في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (184)

178

ثم يثني بتقرير أن الصوم أيام معدودات ، فليس فريضة العمر وتكليف الدهر . ومع هذا فقد أعفي من أدائه المرضى حتى يصحوا ، والمسافرون حتى يقيموا ، تحقيقا وتيسيرا :

( أياما معدودات . فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) . .

وظاهر النص في المرض والسفر يطلق ولا يحدد . فأي مرض وأي سفر يسوغ الفطر ، على أن يقضي المريض حين يصح والمسافر حين يقيم . وهذا هو الأولى في فهم هذا النص القرآني المطلق ، والأقرب إلى المفهوم الإسلامي في رفع الحرج ومنع الضرر . فليست شدة المرض ولا مشقة السفر هي التي يتعلق بها الحكم إنما هي المرض والسفر إطلاقا ، لإرادة اليسر بالناس لا العسر . ونحن لا ندري حكمة الله كلها في تعليقه بمطلق المرض ومطلق السفر ؛ فقد تكون هناك اعتبارات أخرى يعلمها الله ويجهلها البشر في المرض والسفر ؛ وقد تكون هناك مشقات أخرى لا تظهر للحظتها ، أو لا تظهر للتقدير البشري . . وما دام الله لم يكشف عن علة الحكم فنحن لا نتأولها ؛ ولكن نطيع النصوص ولو خفيت علينا حكمتها . فوراءها قطعا حكمة . وليس من الضروري أن نكون نحن ندركها .

يبقى أن القول بهذا يخشى أن يحمل المترخصين على شدة الترخص ، وأن تهمل العبادات المفروضة لأدنى سبب . مما جعل الفقهاء يتشددون ويشترطون . ولكن هذا - في اعتقادي - لا يبرر التقييد فيما أطلقه النص . فالدين لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات ، إنما يقودهم بالتقوى . وغاية هذه العبادة خاصة هي التقوى . والذي يفلت من أداء الفريضة تحت ستار الرخصة لا خير فيه منذ البدء ، لأن الغاية الأولى من أداء الفريضة لا تتحقق . وهذا الدين دين الله لا دين الناس . والله أعلم بتكامل هذا الدين ، بين مواضع الترخص ومواضع التشدد ؛ وقد يكون وراء الرخصة في موضع من المصلحة ما لا يتحقق بدونها . بل لا بد أن يكون الأمر كذلك . ومن ثم أمر رسول الله [ ص ] أن يأخذ المسلمون برخص الله التي رخصها لهم . وإذا حدث أن فسد الناس في جيل من الأجيال فإن إصلاحهم لا يتأتى من طريق التشدد في الأحكام ؛ ولكن يتأتى من طريق إصلاح تربيتهم وقلوبهم واستحياء شعور التقوى في أرواحهم . وإذا صح التشدد في أحكام المعاملات عند فساد الناس كعلاج رادع ، وسد للذرائع ، فإن الأمر في الشعائر التعبدية يختلف ، إذ هي حساب بين العبد والرب ، لا تتعلق به مصالح العباد تعلقا مباشرا كأحكام المعاملات التي يراعى فيها الظاهر . والظاهر في العبادات لا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب . وإذا وجدت التقوى لم يتفلت متفلت ، ولم يستخدم الرخصة إلا حيث يرتضيها قلبه ، ويراها هي الأولى ، ويحس أن طاعة الله في أن يأخذ بها في الحالة التي يواجهها . أما تشديد الأحكام جملة في العبادات أو الميل إلى التضييق من إطلاق الرخص التي أطلقتها النصوص ، فقد ينشيء حرجا لبعض المتحرجين . في الوقت الذي لا يجدي كثيرا في تقويم المتفلتين . . والأولى على كل حال أن نأخذ الأمور بالصورة التي أرادها الله في هذا الدين . فهو أحكم منا وأعلم بما وراء رخصه وعزائمه من مصالح قريبة وبعيدة . . وهذا هو جماع القول في هذا المجال .

بقي أن نثبت هنا بعض ما روي من السنة في حالات متعددة من حالات السفر ، في بعضها كان التوجيه إلى الفطر وفي بعضها لم يقع نهي عن الصيام . . وهي بمجموعها تساعد على تصور ما كان عليه السلف الصالح من إدراك للأمر ، قبل أن تأخذ الأحكام شكل التقعيد الفقهي على أيدي الفقهاء المتأخرين . وصورة سلوك أولئك السلف - رضوان الله عليهم - املأ بالحيوية ، وألصق بروح هذا الدين وطبيعته ، من البحوث الفقهية ؛ ومن شأن الحياة معها وفي جوها أن تنشيء في القلب مذاقا حيا لهذه العقيدة وخصائصها :

1 - عن جابر - رضي الله عنه - قال : خرج رسول الله [ ص ] عام الفتح إلى مكة في رمضان ، فصام حتى بلغ " كراع الغميم " فصام الناس . ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس ، ثم شرب . فقيل له بعد ذلك : إن بعض الناس قد صام ، فقال : " أولئك العصاة . أولئك العصاة " . . [ أخرجه مسلم والترمذي ] .

