في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (6)

1

فأما الصورة الثانية فهي صورة الكافرين . وهي تمثل مقومات الكفر في كل أرض وفي كل حين :

( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ، وعلى أبصارهم غشاوة ، ولهم عذاب عظيم ) . .

وهنا نجد التقابل تاما بين صورة المتقين وصورة الكافرين . . فإذا كان الكتاب بذاته هدى للمتقين ، فإن الإنذار وعدم الإنذار سواء بالقياس إلى الكافرين . إن النوافذ المفتوحة في أرواح المتقين ، والوشائج التي تربطهم بالوجود وبخالق الوجود ، وبالظاهر والباطن والغيب والحاضر . . إن هذه النوافذ المفتحة كلها هناك ، مغلقة كلها هنا . وإن الوشائج الموصولة كلها هناك ، مقطوعة كلها هنا :

( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم )

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (6)

من كان في غطاء وصفه محجوباً عن شهود حقه فالإشارة لنعته أنه سيان عنده قول من دلَّه على الحق ، وقول من أعانه على استجلاب الحظ ، بل هو إلى دواعي الغفلة أميل ، وفي الإصغاء إليها أرغب . كيف لا ؟ وهو بِكَيِّ الفرقة موسوم ، وفي سجن الغيبة محبوس ، وعن محل القربة ممنوع ، لا يحصل منهم إيمان ، لأنه ليس لهم من الحق أمان ؛ فلمَّا لم يؤمنوا لم يؤمِنوا . حكم سبق من الله حتم ، وقول له فصل ، وإن القدرة لا تُعارَض ، ومن زاحم الحق في القضية كبسته سطوات العزة ، وقَصَمتهْ بواده الحكم .

ويقال إن الكافر لا يرعوي عن ضلالتهِ لِمَا سَبَق من شقاوته ، وكذلك المربوط بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه ، فهو لا يبصر رشده ، ولا يسلك قصده . ويقال إن الذي بقي في ظلمات رعونته سواء عنده نصح المرشدين وتسويلات المُبْطِلين ، لأن الله سبحانه وتعالى نزع عن أحواله بركاتِ الإنصاف ، فلا يدرك بسمع القبول ، ولا يُصغي إلى داعي الرشاد ، كما قيل :

وعلى النصوح نصيحتي *** وعليَّ عصيان النصوح

ويقال من ضلَّ عن شهود المِنَّةِ عليه في سابق القسمة تَوَهَّمَ أن الأمر من حركاته وسَكَنَاته فاتَّكَلَ على أعماله ، وتعامى عن شهود أفضاله .