعنى ( فَقُولي ) أي : أشيري إليهم بذلك ، لأنها لو كلمتهم بذلك{[44162]} لتناقض ما عقدت على نفسها من الصمت . وهذا يدل على أن القول قد يكون غير كلام ، وهو كثير في كلام العرب .


[44143]:هو أبو عمرو الشيباني، من بني شيبان بن ثعلبة واسمه بن إياس الكوفي (ت 98 هـ). ترجمته في تذكرة الحفاظ 1/68 وغاية النهاية 1/303.
[44144]:ز: قرتي (تحريف).
[44145]:ز: يسخى.
[44146]:انظر: الكشاف 4/7.
[44147]:زيادة من ز.
[44148]:للرحمن سقطت من ز.
[44149]:انظر : جامع البيان 16/74، وتفسير القرطبي 11/97 وزاد المسير 5/225 والدر المنثور 4/269.
[44150]:ز: صامتا. تحريف.
[44151]:انظر: جامع البيان 16/74 وزاد المسير 5/225.
[44152]:ز: فقال ذلك لها. والأثر في زاد المسير 5/225 والدر المنثور 4/269 ونسبه الطبري للضحاك في جامع البيان 16/74.
[44153]:انظر: تفصيل هذه المسألة في تفسير القرطبي 11/98.
[44154]:انظر: جامع البيان 11/75.
[44155]:بل سقط من ز.
[44156]:من قوله صائمة إلى اليوم سقط من ز.
[44157]:ز: وروي.
[44158]:هو يزيد بن أبان بن عبد الله الرقاشي. بصري، يروي عن أنس بن مالك، وروى عنه أهل البصرة. وكان قاصا ولم يكن من الثقات في الحديث، انظر: ترجمته في اللباب 2/33 والضعفاء والمتروكون 400.
[44159]:انظر: بعض هذه القصة في الدر المنثور 4/265.
[44160]:ز: لما ولد تكلم الناس ذلك اليوم.
[44161]:ز: وجهها.
[44162]:بذلك سقطت من ز.