2 - وعن أنس رضي الله عنه - قال : كنا مع النبي [ ص ] في سفر فمنا الصائم ومنا المفطر . فنزلنا منزلا في يوم حار ، أكثرنا ظلا صاحب الكساء ، ومنا من يتقي الشمس بيده . فسقط الصوام وقام المفطرون ، فضربوا الأبنية ، وسقوا الركاب ، فقال النبي [ ص ] " ذهب المفطرون اليوم بالأجر " . . [ أخرجه الشيخان والنسائي ] .

3 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال : كان النبي [ ص ] في سفر ، فرأى رجلا قد اجتمع عليه الناس ، وقد ظلل عليه . فقال : ما له ؟ فقالوا : رجل صائم . فقال رسول الله [ ص ] : " ليس من البر الصوم في السفر " . . [ أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والنسائي ] .

4 - وعن عمرو بن أمية الضمري - رضي الله عنه - قال : قدمت على رسول الله [ ص ] من سفر . فقال : انتظر الغداء يا أبا أمية . قلت : يا رسول الله إني صائم . قال : " إذا أخبرك عن المسافر . إنالله تعالى وضع عنه الصيام ونصف الصلاة " . [ أخرجه النسائي ] . .

5 - وعن رجل من بني عبد الله بن كعب بن مالك اسمه أنس بن مالك . قال : قال رسول الله [ ص ] " إن الله تعالى وضع شطر الصلاة عن المسافر وأرخص له في الإفطار وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما " . [ أخرجه أصحاب السنن ] .

6 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : سأل حمزة بن عمرو الأسلمي - رضي الله عنه - رسول الله [ ص ] عن الصوم في السفر . [ وكان كثير الصيام ] فقال : " إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر " . [ أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي ] وفي رواية أخرى وكان جلدا على الصوم .

7 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال : كنا مع النبي [ ص ] فمنا الصائم ومنا المفطر . فلا الصائم يعيب على المفطر ، ولا المفطر يعيب على الصائم " . . [ أخرجه مالك والشيخان وأبو داود ] .

8 - وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال : خرجنا مع رسول الله [ ص ] في رمضان في حر شديد ، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر ؛ وما فينا صائم إلا رسول الله [ ص ] وابن رواحة رضي الله عنه . . [ أخرجه الشيخان وأبو داود ] .

9 - وعن محمد بن كعب قال : أتيت أنس بن مالك - رضي الله عنه - في رمضان وهو يريد سفرا . وقد رحلت له راحلته ، ولبس ثياب سفره ، فدعا بطعام فأكل . فقلت له : سنة ؟ قال : نعم . ثم ركب . . [ أخرجه الترمذي ] .

10 - وعن عبيد بن جبير قال : كنت مع أبي بصرة الغفاري - صاحب رسول الله [ ص ] - رضي الله عنه في سفينة من الفسطاط في رمضان . فدفع فقرب غداؤه ، فقال : اقترب . قلت : ألست ترى البيوت ؟ قال : أترغب عن سنة رسول الله [ ص ] ؟ فأكل وأكلت . . [ أخرجه أبو داود ]

11 - وعن منصور الكلبي : أن دحية بن خليفة - رضي الله عنه - خرج من قرية من دمشق إلى قدر قرية عقبة من الفساط ، وذلك ثلاثة أميال ، في رمضان . فأفطر وأفطر معه ناس كثير . وكره آخرون أن يفطروا . فلما رجع إلى قريته قال : والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أن أراه . إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله [ ص ] وأصحابه . اللهم أقبضني إليك . . [ أخرجه أبو داود ] . .

فهذه الأحاديث في جملتها تشير إلى تقبل رخصة الإفطار في السفر في سماحة ويسر . وترجح الأخذ بها . ولا تشترط وقوع المشقة للأخذ بها كما يشير إلى ذلك الحديثان الأخيران بوجه خاص ، وإذا كان الحديث الثامن منها يشير إلى أن رسول الله [ ص ] وحده ظل مرة صائما مع المشقة هو وعبد الله بن رواحة ، فقد كانت له [ ص ] خصوصيات في العبادة يعفي منها أصحابه . كنهيه لهم عن مواصلة الصوم وهو كان يواصل أحيانا . أي يصل اليوم باليوم بلا فطر . فلما قالوا له في هذا ، قال : " إني لست مثلكم ، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني " . . [ أخرجه الشيخان ] وثابت من الحديث الأول أنه أفطر وقال عن الذين لم يفطروا : أولئك العصاة . أولئك العصاة . وهذا الحديث متأخر - في سنة الفتح - فهو أحدث من الأحاديث الأخرى . وأكثر دلالة على الاتجاه المختار . .

