في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا} (119)

114

( وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً )

والذي صرح بنيته في إضلال فريق من أبناء آدم ، وتمنيتهم بالأمنيات الكاذبة في طريق الغواية ، من لذة كاذبة ، وسعادة موهومة ، ونجاة من الجزاء في نهاية المطاف ! كما صرح بنيته في أن يدفع بهم إلى أفعال قبيحة ، وشعائر سخيفة ، من نسج الأساطير . كتمزيق آذان بعض الأنعام ، ليصبح ركوبها بعد ذلك حراما ، أو أكلها حراما - دون أن يحرمها الله - ومن تغيير خلق الله وفطرته بقطع بعض أجزاء الجسد أو تغيير شكلها في الحيوان أو الإنسان ، كخصاء الرقيق ، ووشم الجلود . . وما إليها من التغيير والتشويه الذي حرمه الإسلام .

وشعور الإنسان بأن الشيطان - عدوه القديم - هو الذي يأمر بهذا الشرك وتوابعه من الشعائر الوثنية ، يثير في نفسه - على الأقل - الحذر من الفخ الذي نصبه العدو . وقد جعل الإسلام المعركة الرئيسية بين الإنسان والشيطان . ووجه قوى المؤمن كلها لكفاح الشيطان والشر الذي ينشئه في الأرض ؛ والوقوف تحت راية الله وحزبه ، في مواجهة الشيطان وحزبه : وهي معركة دائمة لا تضع أوزارها . لأن الشيطان لا يمل هذه الحرب التي أعلنها منذ لعنه وطرده . والمؤمن لا يغفل عنها ، ولا ينسحب منها . وهو يعلم أنه إما أن يكون وليا لله ، وإما أن يكون وليا للشيطان ؛ وليس هنالك وسط . . والشيطان يتمثل في نفسه وما يبثه في النفس من شهوات ونزوات ؛ ويتمثل في أتباعه من المشركين وأهل الشر عامة . والمسلم يكافحه في ذات نفسه ، كما يكافحه في أتباعه . . معركة واحدة متصلة طوال الحياة .

ومن يجعل الله مولاه فهو ناج غانم . ومن يجعل الشيطان مولاه فهو خاسر هالك :

( ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينًا ) . .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا} (119)

قوله : { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا } : أوقعوا على الجماداتِ تسمياتٍ ، وانخرطوا في سلك التوهم ، وركنوا إلى مغاليط الحسبان ، فَضَلُّوا عن الحقيقة .

{ وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا لَّعَنَهُ اللهُ } ، أي ما يدعون إلا إبليس الذي أبعده الحقُّ عن رحمته ، وأسحقه بِبُعده ، وما إبليس إلا مُقَلَّبٌ في القبضة على ما يريده المنشئ ، ولو كان به ذرة من الإثبات لكان به شريكاً في الإلهية . كلاَّ ، إنما يُجرِي الحقُّ - سبحانه - على الخلْقِ أحوالاً ، ويخلق عقيب وساوسه للخلق ضلالاً ، فهو الهادي والمُضِل ، وهو - سبحانه - المُصَرِّفُ للكل ، فيخلق ( . . . . ) في قلوبهم عُقَيْبَ وساوسه إليهم طول الآمال ، ويُحَسِّن في أعينهم قبيح الأعمال ، ثم لا يجعل لأمانيِّهم تحقيقاً ، ولا يعقب لما أمَّلُوه تصديقاً ، فهو تعالى مُوجِد تلك الآثار جملةً ، ويضيفها إلى الشيطان مرةً ، وإلى الكافر مرة ، وهذا معنى قوله : { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ } . . . الآية ومعنى قوله تعالى : { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ } .