ثم هم يستعجلون بما ينذرهم به الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] من عذاب ؛ ويحذرهم من عاقبته . والإنسان بطبعه عجول :
( خلق الإنسان من عجل . سأريكم آياتي فلا تستعجلون . ويقولون : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ! ) . .
( خلق الإنسان من عجل ) . . فالعجلة في طبعه وتكوينه . وهو يمد ببصره دائما إلى ما وراء اللحظة الحاضرة يريد ليتناوله بيده ، ويريد ليحقق كل ما يخطر له بمجرد أن يخطر بباله ، ويريد أن يستحضر كل ما يوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه . ذلك إلا أن يتصل بالله فيثبت ويطمئن ، ويكل الأمر لله فلا يتعجل قضاءه . والإيمان ثقة وصبر واطمئنان .
قوله تعالى : " خلق الإنسان من عجل " أي ركب على العجلة فخلق عجولا ، كما قال الله تعالى : " الله الذي خلقكم من ضعف{[11262]} " [ الروم : 54 ] أي خلق الإنسان ضعيفا . ويقال : خلق الإنسان من الشر أي شريرا إذا بالغت في وصفه به . ويقال : إنما أنت ذهاب ومجيء . أي ذاهب جائي . أي طبع الإنسان العجلة ، فيستعجل كثيرا من الأشياء وإن كانت مضرة . ثم قيل : المراد بالإنسان آدم عليه السلام . قال سعيد بن جبير والسدي : لما دخل الروح في عيني آدم عليه السلام نظر في ثمار الجنة ، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام ، فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه ، عجلان إلى ثمار الجنة . فذلك قوله : " خلق الإنسان من عجل " . وقيل خلق آدم يوم الجمعة . في آخر النهار ، فلما أحيا الله رأسه استعجل ، وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب الشمس ، قاله الكلبي ومجاهد وغيرهما . وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني : العجل الطين بلغة حمير . وأنشدوا :
والنخلُ ينبتُ بينَ الماء والعَجَلِ{[11263]}
وقيل : المراد بالإنسان الناس كلهم . وقيل المراد : النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار في تفسير ابن عباس ، أي لا ينبغي لمن خلق من الطين الحقير أن يستهزئ بآيات الله ورسله . وقيل : إنه من المقلوب ، أي خلق العجل من الإنسان . وهو مذهب أبي عبيدة . النحاس : وهذا القول لا ينبغي أن يجاب به في كتاب الله ؛ لأن القلب إنما يقع في الشعر اضطرارا كما{[11264]} قال :
كان الزِّنَاءُ فريضةُ الرَّجْمِ{[11265]}
ونظيره هذه الآية : " وكان الإنسان عجولا " [ الإسراء : 11 ] وقد مضى في " سبحان " {[11266]} [ الإسراء : 1 ] . " سأريكم آياتي فلا تستعجلون " هذا يقوي القول الأول ، وأن طبع الإنسان العجلة ، وأنه خلق خلقا لا يتمالك ، كما قال عليه السلام حسب ما تقدم في " الإسراء " . والمراد بالآيات ما دل على صدق محمد عليه السلام من المعجزات ، وما جعله له من العاقبة المحمودة . وقيل : ما طلبوه من العذاب ، فأرادوا الاستعجال وقالوا : " متى هذا الوعد " [ يونس : 48 ] ؟ وما علموا أن لكل شيء أجلا مضروبا . نزلت في النضر بن الحرث . وقول : " إن كان هذا هو الحق " {[11267]} [ الأنفال : 32 ] . وقال الأخفش سعيد : معنى " خلق الإنسان من عجل " أي قيل له كن فكان ، فمعنى " فلا تستعجلون " على هذا القول أنه من يقول للشيء كن فيكون ، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات .
ولما كان من آيات الأولين التي{[50904]} طلبوها العذاب بأنواع الهول ، وكانوا هم أيضاً قد طلبوا ذلك واستعجلوا به{ عجل لنا قطنا }[ ص : 26 ] ونحو ذلك ، وكان الذي جرأهم على {[50905]}هذا حلم{[50906]} الله عنهم بإمهاله لهم ، قال معللاً{[50907]} لذلك : { خلق } {[50908]}وبناه للمفعول لأن المقصود بيان ما جبل عليه والخالق معروف{[50909]} { الإنسان } {[50910]}أي هذا النوع .
ولما كان مطبوعاً على العجلة{[50911]} قال : { من عجل } فلذا يكفر ، لأنه إذا خولف بادر إلى الانتقام عند القدرة فظن بجهله أن خالقه كذلك ، وأن التأخير ما هو إلا عن عجز{[50912]} أو عن رضى ؛ ثم قال تعالى مهدداً{[50913]} للمكذبين : { سأوريكم } حقاً { ءاياتي } القاصمة والعاصمة ، {[50914]}بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن عندكم من أتباعه المستضعفين وخلافتهم بين أيديكم وجعلهم شجاً في حلوقكم حتى يتلاشى ما أنتم عليه وغيره ذلك من العظائم{[50915]} { فلا تستعجلون* } {[50916]}أي تطلبوا أن أوجد العجلة بالعذاب أو غيره{[50917]} ، فإني منزه عن العجلة التي هي من جملة نقائصكم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.