والصورة التي تنشأ في الحس من مجموع هذه الحالات . . إنه كانت هناك مراعاة لحالات واقعية ، تقتضي توجيها معينا - كما هو الشأن في الأحاديث التي تروى في الموضوع العام الواحد ، ونجد فيها توجيهات متنوعة -

فالرسول [ ص ] كان يربي وكان يواجه حالات حية . ولم يكن يواجهها بقوالب جامدة !

ولكن الانطباع الأخير في الحس في أمر الصوم في السفر هو استحباب الفطر ، دون تقيد بحصول المشقة بالفعل . . أما المرض فلم أجد فيه شيئا إلا أقوال الفقهاء ، والظاهر أنه مطلق في كل ما يثبت له وصف المرض ، بلا تحديد في نوعه وقدره ولا خوف شدته ، على وجوب القضاء يوما بيوم في المرض والسفر ، من غير موالاة في أيام القضاء على الرأي الأرجح .

وقد استطردت هذا الاستطراد لا لأخوض في خلافات فقهية ؛ ولكن لتقرير قاعدة في النظر إلى الشعائر التعبدية ، وارتباطها الوثيق بإنشاء حالة شعورية هي الغاية المقدمة منها . وهذه الحالة هي التي تحكم سلوك المتعبد ؛ وعليها الاعتماد الأول في تربية ضميره ، وحسن أدائه للعبادة وحسن سلوكه في الحياة . . هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى أن نأخذ هذا الدين - كما أراده الله - بتكاليفه كلها ، طاعة وتقوى وأن نأخذه جملة بعزائمه ورخصه ، متكاملا متناسقا ، في طمأنينة إلى الله ، ويقين بحكمته ، وشعور بتقواه .

ثم نعود إلى استكمال السياق :

( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، فمن تطوع خيرا فهو خير له ، وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) . .

وفي أول الأمر كان تكليف الصوم شاقا على المسلمين - وقد فرض في السنة الثانية من الهجرة قبيل فرض الجهاد - فجعل الله فيه رخصة لمن يستطيع الصوم بجهد - وهو مدلول يطيقونه - فالإطاقة الاحتمال بأقصى جهد - جعل الله هذه الرخصة ، وهي الفطر مع إطعام مسكين . . ثم حببهم في التطوع بإطعام المساكين إطلاقا ، إما تطوعا بغير الفدية ، وإما بالإكثار عن حد الفدية ، كأن يطعم اثنين أو ثلاثة أو أكثر بكل يوم من أيام الفطر في رمضان : ( فمن تطوع خيرا فهو خير له ) . . ثم حببهم في اختيار الصوم مع المشقة - في غير سفر ولا مرض - : ( وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) . . لما في الصوم من خير في هذه الحالة . يبدو منه لنا عنصر تربية الإرادة ، وتقوية الاحتمال ، وإيثار عبادة الله على الراحة . وكلها عناصر مطلوبة في التربية الإسلامية . كما يبدو لنا منه ما في الصوم من مزايا صحية - لغير المريض - حتى ولو أحس الصائم بالجهد .

وعلى أية حال فقد كان هذا التوجيه تمهيدا لرفع هذه الرخصة عن الصحيح المقيم وإيجاب الصيام إطلاقا . كما جاء فيما بعد . وقد بقيت للشيخ الكبير الذي يجهده الصوم ، ولا ترجى له حالة يكون فيها قادرا على القضاء . . فأخرج الإمام مالك أنه بلغه أن أنس بن مالك - رضي الله عنه - كبر حتى كان لا يقدر على الصيام فكان يفتدي . . وقال ابن عباس : ليست منسوخة ، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا . . وعن ابن أبي ليلى قال : دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل ، فقال : قال ابن عباس نزلت هذه الآية فنسخت الأولى إلا الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر . فالنسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بالآية الآتية : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه . . . ) .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (184)

{ أياما معدودات . . . }

أي أياما معينات بالعدد وهي أيام رمضان فالله لم يكن يفرض علينا صوم الدهر كله ولا أكثره تخفيفا ورحمة بالمكلفين : " ولو علم المؤمن فضل رمضان لتمنى أن يكون السنة كلها " .

{ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر }

لقد شرع الله الإفطار للمريض والمسافر على سبيل الرخصة ، وهما بالخيار إن شاءا أفطرا وإن شاءا صاما ، إلا أن أكثر الفقهاء قالوا : الصوم أفضل لمن قوي عليه .

