في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (31)

25

ثم يقدم لهم شخصه ورسالته مجردين عن كل زخرف وكل طلاء وكل قيمة من تلك القيم العرضية الزائفة . يقدمها لهم في معرض التذكير ، ليقرر لهم القيم الحقيقية ، ويزدري أمامهم القيم الظاهرية ، بتخليه عنها ، وتجرده منها . فمن شاء الرسالة كما هي ، بقيمها ، بدون زخرف ، بدون ادعاء ، فليتقدم إليها مجردة خالصة لله :

( ولا أقول لكم عندي خزائن الله . . )

فأدعي الثراء أو القدرة على الإثراء . . .

( ولا أعلم الغيب ) . .

فأدعي قدرة ليست للبشر أو صلة بالله غير صلة الرسالة . .

( ولا أقول : إني ملك ) . .

فأدعي صفة أعلى من صفة الإنسانية في ظنكم لأرتفع في أعينكم ، وأفضل نفسي بذاتي عليكم .

( ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا ) . .

إرضاء لكبريائكم ، أو مسايرة لتقديركم الأرضي وقيمكم العرضية .

( الله أعلم بما في أنفسهم ) . .

فليس لي إلا ظاهرهم ، وظاهرهم يدعو إلى التكريم ، وإلى الرجاء في أن يؤتيهم الله خيرا . .

إني إذن لمن الظالمين . .

إن ادعيت أية دعوى من هذه الدعاوي . الظالمين للحق وقد جئت أبلغه ؛ والظالمين لنفسي فأعرضها لغضب الله ؛ والظالمين للناس فأنزلهم غير ما أنزلهم الله .

وهكذا ينفي نوح - عليه السلام - عن نفسه وعن رسالته كل قيمة زائفة وكل هالة مصطنعة يتطلبها الملأ من قومه في الرسول والرسالة . ويتقدم إليهم بها مجردة إلا من حقيقتها العظيمة التي لا تحتاج إلى مزيد من تلك الأعراض السطحية . ويردهم في نصاعة الحق وقوته ، مع سماحة القول ووده إلى الحقيقة المجردة ليواجهوها ، ويتخذوا لأنفسهم خطة على هداها . بلا ملق ولا زيف ولا محاولة استرضاء على حساب الرسالة وحقيقتها البسيطة . فيعطي أصحاب الدعوة في أجيالها جميعا ، نموذجا للداعية ، ودرسا في مواجهة أصحاب السلطان بالحق المجرد ، دون استرضاء لتصوراتهم ، ودون ممالأة لهم ، مع المودة التي لا تنحني معها الرؤوس !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (31)

قوله تعالى : " ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب " أخبر بتذلله وتواضعه لله عز وجل ، وأنه لا يدعي ما ليس له من خزائن الله ، وهي إنعامه على من يشاء من عباده ، وأنه لا يعلم الغيب ؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل . " ولا أقول إني ملك " أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة الملائكة . وقد قالت العلماء : الفائدة في الكلام الدلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء ؛ لدوامهم على الطاعة ، واتصال عباداتهم إلى يوم القيامة ، صلوات الله عليهم أجمعين . وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة{[8666]} " . " ولا أقول للذي تزدري أعينكم " أي تستثقل وتحتقر أعينكم ، والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول الاسم . والدال مبدلة من تاء ؛ لأن الأصل في تزدري تزتري ، ولكن التاء تبدل بعد الزاي دالا ؛ لأن الزاي مجهورة والتاء مهموسة ، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها . ويقال : أزريت عليه إذا عبته . وزريت عليه إذا حقرته . وأنشد الفراء :

يباعدُه الصديق وتَزْدَرِيه*** حَلِيلَتُه ويَنْهَرُهُ الصغيرُ

" لن يؤتيهم الله خيرا " أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم ، أو ينقص ثوابهم .

قوله تعالى : " الله أعلم بما في أنفسهم " فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به . " إني إذا لمن الظالمين " أي إن قلت هذا الذي تقدم ذكره . و " إذا " ملغاة ؛ لأنها متوسطة .


[8666]:راجع ج 1 ص 189 وما بعدها.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (31)

{ ولا أقول لكم عندي خزائن الله } الآية أي : لا أدعي ما ليس لي فتنكرون قولي .

{ تزدري } أي : تحتقر من قولك : زريت الرجل إذا قصرت به ، والمراد بالذين تزدري أعينهم ضعفاء المؤمنين .

{ إني إذا لمن الظالمين } أي : إن قلت للمؤمنين لن يؤتيهم الله خيرا ، والخير هنا : يحتمل أن يريد به خير الدنيا والآخرة .