في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ} (30)

19

أما أولئك الذين يطلبون آية فلم يستشعروا طمأنينة الإيمان فهم في قلق يطلبون الخوارق والمعجزات . ولست أول رسول جاء لقومه بمثل ما جئت به حتى يكون الأمر عليهم غريبا ، فقد خلت من قبلهم الأمم وخلت من قبلهم الرسل . فإذا كفروا هم فلتمض على نهجك ولتتوكل على الله :

( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم ، لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ، وهم يكفرون بالرحمن . قل : هو ربي لا إله إلا ، هو عليه توكلت ، وإليه متاب ) . .

والعجيب أنهم يكفرون بالرحمن ، العظيم الرحمة ، الذي تطمئن القلوب بذكره ، واستشعار رحمته الكبرى . وما عليك إلا أن تتلو عليهم الذي أوحينا إليك ، فلهذا أرسلناك . فإن يكفروا فأعلن لهم أن اعتمادك على الله وحده ، وأنك تائب إليه وراجع ، لا تتجه إلى أحد سواه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ} (30)

قوله تعالى : " كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم " أي أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء من قبلك ، قاله الحسن . وقيل : شبه الإنعام على من أرسل إليه محمد عليه السلام بالإنعام على من أرسل إليه الأنبياء قبله . " لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك " يعني القرآن . " وهم يكفرون بالرحمن " قال مقاتل وابن جريج : نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصلح ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : ( اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال سهيل بن عمرو والمشركون : ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب ، اكتب باسمك اللهم ، وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : ( اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ) فقال مشركو قريش : لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك وصددناك لقد ظلمناك ، ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : دعنا نقاتلهم ، فقال : ( لا ولكن اكتب ما يريدون ) فنزلت . وقال ابن عباس : نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( اسجدوا للرحمن ){[9395]} [ الفرقان : 60 ] " قالوا وما الرحمن " فنزلت . " قل " لهم يا محمد : الذي أنكرتم . " هو ربي لا إله إلا هو " ولا معبود سواه ، هو واحد بذاته ، وإن اختلفت أسماء صفاته . " عليه توكلت " واعتمدت ووثقت . " وإليه متاب " أي مرجعي غدا ، واليوم أيضا عليه توكلت ووثقت ، رضا بقضائه ، وتسليما لأمره . وقيل : سمع أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في الحجر ويقول : ( يا الله يا رحمن ) فقال : كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين ، فنزلت هذه الآية ، ونزل . " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن{[9396]} " [ الإسراء : 110 ] .


[9395]:راجع ج 10 ص 342.
[9396]:راجع ج 13 ص 64.