والذي نراه أن الله تعالى قد أباح الفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر ، لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج ، والحكم الشرعي يوجد حيث توجد مظنته وينتفي حيث تنتفي ، وعلى المسلم أن يقدر حال نفسه ، فإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره ليس في الصوم معه مشقة أو عسر صام عملا بقوله تعالى : { وأن تصوموا خير لكم } . وإذا أيقن أو أغلب على ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شاقا عليه أفطر عملا بقوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . فالمسألة ترجع إلى ضمير الفرد ودينه ، واستفتاء قلبه .

والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صام في السفر وأفطر ، وخير بعض أصحابه بين الصوم والفطر .

روى الشيخان ومالك وأبو داود عن أنس ابن مالك قال : " كنا مع النبي صلى اله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر فلا الصائم يعيب على المفطر ولا المفطر يعيب على الصائم " ( 60 ) .

ومن صام وهو مريض أو مسافر فقد أدى الفريضة ، ومن أفطر وجب عليه القضاء .

وروى عن عائشة أن حمزة الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أأصوم في السفر ؟ وكان كثير الصيام ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر ، وفي رواية مسلم أنه أجابه بقوله : " هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " ( 61 ) .

وأكثر الأئمة كمالك وأبى حنيفة والشافعي على أن يصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق ، ويرى أحمد و الأوزاعي أن الفطر عملا بالرخصة .

{ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين }

والذين يطيقون الصوم هم الشيوخ والضعفاء والزمني الذين لا يجرى برء أمراضهم والعمال الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم من المناجم ، " والمجرمون الذين يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة والحبلى والمرضع إذا خافتا على ولديهما ، فكل هؤلاء يفطرون وعليهم الفدية ، وهي إطعام مسكين من أوسط ما يطعمون منه أهليهم بقدر كفايته أكلة واحدة بقدر شبع المعتدل الأكل ، عن كل يوم يفطرونه " ( 62 ) .

ومعنى " يطيقونه " يقدرون عليه ويتحملونه بمشقة وتعب ، لأن الطاقة اسم للقدرة على الشيء مع الشدة والمشقة ، والواسع اسم للقدرة على جهة السهولة .

قال الراغب : ( والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة ، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء ومنه : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به . ( البقرة : 286 ) أي ما يصعب علينا مزاولته ، وليس معناه : لا تحملنا مالا قدرة لنا به ) ( 3 ) .

والعرب لا تقول فلان أطاق الشيء إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف بحيث يتحمله بمشقة وعسر ، فلا يقال مثلا : فلان يطيق حمل نواة أو ريشة أو عشرة دراهم من حديد . وإنما يقال : هو يطيق حمل قنطار من الحديد أو حمل الأمتعة الثقيلة .

وللعلماء أقوال كثيرة في المراد بقوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } . أشهرها ثلاثة آراء .

الرأي الأول : أن هذا راجع إلى المقيم الصحيح خيره الله تعالى بين الصوم وبين الفداء وكان ذلك في بدء لإسلام ، فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم ، فرخص لهم في الإفطار ، الفدية ثم نسخ ذلك وأوجب عليهم الصوم .

ويشهد لهذا القوم ما جاء في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال :

لما نزلت هذه الآية : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } . كان من أراد أن يفطر ويفتدى ، حتى نزلت الآية فنسختها( 64 ) .

الرأي الثاني : أن قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية . . . }

ليس بمنسوخ بل هو محكم ، وأنه في شأن الشيخ الكبير الهرم والمرأة العجوز ، إذا كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أن يفطروا وأن يطعما عن كل يوم مسكينا ، وأصحاب هذا الرأي يستدلون بما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : ليست بمنسوخة ، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فعليهما أن يطعما مكان كل يوم مسكينا( 65 ) .

الرأي الثالث : أن قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } .

ليس بمنسوخ أيضا بل هو محكم وأن معنى الآية عندهم : وعلى الذين يطيقونه ، أي يقدرون على الصيام بمشقة شديدة إذا أرادوا أن يفطروا فعليهم أن يطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكينا . ( بأن يقدموا له نصف صاع من بر أو صاعا من ثمر أو شعير أو قيمة ذلك ) ، ولم يقصروا ذلك على الرجل الكبير والمرأة العجوز كما فعل أصحاب الرأي الثاني وإنما أدخلوا في حكم الذين يقدرون على الصوم بمشقة وتعب المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما وفي حكمهما ممن يشق عليهم الصوم مشقة كبيرة ، وأصحاب هذا الرأي يستدلون على ما ذهبوا إليه بمنطوق الآية ، إذ إن الوسع اسم للمقدرة على الشيء على جهة السهولة ، والطاقة اسم للمقدر عليه مع الشدة والمشقة . كما يستدلون أيضا على ما ذهبوا إليه بقراءة ( يطيقونه )( 66 ) بضم الياء الأولى وتشديد الثانية أي يتجشمونه ويتكلفونه بمشقة وتعب ، وقد انتصر بعض العلماء لهذا الرأي بناء على أن منطوق الآية يؤيده .

