في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (134)

121

ثم يأخذ في بيان صفات المتقين :

( الذين ينفقون في السراء والضراء ) . .

فهم ثابتون على البذل ، ماضون على النهج ، لا تغيرهم السراء ولا تغيرهم الضراء . السراء لا تبطرهم فتلهيهم . والضراء لا تضجرهم فتنسيهم . إنما هو الشعور بالواجب في كل حال ؛ والتحرر من الشح والحرص ؛ ومراقبة الله وتقواه . . وما يدفع النفس الشحيحة بطبعها ، المحبة للمال بفطرتها . . ما يدفع النفس إلى الإنفاق في كل حال ، إلا دافع أقوى من شهوة المال ، وربقة الحرص ، وثقلة الشح . . دافع التقوى . ذلك الشعور اللطيف العميق ، الذي تشف به الروح وتخلص ، وتنطلق من القيود والأغلال . .

ولعل للتنويه بهذه الصفة مناسبة خاصة كذلك في جو هذه المعركة . فنحن نرى الحديث عن الإنفاق يتكرر فيها ، كما نرى التنديد بالممتنعين والمانعين للبذل - كما سيأتي في السياق القرآني - مكررا كذلك . مما يشير إلى ملابسات خاصة في جو الغزوة ، وموقف بعض الفئات من الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله .

( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ) . .

كذلك تعمل التقوى في هذا الحقل ، بنفس البواعث ونفس المؤثرات . فالغيظ انفعال بشري ، تصاحبه أو تلاحقه فورة في الدم ؛ فهو إحدى دفعات التكوين البشري ، وإحدى ضروراته . وما يغلبه الإنسان إلا بتلك الشفافية اللطيفة المنبعثة من إشراق التقوى ؛ وإلا بتلك القوة الروحية المنبثقة من التطلع إلى أفق أعلى وأوسع من آفاق الذات والضرورات .

وكظم الغيظ هو المرحلة الأولى . وهي وحدها لا تكفي . فقد يكظم الإنسان غيظه ليحقد ويضطغن ؛ فيتحول الغيظ الفائر إلى إحنة غائرة ؛ ويتحول الغضب الظاهر إلى حقد دفين . . وإن الغيظ والغضب لأنظف وأطهر من الحقد والضغن . . لذلك يستمر النص ليقرر النهاية الطليقة لذلك الغيظ الكظيم في نفوس المتقين . . إنها العفو والسماحة والانطلاق . .

إن الغيظ وقر على النفس حين تكظمه ؛ وشواظ يلفح القلب ؛ ودخان يغشى الضمير . . فأما حين تصفح النفس ويعفو القلب ، فهو الانطلاق من ذلك الوقر ، والرفرفة في آفاق النور ، والبرد في القلب ، والسلام في الضمير .

( والله يحب المحسنين ) . .

والذين يجودون بالمال في السراء والضراء محسنون . والذين يجودون بالعفو والسماحة بعد الغيظ والكظم محسنون . . والله " يحب " المحسنين . . والحب هنا هو التعبير الودود الحاني المشرق المنير ، الذي يتناسق مع ذلك الجو اللطيف الوضيء الكريم . .

ومن حب الله للإحسان وللمحسنين ، ينطلق حب الإحسان في قلوب أحبائه . وتنبثق الرغبة الدافعة في هذه القلوب . . فليس هو مجرد التعبير الموحي ، ولكنها الحقيقة كذلك وراء التعبير !

والجماعة التي يحبها الله ، وتحب الله . . والتي تشيع فيها السماحة واليسر والطلاقة من الإحن والأضغان . . هي جماعة متضامة ، وجماعة متآخية ، وجماعة قوية . ومن ثم علاقة هذا التوجيه بالمعركة في الميدان والمعركة في الحياة على السواء في هذا السياق !

/خ179

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (134)

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " الذين ينفقون " هذا من صفة المتقين الذين أعدت لهم الجنة ، وظاهر الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه . و " السراء " اليسر " والضراء " العسر ، قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل . وقال عبيد بن عمير والضحاك : السراء والضراء الرخاء والشدة . ويقال في حال الصحة والمرض . وقيل : في السراء في الحياة ، وفي الضراء يعني يوصي بعد الموت . وقيل : في السراء في العرس والولائم ، وفي الضراء في النوائب والمآتم . وقيل : في السراء النفقة التي تسركم ، مثل النفقة على الأولاد والقرابات ، والضراء على الأعداء . ويقال : في السراء ما يضيف به الفتى{[3486]} ويهدى إليه . والضراء ما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم .

قلت : - والآية تعم .

قوله تعالى : " والكاظمين الغيظ " وهي المسألة :

الثانية : وكظم الغيظ رده في الجوف ، يقال : كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه ، وكظمت السقاء أي ملأته وسددت عليه ، والكِظامة ما يسد به مجرى الماء ، ومنه الكِظام للسير الذي يسد به فم الزِّق والقِربة . وكظم البعير جِرته{[3487]} إذا ردها في جوفه ، وقد يقال لحبسه الجرة قبل أن يرسلها إلى فيه : كظم ، حكاه الزجاج . يقال : كظم البعير والناقة إذا لم يجترا ، ومنه قول الراعي :

فأفضن بعد كُظُومهن بِجَرَّةٍ *** من ذي الأبارق{[3488]} إذ رَعَيْنَ حَقِيلاَ

الحقيل : موضع . والحِقيل : نبت . وقد قيل : إنها تفعل ذلك عند الفزع والجهد فلا تجتر ، قال أعشى باهلة يصف رجلا نحّارا للإبل فهي تفزع منه :

