ولم أحطك في قصر فرعون ، بالرعاية والحماية وأدع أمك في بيتها للقلق والخوف . بل جمعتك بها وجمعتها بك :
( إذ تمشي أختك فتقول : هل أدلكم على من يكفله ? فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن ) . .
وكان ذلك من تدبير الله إذ جعل الطفل لا يقبل ثدي المرضعات . وفرعون وزوجه وقد تبنيا الطفل الذي ألقاه اليم بالساحل - مما لا يفصله السياق كما يفصله في موضع آخر - يبحثان له عن مرضع . فيتسامع الناس وتروح أخت موسى بإيحاء من أمها تقول لهم : هل أدلكم على من يكفله ? وتجيء لهم بأمه فيلقم ثديها . وهكذا يتم تدبير الله للطفل وأمه التي سمعت الإلهام فقذفت بفلذة كبدها في التابوت ، وقذفت بالتابوت في اليم ، فألقاه اليم بالساحل . ليأخذه عدو لله وله ، فيكون الأمن بإلقائه بين هذه المخاوف ، وتكون النجاة من فرعون الذي كان يذبح أطفال بني إسرائيل . بإلقائه بين يدي فرعون بلا حارس ولا معين !
ومنة أخرى : ( وقتلت نفسا فنجيناك من الغم ، وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى . واصطنعتك لنفسي ) . .
ذلك حين كبر وشب في قصر فرعون ، ثم نزل المدينة يوما فوجد فيها رجلين يقتتلان أحدهما إسرائيلي والآخر مصري ، فاستعانه الإسرائيلي فوكز المصري بيده فخر صريعا . ولم يكن ينوي قتله إنما كان ينوي دفعه . فامتلأت نفسه بالغم على هذه الفعلة - وهو المصنوع على عين الله منذ نشأته ؛ وتحرج ضميره وتأثم من اندفاعه . . فربه يذكره هنا بنعمته عليه ، إذ هداه إلى الاستغفار فشرح صدره بهذا ونجاه من الغم . ولم يتركه مع هذا بلا ابتلاء ليربيه ويعده لما أراد ؛ فامتحنه بالخوف والهرب من القصاص ? وامتحنه بالغربة ومفارقة الأهل والوطن ؛ وامتحنه بالخدمة ورعي الغنم ، وهو الذي تربى في قصر أعظم ملوك الأرض ، وأكثرهم نزفا ومتاعا وزينة . .
وفي الوقت المقدر . عندما نضج واستعد ، وابتلى فثبت وصبر ؛ وامتحن فجاز الامتحان . وتهيأت الظروف كذلك والأحوال في مصر ، وبلغ العذاب ببني إسرائيل مداه . .
في ذلك الوقت المقدر في علم الله جيء بموسى من أرض مدين ، وهو يظن أنه هو جاء : ( فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى ) .
قوله تعالى : " إذ تمشي أختك " العامل في " إذ تمشي " " ألقيت " أو " تصنع " . ويجوز أن يكون بدلا من " إذ أوحينا " وأخته اسمها مريم " فتقول هل أدلكم على من يكفله " وذلك أنها خرجت متعرفة خبره ، وكان موسى لما وهبه فرعون من امرأته طلبت له المراضع ، كان لا يأخذ من أحد حتى أقبلت أخته ، فأخذته ووضعته في حجرها وناولته ثديها فمصه وفرح به . فقالوا لها : تقيمين عندنا ، فقالت : إنه لا لبن لي ولكن أدلكم على من يكفله وهم له ناصحون . قالوا : ومن هي ؟ . قالت : أمي . فقالوا : لها لبن ؟ قالت : لبن أخي هارون . وكان هارون أكبر من موسى بسنة . وقيل بثلاث . وقيل بأربع . وذلك أن فرعون رحم بني إسرائيل فرفع عنهم القتل أربع سنين ، فولد هارون فيها ، قال ابن عباس : فجاءت الأم فقبل ثديها . فذلك قوله تعالى : " فرجعناك إلى أمك " وفي مصحف أبي " فرددناك " " كي تقر عينها ولا تحزن " وروى عبدالحميد عن ابن عامر " كي تَقِر عينها " بكسر القاف . قال الجوهري : وقررت به عينا وقررت به قرة وقرورا فيهما . رجل قرير العين ، وقد قرت عينه تَقِر وتَقَر نقيض سخنت . وأقر الله عينه أي : أعطاه حتى تقر فلا تطمح إلى من هو فوقه ، ويقال : حتى تبرد ولا تسخن . وللسرور دمعة باردة ، وللحزن دمعة حارة . وقد تقدم هذا المعنى في " مريم " {[11071]} . " ولا تحزن " أي على فقدك . " وقتلت نفسا " قال ابن عباس : قتل قبطيا كافرا . قال كعب : وكان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة . في صحيح مسلم : وكان قتله خطأ ، على ما يأتي . " فنجيناك من الغم " أي آمناك من الخوف والقتل والحبس . " وفتناك فتونا " أي اختبرناك اختبارا حتى صلحت للرسالة ، وقال قتادة : بلوناك بلاء . مجاهد : أخلصنا إخلاصا . وقال ابن عباس : اختبرناك بأشياء قبل الرسالة ، أولها حملته أمه في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال ، ثم إلقاؤه في اليم ، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه ، ثم جره بلحية فرعون ، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة ، فدرأ ذلك عنه قتل فرعون ، ثم قتله القبطي وخروجه خائفا يترقب ، ثم رعايته الغنم ليتدرب بها على رعاية الخلق . فيقال : إنه ند له من الغنم جدي فاتبعه أكثر النهار ، وأتعبه ، ثم أخذه فقبله وضمه إلى صدره ، وقال له أتعبتني وأتعبت نفسك ، ولم يغضب عليه . قال وهب بن منبه : ولهذا اتخذه الله كليما . وقد مضى في " النساء " {[11072]} .