كما انتصر بعضهم للرأي الأول بناء على أن الأحاديث الصحيحة تسانده ، وعلى أنه هو الأقرب إلى روح الشريعة الإسلامية في التدرج في تشريع التكاليف التي فيها مشقة على الناس ، كما انتصر بعضهم للرأي الثاني الذي روى عنه أبن عباس .

{ فمن تطوع خيرا فهو خير له }

أي فمن زاد في الفدية فذلك خير له لأن الثواب عائد إليه ومنفعته له ، وهذا التطوع شامل لأصناف ثلاثة :

1- أن يزيد في الإطعام على مسكين واحد فيطعم بدل كل يوم مسكينين أو أكثر .

2- أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب .

3- أن يصوم مع الفدية .

{ وأن تصوموا خير لكم } أي وصومكم أيها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه خير لكم من الفدية لما فيها من رياضة الجسد والنفس ومراقبة الله .

{ إن كنتم تعلمون }

وجه الخيرية فيه وكونه لمصلحة المكلفين ، لأن الله غني عن العالمين ، وما روى من قوله عليه الصلاة والسلام : " ليس من البر الصوم في السفر " فقد خصص بمن يجهده الصوم ويشق عليه حتى يخاف الهلاك ،

شهر رمضان

ورد في هذه النبوة أنه " إذا جاء شهر رمضان ، فتحت أبواب الجنان ، وغلقت أبواب النيران ، ونادى منادي من قبل الله تعالى : يا طالب الخير أقبل ، ويا باغي الشر أدبر " ( 67 ) .

وقد أختص الله شهر رمضان بعدد من الفضائل والمزايا يمكن أن نذكر عشرا منها :

1 . فهو شهر أنزل الله فيه القرآن ، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .

2 . وهو شهر الصوم وفي الصيام صفاء النفس ، وخشوع القلب ومراقبة الله سبحانه تعالى

3 . وهو شهر الصبر والاحتمال وتربية الإرادة ، وخلق عادات إسلامية سليمة .

4 . وهو شهر الصدقة ، وصلة الرحم ، ففيه الفطرة طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين . وفي الحديث : " كان صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل " .

5 . وفي السابع عشر من رمضان في العام الثاني للهجرة كانت غزوة بدر الكبرى ، وهي أول معركة هامة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، وكان انتصار المسلمين فيها نقطة تحول أساسية بدأت قوة المسلمين بعدها في النمو والازدياد .

6 . وفي 20 من رمضان سنة8ه تم فتح مكة وخضعت أم القرى ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، ويعتبر فتح مكة من أهم الأمور التي اعتز بها الإسلام وتمكن بسببها من الصمود والانتشار .

7 . وفي رمضان ليلة القدر ، وهي ليلة مباركة يضاعف فيها الله الثواب ، ويجعل ثواب العبادة فيها خيرا من ثواب العبادة في ألف شهر ، فهي منحة إلهية ومكافأة ربانية وعطاء سماوي يكفأ به الصائمون المخلصون ، وقد أخفى الله ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان حتى يجتهد المسلمون في أواخره فيحصلوا على قدر كبير من الثواب والأجر .

8 . وفي شهر رمضان صلاة التراويح وهي عبارة عن صلاة عشرين ركعة بعد صلاة العشاء ويجوز أن تصلى ثمانية ركعات مع إطالة القراءة .

9 . وفي ختام رمضان يأتي عيد الفطر مكافأة للصائم الذي أرضى به وصام نهار رمضان وقام ليله فيكون الفرح والسرور في عيد الفطر جزاء عاجلا ، وله في الآخرة ثواب آجل

10 . وفي أعقاب رمضان يأتي صيام الأيام البيض . وهي ستة أيام من شهر شوال ، بمثابة مسك الختام لصيام رمضان .

وفي الحديث : " من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام السنة كلها " ( 68 ) . وقد ورد ذكر شهر رمضان في القرآن الكريم مرة واحدة في الآية 185 من سورة البقرة .

***

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (184)

وقوله ( أياما معدودات ) ( أياما ) مفعول به ثان للفعل المبني للمجهول ( كتب ) وقيل : منصوب على الظرفية الزمانية . أما الأيام المعدودات فالمراد بها شهر رمضان . وقيل هي الثلاثة أيام من كل شهر . والقول الأول الراجح .

وقوله : ( فمن كان منكم مريضا أو على صفر فعدة من أيام أخر ) .

اختلفت كلمة العلماء في تحديد مستوى المرض الذي يرخص معه للمريض أن يفطر . فقد قال جمهور من أهل العلم : إذا كان المرض مؤلما ومؤذيا ويخشى تماديه وازدياده جاز للمريض أن يفطر .

