والقضية الثانية هي قضية الشركاء . وقد أثيرت في الشطر الأول من السورة كذلك . وهي تثار هنا في سؤال تهكمي حين تقرن هذه الشركاء إلى الله القائم على كل نفس ، المجازي لها بما كسبت في الحياة . وتنتهي هذه الجولة بتصوير العذاب الذي ينتظر المفترين لهذه الفرية في الدنيا والعذاب الأشق في الآخرة . وفي مقابلة ما ينتظر المتقين من أمن وسلام !
( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ? وجعلوا لله شركاء . قل : سموهم . أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ? أم بظاهر من القول ? بل زين للذين كفروا مكرهم ، وصدوا عن السبيل ، ومن يضلل الله فما له من هاد . لهم عذاب في الحياة الدنيا ، ولعذاب الآخرة أشق ، وما لهم من الله من واق ) . .
( مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها . تلك عقبى الذين اتقوا . وعقبى الكافرين النار ) . .
والله سبحانه رقيب على كل نفس ، مسيطر عليها في كل حال ، عالم بما كسبت في السر والجهر . ولكن التعبير القرآني المصور يشخص الرقابة والسيطرة والعلم في صورة حسية - على طريقة القرآن - صورة ترتعد لها الفرائص :
( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) . .
فلتتصور كل نفس أن عليها حارسا قائما عليها مشرفا مراقبا يحاسبها بما كسبت . ومن ? إنه الله ! فأية نفس لا ترتعد لهذه الصورة وهي في ذاتها حق ، إنما يجسمها التعبير للإدراك البشري الذي يتأثر بالحسيات أكثر مما يتأثر بالتجريديات .
أفذلك كذلك ? ثم يجعلون لله شركاء ? ! هنا يبدو تصرفهم مستنكرا مستغربا في ظل هذا المشهد الشاخص المرهوب .
الله القائم على كل نفس بما كسبت ، لا تفلت منه ولا تروغ .
( قل : سموهم ) ! فإنهم نكرات مجهولة . وقد تكون لهم أسماء . ولكن التعبير هنا ينزلهم منزلة النكرات التي لا تعرف أسماؤها .
( أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ? ) . . يا للتهكم ! أم إنكم أنتم بشر تعلمون ما لا يعلمه الله ? فتعلمون أن هناك آلهة في الأرض ، وغاب هذا عن علم الله ? ! إنها دعوى لا يجرؤون على تصورها . ومع هذا فهم يقولونها بلسان الحال ، حين يقول الله أن ليست هناك آلهة ، فيدعون وجودها وقد نفاه الله !
تدعون وجودها بكلام سطحي ليس وراءه مدلول . وهل قضية الألوهية من التفاهة والهزل بحيث يتناولها الناس بظاهر من القول ? !
وينتهي هذا التهكم بالتقرير الجاد الفاصل :
( بل زين للذين كفروا مكرهم ، وصدوا عن السبيل ، ومن يضلل الله فما له من هاد ) . .
فالمسألة إذن أن هؤلاء كفروا وستروا أدلة الإيمان عنهم وستروا نفوسهم عن دلائل الهدى ، فحقت عليهم سنة الله ، وصورت لهم نفوسهم أنهم على صواب ، وأن مكرهم وتدبيرهم ضد الدعوة حسن وجميل ، فصدهم هذا عن السبيل الواصل المستقيم . ومن تقتضي سنة الله ضلاله لأنه سار في طريق الضلال فلن يهديه أحد ، لأن سنة الله لا تتوقف إذا حقت بأسبابها على العباد .