قوله تعالى : " فلبثت سنين في أهل مدين " يريد عشر سنين أتم الأجلين . وقال وهب : لبث عند شعيب ثماني وعشرين سنة ، منها عشرة مهر امرأته صفورا ابنة شعيب ، وثماني عشرة أقامها عنده حتى ولد له عنده . وقوله : " ثم جئت على قدر يا موسى " قال ابن عباس وقتادة وعبد الرحمن بن كيسان : يريد موافقا للنبوة والرسالة ؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة . وقال مجاهد ومقاتل : " على قدر " على وعد . وقال محمد بن كعب : ثم جئت على القدر الذي قدرت لك أنك تجيء فيه . والمعنى واحد . أي جئت الوقت الذي أردنا إرسالك فيه . وقال الشاعر :
نالَ الخلافةَ أو كانت له قَدَرًا *** كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
ثم ذكر ظرف الصنع فقال : { إذ } {[49180]}أي حين{[49181]} { تمشي أختك } {[49182]}أي في الموضع الذي وضعوك به لينظروا لك مرضعة{[49183]} { فتقول } بعد إذ رأتك ، لآل فرعون : { هل أدلكم على من يكفله } {[49184]}أي يقوم بمصالحه من الرضاع والخدمة{[49185]} ، {[49186]}ناصحاً له ، فقالوا : نعم{[49187]} ! {[49188]}فجاءت بأمك فقبلت ثديها{[49189]} { فرجعناك } أي فتسبب عن قولها هذا أن رجعناك { إلى أمك } حين دلتهم عليها { كي تقر } {[49190]}أي تبرد وتسكن{[49191]} { عينها } وتربيك آمنة عليك غير خائفة ، ظاهرة غير مستخفية { ولا تحزن } بفراقك أو بعدم تربيتها لك{[49192]} وبذلها الجهد في نفعك { وقتلت نفساً } أي{[49193]} بعد أن صرت رجلاً من القبط دفعاً عن رجل من قومك فطلبت بها وأرادوا قتلك { فنجيناك } {[49194]}بما لنا من العظمة{[49195]} { من الغم } الذي كان قد نالك بقتله خوفاً من جريرته ، بأن أخرجناك مهاجراً لديارهم نحو مدين { وفتناك فتوناً } أي خلصناك من محنة بعد محنة مرة بعد مرة ، {[49196]}على أنه جمع فتن أو فتنة ، على ترك الاعتداد بالتاء{[49197]} ، ويجوز أن يكون مصدراً كالشكور ، إذن الفتون ولادته عام الذبح وإبقاؤه في البحر ثم منعه الرضاع من غير ثدي أمه ثم جره لحية فرعون ، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة ، ثم قتله القبطي ، ثم خروجه إلى مدين في الطريق الهيع خائفاً يترقب ، ثم إيجار نفسه عشر سنين ، ثم إضلاله الطريق ، ثم تفرق غنمه في ليلة مظلمة { فلبثت سنين } أي كثيرة { في أهل مدين } مقيماً عند نبينا شعيب عليه السلام يربيك بآدابه ، وصاهرته على ابنته { ثم جئت } أي الآن { على قدر } أي وقت قدّرته في الأزل لتكليمي لك ، وهو بلوغ الأشد والاستواء ، وإرسالك إلى فرعون لأمضي فيه قدري الذي ذبح أبناء بني اسرائيل خوفاً منه ، {[49198]}فجئت غير مستقدم ولا مستأخر{[49199]} { يا موسى *