وذهب الإمام مالك إلى أن المرض الذي يشق على الإنسان ويرهقه عسرا فإنه يُباح معه للمريض بموجب هذا الوصف أن يفطر .

وقال الشافعي : إنه ليس للمريض أن يفطر إلا إذا ألمت به ضرورة تضطره إلى ترك الصيام ، فإن كان كذلك أبيح للمريض أن يفطر ، لكنه إذا كان في مقدوره أن يحتمل الضرورة فليس له أن يفطر . وفي تقديري أن هذا القول لا يخلو من إعنات وتعسير ترفضهما شريعتنا السمحة .

وقال ابن سيرين : متى كان الإنسان في حال يستحق معها اسم المرض فقد جاز له أن يفطر ، وذلك قياسا على المسافر لعلة السفر .

وفي ضوء هذه الأقوال التفصيلية يمكن أن نتصور المرض بالنسبة لرخصة الإفطار أو عدمها على أربعة ضروب .

الضرب الأول : وهو المرض الشديد الذي لا يطاق والذي يؤدي فيه الصوم إلى الهلاك غالبا ، فإنه في مثل هذا الحال يصبح الإفطار بالنسبة للمريض واجبا ، وليس له إذن أن يصوم مخافة أن يهلك ؛ لقوله تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) .

الضرب الثاني : وهو المرض الذي لا يحتمله الصائم إلا بضرر محقق أو بمشقة عسيرة مؤذية والصوم وإن كان لا يخلو من مشقة ، لكنه ليس الأصل فيه أن يحتمل إعناتا وتعسيرا ؛ لما في ذلك من حرج . ومن أصول الشريعة أن الحرج مرفوع ؛ لقوله سبحانه : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) والمريض في مثل هذه الحال يستحب له أن يفطر . وذلك على سبيل الندب لا الإيجاب . وبذلك فإن الإفطار في حق المريض في الحال الأول واجب ، لكنه في حقه في الحال الثاني مندوب ندبا .

الضرب الثالث : مريض لا يخلو من ألم أو إيجاع ، لكنه يحتمله دون أن يلحق به ضرر أو عنت . وفي مثل هذا فإن المريض مباح له الإفطار ، فلا الإفطار واجب ولا هو مستحب استحبابا كالحكمين السابقين ، ولكنه لا يتجاوز حد الإباحة التي يستوي فيها الحكم بين الفعل وتركه .

الضرب الرابع : أن يكون المرض هينا يسيرا عابرا كنوبة من صداع بسيط أو حمى خفيفة تمر الإنسان ، فلا ترهقه عسرا ، ولا تؤثر في عافيته إذا صام أدنى تأثير ، وفي مثل هذا المرض الهين اليسير خير للمرء أن يصوم . أو أن الصوم في حقه في هذه الحال أفضل . والله تعالى أعلم{[217]} .

وقوله : ( أو على سفر ) للعلماء في مسألة السفر اختلاف وتفصيل . مع أنهم أجمعوا على رخصة الإفطار في سفر الطاعات كالحج والجهاد وصلة الرحم وطلب الرزق للعيش ، أما سفر المباحات كالتجارة والنكاح فهو موضع خلاف ، لكن الراجح جواز الإفطار ، وأما سفر المعصية كالسرقة وقطع الطريق والزنا فمختلف فيه كذلك مع أن الراجح عدم جواز الرخصة بالإفطار فيه .

أما مسافة السفر التي يباح فيها الإفطار فهي موضع خلاف كذلك . فقد ذكر عن الإمام مالك أنها يوم وليلة ، وهي عند الشافعي مقدرة بيومين ، وذكر عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس والثوري أنها ثلاثة أيام ، وقيل غير ذلك{[218]} .

هل يجوز للمسافر أن يبيت النية بالإفطار ؟

اتفق العلماء على أنه ليس له أن يبيت النية بالفطر . وتوجيه ذلك أن المسافر لا يكون أصلا مسافرا بالنية ، بل يكون مسافرا بالممارسة الفعلية وهي السفر نفسه ، وذلك بخلاف المقيم فإنه تتحقق إقامته بمجرد النية ولا يفتقر ذلك إلى عمل . فالمقيم إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحال .

أما الذي يأمل أن يكون مسافرا فإنه لا يجوز له أن يفطر اعتمادا على مجرد الأمل بالسفر ، لكنه إن نهض للسفر فعلا بعد الأمل جاز له الإفطار ؛ لوجود الممارسة الفعلية وهي اسلفر .

وإن أفطر اعتمادا على مجرد الأمل بالسفر ، فذلك موضع خلاف وتفصيل للفقهاء لا مجال لذكره هنا{[219]} .