قد تكظم البُزْل{[3489]} منه حين تبصره *** حتى تقطع في أجوافها الجِرَرُ

ومنه : رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غما وحزنا . وفي التنزيل : " وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم " {[3490]} [ يوسف : 84 ] . " ظل وجهه مسودا وهو كظيم " [ النحل : 58 ] . " إذ نادى وهو مكظوم " [ القلم : 48 ] . والغيظ أصل الغضب ، وكثيرا ما يتلازمان لكن فُرقان ما بينهما ، أن الغيظ لا يظهر على الجوارح ، بخلاف الغضب فإنه يظهر في الجوارح مع فعل ما ولا بد ؛ ولهذا جاء{[3491]} إسناد الغضب إلى الله تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم . وقد فسر بعض الناس الغيظ بالغضب ، وليس بجيد . والله أعلم .

الثالثة : قوله تعالى : " والعافين عن الناس " العفو عن الناس أجل ضروب فعل الخير ؛ حيث يجوز للإنسان أن يعفو وحيث يتجه حقه . وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه . واختلف في معنى " عن الناس " ؛ فقال أبو العالية والكلبي والزجاج : " والعافين عن الناس " يريد عن المماليك . قال ابن عطية : وهذا حسن على جهة المثال ؛ إذ هم الخَدَمَة فهم يذنبون كثيرا والقدرة عليهم متيسرة ، وإنفاذ العقوبة سهل ؛ فلذلك مثل هذا المفسر به . وروي عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مَرَقَة حارة ، وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه ، فأراد ميمون أن يضربها ، فقالت الجارية : يا مولاي ، استعمل قوله تعالى : " والكاظمين الغيظ " قال لها : قد فعلت . فقالت : اعمل بما بعده " والعافين عن الناس " . فقال : قد عفوت عنك . فقالت الجارية : " والله يحب المحسنين " . قال ميمون : قد أحسنت إليك ، فأنت حرة لوجه الله تعالى . وروي عن الأحنف بن قيس مثله . وقال زيد بن سلم : " والعافين عن الناس " عن ظلمهم وإساءتهم{[3492]} . وهذا عام ، وهو ظاهر الآية . وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك : ( إن هؤلاء من أمتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت ) . فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال : " وإذا ما غضبوا هم يغفرون " {[3493]} [ الشورى : 37 ] ، وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله : " والعافين عن الناس " ، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك . ووردت في كظم الغيظ والعفو عن الناس وملك النفس عند الغضب أحاديث ، وذلك من أعظم العبادة وجهاد النفس ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( ليس الشديد بالصرعة{[3494]} ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) . وقال عليه السلام ( ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله ) . وروى أنس أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما أشد من كل شيء ؟ قال : ( غضب الله ) . قال فما ينجي من غضب الله ؟ قال : ( لا تغضب ) . قال العرجي :

وإذا غضبتَ فكن وقوراً كاظماً *** للغيظ تُبْصِرْ ما تقول وتسمعُ

فكفى به شرفا تَصبرُ ساعة *** يرضى بها عنك الإله وترفعُ

وقال عروة بن الزبير في العفو :

لن يبلغ المجدَ أقوامٌ وإن شَرُفُوا *** حتى يُذَلُّوا وإن عَزُّوا لأقوام

ويُشْتَمُوا فترى الألوان مُشرقَةً *** لا عفو ذُلٍّ ولكن عفوَ إكرام

وروى أبو داود وأبو عيسى الترمذي عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء ) قال : هذا حديث حسن غريب . وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة فيقال : من ذا الذي أجره على الله ؟ فيقوم العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب ) . ذكره الماوردي . وقال ابن المبارك : كنت عند المنصور جالسا فأمر بقتل رجل ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد بين يدي الله عز وجل من كانت له يد عند الله فليتقدم فلا يتقدم إلا من عفا عن ذنب ) ، فأمر بإطلاقه .

الرابعة : قوله تعالى : " والله يحب المحسنين " أي يثيبهم على إحسانهم . قال سري السقطي : الإحسان أن تحسن وقت الإمكان ، فليس كل وقت يمكنك الإحسان ، قال الشاعر :

بادر بخير إذا ما كنت مقتدرا *** فليس في كل وقت أنت مقتدر

وقال أبو العباس الجماني فأحسن :

ليس في كل ساعة وأوان *** تتهيأ صنائعُ الإحسان

وإذا أَمكنتَ فبادر إليها *** حَذَراً من تعذر الإمكان

وقد مضى في " البقرة " {[3495]} القول في المحسن والإحسان فلا معنى للإعادة .


[3486]:- في د، و ز: الغنى.
[3487]:- الجرة (بالكسر): ما يخرج البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلعه.
[3488]:- في ب وهـ ود: ذي الأباطح.
[3489]:- البزل (بضم فسكون): جمع بازل، وهو البعير الذي كملت قوته ودخل في التاسعة وفطر نابه.
[3490]:- راجع جـ9 ص 247 وجـ 10 ص 116 وجـ18 ص 252.
[3491]:- في د: جاز.
[3492]:- في هـ: عمن ظلمهم وأساء إليهم.
[3493]:- راجع جـ16 ص 35.
[3494]:- الصرعة (بضم الصاد وفتح الراء): المبالغ في الصراع الذي لا يغلب، فنقله إلى الذي يغلب نفسه عند الغضب ويقهرها.
[3495]:- راجع جـ1 ص 415.