ثم تجيء قصة آدم ، وقد نسي ما عهد الله به إليه ؛ وضعف أمام الإغراء بالخلود ، فاستمع لوسوسة الشيطان : وكان هذا ابتلاء من ربه له قبل أن يعهد إليه بخلافة الأرض ؛ ونموذجا من فعل إبليس يتخذ أبناء آدم منه عبرة . فلما تم الابتلاء تداركت آدم رحمة الله فاجتباه وهداه . .
والقصص القرآني يجيء في السياق متناسقا معه . وقصة آدم هنا تجيء بعد عجلة الرسول بالقرآن خوف النسيان ، فيذكر في قصة آدم نقطة النسيان . وتجيء في السورة التي تكشف عن رحمة الله ورعايته لمن يجتبيهم من عباده ، فيذكر في قصة آدم أن ربه اجتباه فتاب عليه وهداه . ثم يعقبها مشهد من مشاهد القيامة يصور عاقبة الطائعين من أبنائه وعاقبة العصاة . وكأنما هي العودة من رحلة الأرض إلى المقر الأول ليجزى كل بما قدمت يداه .
فلنتبع القصة كما جاءت في السياق :
( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ) . .
وعهد الله إلى آدم كان هو الأكل من كل الثمار سوى شجرة واحدة ، تمثل المحظور الذي لا بد منه لتربية الإرادة ، وتأكيد الشخصية ، والتحرر من رغائب النفس وشهواتها بالقدر الذي يحفظ للروح الإنسانية حرية الانطلاق من الضرورات عندما تريد ؛ فلا تستعبدها الرغائب وتقهرها . وهذا هو المقياس الذي لا يخطئ في قياس الرقي البشري . فكلما كانت النفس أقدر على ضبط رغائبها والتحكم فيها والاستعلاء عليها كانت أعلى في سلم الرقي البشري . وكلما ضعفت أمام الرغبة وتهاوت كانت أقرب إلى البهيمية وإلى المدارج الأولى .
من أجل ذلك شاءت العناية الإلهية التي ترعى هذا الكائن الإنساني أن تعده لخلافة الأرض باختبار إرادته ، وتنبيه قوة المقاومة فيه ، وفتح عينيه على ما ينتظره من صراع بين الرغائب التي يزينها الشيطان ، وإرادته وعهده للرحمن . وها هي ذي التجربة الأولى تعلن نتيجتها الأولى : ( فنسي ولم نجد له عزما )ثم تعرض تفصيلاتها :
قوله تعالى : " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي " قرأ الأعمش باختلاف عنه " فنسي " بإسكان الياء وله معنيان أحدهما : ترك ، أي ترك الأمر والعهد ، وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين ومنه " نسوا الله فنسيهم " {[11184]} . [ التوبة 67 ] . و[ وثانيهما ]{[11185]} قال ابن عباس " نسي " هنا من السهو والنسيان ، وإنما أخذ الإنسان منه لأنه عهد إليه فنسي . قال ابن زيد : نسي ما عهد الله إليه في ذلك ، ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس . وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم عليه السلام في ذلك الوقت مأخوذا بالنسيان ، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا . ومعنى " من قبل " أي من قبل أن يأكل من الشجرة ؛ لأنه نهي عنها . والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ، أي طاعة بني آدم الشيطان أمر قديم ، أي إن نقض هؤلاء العهد فان آدم أيضا عهدنا إليه فنسي ، حكاه القشيري وكذلك الطبري . أي وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي ، ويخالفوا رسلي ، ويطيعوا إبليس فقدما فعل ذلك أبوهم آدم . قال ابن عطية : وهذا التأويل ضعيف ، وذلك كون آدم مثالا للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء وآدم إنما عصى بتأويل ، ففي هذا غضاضة عليه صلى الله عليه وسلم ، وإنما الظاهر في الآية إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله ، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ألا يعجل بالقرآن ، مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي فعوقب ؛ ليكون أشد في التحذير ، وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، والعهد ها هنا معنى الوصية ، " ونسي " معناه ترك ، ونسيان الذهول لا يمكن هنا ؛ لأنه لا يتعلق بالناسي عقاب . والعزم المضي على المعتقد في أي شيء كان ، وآدم عليه السلام قد كان يعتقد ألا يأكل من الشجرة لكن لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده . والشيء الذي عهد إلى آدم هو ألا يأكل من الشجرة ، وأعلم مع ذلك أن إبليس عدو له . واختلف في معنى قوله : " ولم نجد له عزما " فقال ابن عباس وقتادة : لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة ، ومواظبة على التزام الأمر . قال النحاس وكذلك هو في اللغة ، يقال : لفلان عزم أي صبر وثبات على التحفظ من المعاصي حتى يسلم منها ، ومنه " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل{[11186]} " [ الأحقاف : 35 ] . وعن ابن عباس أيضا وعطية العوفي : حفظا لما أمر به ، أي لم يتحفظ مما نهيته حتى نسي وذهب عن علم ذلك بترك الاستدلال ، وذلك أن إبليس قال له : أي إن أكلتها خلدت في الجنة يعني عين تلك الشجرة ، فلم يطعه فدعاه إلى نظير تلك الشجرة مما دخل في عموم النهي وكان يجب أن يستدل عليه فلم يفعل ، وظن أنها لم تدخل في النهي فأكلها تأويلا ، ولا يكون ناسيا للشيء من يعلم أنه معصية . وقال ابن زيد : " عزما " محافظة على أمر الله . وقال الضحاك : عزيمة أمر . ابن كيسان : إصرارا ولا إضمارا للعود إلى الذنب . قال القشيري : والأول أقرب إلى تأويل الكلام ، ولهذا قال قومك آدم لم يكن من أولي العزم من الرسل ؛ لأن الله تعالى قال : " ولم نجد له عزما " . وقال المعظم : كان الرسل أولو العزم ، وفي الخبر " ما من نبي إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ما خلا يحيى بن زكريا " فلو خرج آدم بسبب خطيئته من جملة أولي العزم لخرج جميع الأنبياء سوى يحيى . وقد قال أبو أمامة : إن أحلام بني آدم جمعت منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة ، ووضعت في كفة ميزان ، ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم ، وقد قال الله تبارك وتعالى : " ولم نجد له عزما "
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.