وثمة خلاف آخر بين الفقهاء في أيهما أفضل في السفر الإفطار أم الصوم ؟

فقد ذهب الجمهور منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل في السفر لمن يقوى على ذلك ، ولا يشق عليه كثيرا . أما إن خشي الضرر والمشقة الكبيرة فالإفطار أفضل . وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل : إن الفطر أفضل : عملا بالرخصة المشروعة ، كما جاء في الحديث : " إن الله يحب أن تؤتى عزائمه " وبقوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) . وقال آخرون إن المسافر مخير بين الصوم والإفطار ، فهما بذلك من حيث الحكم سيان في حقه ؛ وذلك لحديث أنس –رضي الله عنه- قال : سافرنا مع النبي ( ص ) في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم .

وذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوب الإفطار للمسافر في رمضان . وقد احتجوا في ذلك بقوله تعالى : ( فعدة من أيام أخر ) فهم يقولون : إن ذلك يفيد الوجوب للإفطار في السفر ثم يقضي بدلا منه لعدة أيام أخر خارج رمضان . واحتجوا كذلك بالحديث : " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " وكذلك بقوله ( ص ) : " ليس من البر أن تصوموا في السفر ، وعليكم برخصة الله لكم فاقبلوا " .

وفي تقديرنا أن قول الجمهور هو الراجح ؛ وذلك لما يعززه من أدلة واضحة مستفيضة . وهي أدلة بعيدة الاحتمال ، وجليّة من حيث الاستدلال ، لكن ما استدل به الآخرون من أدلة ، فهي غالبا ما ترد واقعة معينة لا تشبهها الوقائع الأخرى ، أو أن الدليل ربما جاء مطابقا لموقف دون غيره من المواقف المتعددة الناجمة أثناء السفر ، وذلك تبعا لمستوى الضيق والمشقة اللذين يكونان في السفر{[220]} .

وقوله : ( فعدة من أيام أخر ) عدة خبر مرفوع لمبتدأ محذوف تقديره الواجب أو الحكم . والعادة بمعنى المعدود . و ( أخر ) صفة الأيام . وهي معدولة عن آخر . وقيل : جمع أخرى ، كأنه أيام أخر ثم كثرت فقيل : أيام أخر . وقيل غير ذلك{[221]} . والمعنى أن من أفطر يوما أو بعض أيام أو أفطر الشهر كله لعذر من سفر أو مرض فعليه أن يقضي بدلا من ذلك في غير رمضان حتى يؤدي المعذور ما في ذمته من حق لله بما يعدل الأيام التي أفطرها في رمضان .

وإذا أفطر المرء في رمضان لعلة من مرض ثم مات في مرضه أو كان مسافرا فمات أثناء السفر ، فما من شيء عليه وتبرأ بذلك ذمته ، وذلك قول الجمهور . وذهب آخرون إلى أن المريض يموت من مرضه في رمضان ، فإنه يجب الإطعام عنه مقابل أيامه التي أفطر فيها .

وثمة خلاف في الذي يموت وعليه صوم من رمضان لم يقضه ، فهل لأحد أن يصوم أو يطعن عنه ؟ فقد ذهب مالك والشافعي والثوري إلى أنه ليس لأحد أن يصوم عن أحد . استنادا إلى قوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وقوله سبحانه : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) وكذلك ما روي عن النبي ( ص ) : " لا يصلي أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدّاً من حنطة " .

وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثر والليث وأهل الظاهر إلى أنه يجوز أن يصام عنه ، لكنهم خصصوا ذلك بالنذر . فإن كان قد نذر صوما ثم مات ولم يصم جاز أن يصام عنه ، أما صوم رمضان فلا . وقد استدل هؤلاء على ذلك بما روي عن ابن عباس قال : جاءت امرأة إلى رسول الله ( ص ) فقالت : يا رسول الله ! إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر . أفأصوم عنها ؟ قال " أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته ، أكان يؤدي ذلك عنها " قالت : نعم . قال : " فصومي عن أمك " .

وثمة قول ثالث لآخرين أجازوا فيه أن يصام عنه بإطلاق ، سواء كان ذلك في رمضان أو في النذر ، احتجاجا بما روي عن الرسول ( ص ) : " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " .

وفي تقديرينا أن هذا الاحتجاج عام في الصوم كله إلا أنه مخصص بحديث النذر الذي رواه ابن عباس في المرأة التي جاءت تسأل النبي ( ص ) عن أمها التي ماتت وعليها صوم نذر . ويمكن القول كذلك أن حديث النذر مخصص ؛ لعموم الحديث : " لا يصوم أحد عن أحد " أو أن هذا الحديث متعلق بصوم رمضان .