قوله تعالى : " أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت " ليس هذا القيام القيام الذي هو ضد القعود ، بل هو بمعنى التولي لأمور الخلق ، كما يقال : قام فلان بشغل كذا ، فإنه قائم على كل نفس بما كسبت أي يقدرها على الكسب ، ويخلقها ويرزقها ويحفظها ويجازيها على عملها ؛ فالمعنى : أنه حافظ لا يغفل ، والجواب محذوف ، والمعنى : أفمن هو حافظ لا يغفل كمن يغفل . وقيل : " أفمن هو قائم " أي عالم ، قاله الأعمش . قال الشاعر :
فلولا رجالٌ من قريشٍ أعزَّةً *** سرقتُم ثيابَ البيت واللهُ قائمُ
أي عالم ، فالله عالم بكسب كل نفس . وقيل : المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم ، عن الضحاك . " وجعلوا " حال ، أي أوقد جعلوا ، أو عطف على " استهزئ " أي استهزؤوا وجعلوا ، أي سموا " لله شركاء " يعني أصناما جعلوها آلهة . " قل سموهم " أي قل لهم يا محمد : " سموهم " أي بينوا أسماءهم ، على جهة التهديد ، أي إنما يسمون : اللات والعزى ومناة وهبل . " أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض " " أم " استفهام توبيخ ، أي أتنبئونه ، وهو على التحقيق عطف على استفهام متقدم في المعنى ؛ لأن قوله : " سموهم " معناه : ألهم أسماء الخالقين . " أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض " ؟ . وقيل : المعنى قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه . " أم بظاهر من القول " يعلمه ؟ فإن قالوا : بباطن لا يعلمه أحالوا ، وإن قالوا : بظاهر يعلمه فقل لهم : سموهم ، فإذا سموهم اللات والعزى فقل لهم : إن الله لا يعلم لنفسه شريكا . وقيل : " أم تنبئونه " عطف على قوله : " أفمن هو قائم " أي أفمن هو قائم ، أم تنبئون الله بما لا يعلم ، أي أنتم تدعون لله شريكا ، والله لا يعلم لنفسه شريكا ، أفتنبئونه بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه ! وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك في غير الأرض لأنهم ادعوا له شركاء في الأرض . ومعنى . " أم بظاهر من القول " : الذي أنزل الله على أنبيائه . وقال قتادة : معناه بباطل من القول ، ومنه قول الشاعر :
أَعَيَّرْتَنَا ألبانَها ولحومَها *** وذلك عارٌ يا ابن رَيْطَةَ ظَاهِرُ
أي باطل . وقال الضحاك : بكذب من القول . ويحتمل خامسا{[9405]} - أن يكون الظاهر من القول حجة يظهرونها بقولهم ، ويكون معنى الكلام : أتجبرونه بذلك مشاهدين ، أم تقولون محتجين . " بل زين للذين كفروا مكرهم " أي دع هذا ! بل زين للذين كفروا مكرهم قيل : استدراك . على هذا الوجه ، أي ليس لله شريك ، لكن زين للذين كفروا مكرهم . وقرأ ابن عباس ومجاهد - " بل زين للذين كفروا مكرهم " مسمى الفاعل ، وعلى قراءة الجماعة فالذي زين للكافرين مكرهم الله تعالى ، وقيل : الشيطان . ويجوز أن يسمى الكفر مكرا ؛ لأن مكرهم بالرسول كان كفرا . " وصدوا عن السبيل " أي صدهم الله ، وهي قراءة حمزة والكسائي . الباقون بالفتح ، أي صدوا غيرهم ، واختاره أبو حاتم ، اعتبارا بقوله : " ويصدون عن سبيل الله " {[9406]} [ الأنفال : 47 ] وقوله : " هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام{[9407]} " [ الفتح : 25 ] . وقراءة الضم أيضا حسنة في " زين " و " صدوا " لأنه معلوم أن الله فاعل ، ذلك في مذهب أهل السنة ، ففيه إثبات القدر ، وهو اختيار أبي عبيد . وقرأ يحيى بن وثاب وعلقمة - " وصِدوا " بكسر الصاد ، وكذلك . " هذه بضاعتنا ردت إلينا " {[9408]} [ يوسف : 65 ] بكسر الراء أيضا على ما لم يسم فاعله ، وأصلها صدِدوا ورِددت ، فلما أدغمت الدال الأولى في الثانية نقلت حركتها على ما قبلها فانكسر . " ومن يضلل الله " بخذلانه . " فما له من هاد " أي موفق ، وفي هذا إثبات قراءة الكوفيين ومن تابعهم ، لقوله : " ، ومن يضلل الله " فكذلك قوله : " وصدوا " . ومعظم القراء يقفون على الدال من غير الياء ، وكذلك " وال " و " واق " ؛ لأنك تقول في الرجل : هذا قاض ووال وهاد ، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين . وقرئ " فما له من هادي " و " والي " و " واقي " بالياء ، وهو على لغة من يقول : هذا داعي وواقي بالياء ؛ لأن حذف الياء في حالة الوصل لالتقائها مع التنوين ، وقد أمنا هذا في الوقف ، فردت الياء فصار هادي ووالي وواقي . وقال الخليل في نداء قاض : يا قاضي بإثبات الياء ؛ إذ لا تنوين مع النداء ، كما لا تنوين في نحو الداعي والمتعالي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.