أما في الإطعام عن الذي مات ولم يصم فقد ذهب إلى جوازه أحمد وإسحاق استدلالا بقوله ( ص ) في الحديث السابق : " ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة " {[222]}

وقوله تعالى : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) ( وعلى الذين ) في محل رفع خبر مقدم ( يطيقونه ) جملة فعلية تتألف من فعل وفاعل ومفعول به ، وهي صلة الموصول لا محل لها من الإعراب وتعني يحتملونه أو يقدرون عليه . ( فدية ) مبتدأ مؤخر مرفوع ( طعام ) بدل من فدية ( مسكين ) مجرور على الإضافة .

وهذه الآية قد جاء في تفسيرها عدة أقوال مختلفة ، لكننا نستخلص منها ما نراه أصوب وهو قول ابن عباس : نزلت هذه الآية رخصة للشيوخ والعجزة خاصة وذلك إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ، أي يقدرون عليه دون أذية أو ضرر يقع عليهم ، ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فزالت الرخصة عن هؤلاء الشيوخ والعجزة ، إلا لمن عجز منهم عن الصوم إن كان معذورا . وعلى العموم فقد جاء في تفسير هذه الآية عدة أقوال مختلفة يمكن أن نوجزها في الأقوال الثلاثة التالية :

القول الأول : لما شُرع صيام رمضان شق ذلك على الناس ، فصام فيهم من صام وأفطر من أفطر ، فكان من أفطر أطعم عن كل يوم مسكينا بدل إفطاره . وكان قد رخص لهم في ذلك حتى نسخت هذه الآية بالآية بعدها : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) .

القول الثاني : وهو مروي عن ابن عباس ، وهو أن هذه الآية نزلت رخصة للشيوخ والعجزة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ، ثم نسخت هذه الآية بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فزالت الرخصة بالإفطار بعد النسخ إلا لمن كان عاجزا لا يقوى على الصوم . وذلك القول المعتمد كما بينا .

القول الثالث : وهو مروي عن ابن عباس أيضا وابن مسعود وآخرين من علماء السلف ، وهو أن هذه الآية ليست منسوخة ولكنها نزلت في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة الذين لا يستطيعان الصوم فيطعمان بدلا عن كل يوم يفطران فيه مسكينا . فقد ذكر عن أنس- رضي الله عنه- أنه بعدما كبر أطعم عاما أو عامين عن كل يوم مسكينا خبزا ولحما وأفطر . وذكر عنه أيضا لما ضعف عن الصوم صنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم . وفي قول آخر وهو أن ثمة " لا نافية " مقدرة . وتقدير الكلام هكذا " وعلى الذين لا يطيقونه فدية طعام مسكين " وهذا القول وإن كان يعنيه القول الثالث ، إلا أنه قول بغير دليل .

ويمكن أن يلحق بالشيوخ والعجزة كل من المرأة الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما من جراء الصيام ، فلهما بذلك أن تفطرا وتطعما فدية بقدر ما أفطرتا . كذلك الذي يكون في ساحة الجهاد فإن الإفطار في حقه واجب ؛ وذلك لئلا يضعف بالصوم عن فريضة الجهاد فيميل العدو على المسلمين ميلة واحدة{[223]} .

أما غير هؤلاء المعذورين من النار فليس لهم إلا أن يصوموا .

وقوله : ( فمن تطوع خيرا فهو خير له ) نختار في تسفيرها ما قاله ابن عباس وهو أن الذي يبتغي الإفطار من الشيوخ والعجزة وقدم بدلا من ذلك فدية من طعام لمسكين ، فإنه من الخير له أن يقدم فدية أخرى لمسكين آخر . وقيل : المراد ، من تطوع خيرا فصام مع الفدية . وقيل : من تطوع خيرا فزاد المسكين على قدر طعامه{[224]} .

وقوله : ( وأن تصوموا كخير لكم إن كنتم تعلمون ) هؤلاء الذين يتجشمون الصيام وهم يقدرون عليه والذين أبيح لهم أني فطروا ويقدموا عن كل يوم فدية- إن هؤلاء خير لهم أن يصوموا بدلا من الإفطار والإطعام . كان ذلك قبل ورود النسخ بقوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) والمراد على الجملة التحضيض على الصوم ، فإنه خير من الإفطار مع الفدية . والمصدر من جملة أن تصوموا في محل رفع مبتدأ . ( خير ) خبر مرفوع .


[217]:- بداية المجتهد جـ 1 ص 252 والكشاف جـ 1 ص 335 وتفسير القرطبي جـ 2 ص 276.
[218]:- بداية المجتهد جـ 1 ص 251، والمغني جـ 3 ص 149 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 214.
[219]:تفسير القرطبي جـ 2 ص 278.
[220]:- بداية المجنهد جـ 1 ص 251 والمغني جـ 3 ص 150.
[221]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 143.
[222]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 285.
[223]:- المغني جـ 3 ص 139-140 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 215 وتفسير الطبري جـ 2 ص 79- 81
[224]:- تفسير الطبري جـ 2 ص 83 ، 84 والكشاف جـ 1 ص 335.