في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (12)

وبمناسبة الحديث عن استعجال الشر يعرض صورة بشرية للإنسان عندما يمسه الضر ، تكشف عن التناقض في طبيعة هذا الإنسان الذي يستعجل الشر وهو يشفق من مس الضر ، فإذا كشف عنه عاد إلى ما كان فيه :

( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ؛ فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه . كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) . .

إنها صورة مبدعة لنموذج بشري مكرور . . وإن الإنسان ليظل مدفوعا مع تيار الحياة ، يخطئ ويذنب ويطغى ويسرف ، والصحة موفورة ، والظروف مواتية . وليس - إلا من عصم الله ورحم - من يتذكر في إبان قوته وقدرته أن هناك ضعفا وأن هناك عجزا . وساعات الرخاء تنسي ، والإحساس بالغنى يطغي . . ثم يمسه الضر فإذا هو جزوع هلوع ، وإذا هو كثير الدعاء ، عريض الرجاء ، ضيق بالشدة مستعجل للرخاء . فإذا استجيب الدعاء وكشف الضر انطلق لا يعقب ولا يفكر ولا يتدبر . انطلق إلى ما كان فيه من قبل من اندفاع واستهتار .

والسياق ينسق خطوات التعبير وإيقاعه مع الحالة النفسية التي يصورها ، والنموذج البشري الذي يعرضه . فيصور منظر الضر في بطء وتلبث وتطويل :

( دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً ) . .

يعرض كل حالة وكل وضع وكل منظر ، ليصور وقفة هذا الإنسان وقد توقف التيار الدافع في جسمه أو في ماله أو في قوته كما يتوقف التيار أمام السد ، فيقف أو يرتد . حتى إذا رفع الحاجز( مر )كلمة واحدة تصور الاندفاع والمروق والانطلاق . ( مر )لا يتوقف .

ليشكر ، ولا يلتفت ليتدبر ، ولا يتأمل ليعتبر :

( مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) . .

واندفع مع تيار الحياة دون كابح ولا زاجر ولا مبالاة !

وبمثل هذه الطبيعة . طبيعة التذكر فقط عند الضر ، حتى إذا ارتفع انطلق ومر . بمثل هذه الطبيعة استمر المسرفون في إسرافهم ، لا يحسون ما فيه من تجاوز للحدود :

كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (12)

المفردات :

وإذا مس الإنسان الضر : وإذا أصابه أي ضرر .

دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما : تضرع إليها وهو مضطجع على جنبه أو دعانا قاعدا أو قائما ، طالبا إزالته عنه .

مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه : أي : مضى واستمر على ما كان عليه قبل البلاء من التكذيب ، كأنه يلجأ إلينا لإزالة ما أصابه .

زين للمسرفين ما كانوا يعملون : حسن للمتجاوزين الحد في ارتكاب القبائح ما عملوه منها .

التفسير :

12 { وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا . . . }

من طبيعة الإنسان أن يلجأ إلى الله تعالى في البأساء ، وأن ينسى ذلك في النعماء ؛ فمن الناس من إذا نزل به الضر ؛ فزع إلى ربه داعيا راجيا .

قال تعالى : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا } . ( الإسراء : 83 ) .

قال سبحانه : { وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } . ( فصلت : 51 ) .

والآية مع كونها تتناول الكافر تناولا أوليا ، فإنها تشمل كذلك المؤمن العاصي ، فهو في حالة المرض والفقر والخطر يدعو ربه ، صارخا مستغيثا متبتلا راجيا فضله ، متبتلا بذكره ، طارقا باب مولاه بالليل والنهار ، في النوم ، واليقظة والجلوس والقعود ، وفي جميع الحالات .

{ دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما } .

أي : دعا الله تعالى حالة كونه مضطجعا لجنبه أو قاعدا أو قائما وفي جميع أحواله ؛ لأن فائدة الترديد في القعود والقيام والرقاد ؛ تعميم الدعاء لجميع الأحوال .

قال الزمخشري : معناه : أن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء ؛ حتى يزول عنه الضر ، فهو يدعونا في حالاته كلها ، سواء أكان منبطحا عاجزا عن النهوض ، أم كان قاعدا لا يقدر على القيام ، أم كان قائما لا يطيق المشي ، ويجوز أن يراد : أن من المضرورين من هو أشد حالا ، وهو صاحب الفراش ، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود ، ومنهم المستطيع للقيام ، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء ، واستدفاع البلاء ؛ لأن الإنسان للجنس . viii

{ فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه } .

فلما كشف الله كربه ، وأزاح عنه الضر والبلاء ؛ اندفع في غمار الحياة ، ناسيا ما كان فيه من ضر وبلاء ، غارقا في بحار الغفلة كأنه لم يكن متلهفا ، متبتلا ، راجيا ، دعيا ، مستغيثا في وقت البلاء ، كثير الدعاء والرجاء .

قال الشوكاني : وهذه الحالة تتفق لكثير من المسلمين ؛ تلين ألسنتهم بالدعاء عند نزول ما يكرهون بهم ، فإذا كشفه الله غفلوا ، وذهلوا عما يجب عليهم من شكر النعمة على إجابة دعائهم ، ورفع الضر ودفع المكروه . ix

{ كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } .

زين لهم الإعراض عن الدعاء ، والغفلة عن الشكر ، والاشتغال بالشهوات ، والجدير بالمسلمين أن يلجئوا إلى الله في السراء أيضا ؛ فإن ذلك أرجى للإجابة في الضراء .

روى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تعرف إلى الله في الرخاء ؛ يعرفك في الشدة ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (12)

ولما بين تعالى أن دأبهم استعجالهم بالخير ، وكان منه استكشاف الضر ، بينَ أن حالهم عنده الاعتراف ، وشكرهم على النجاة منه الإنكار فدأبهم الطغيان والعمه{[37690]} ، وذلك في غاية المنافاة لما يدعونه من رجاحة العقول وأصالة الآراء وسلامة الطباع ، فالحاصل أن الإنسان عند البلاء غير صابر ، وعند الرجاء غير شاكر ، فكأنه قيل : فإذا مس الإنسان منهم الخير كان في غفلة بالفرح والأشر والمرح { وإذا مسَّ الإنسان } منهم { الضر } وإن كان من جهة يتوقعها لطغيان هو فيه ولا ينزع عنه خوفاً مما يتوقعه من حلول الضر لشدة طغيانه وجهله{[37691]} { دعانا } مخلصاً معترفاً بحقنا عالماً بما لنا من كمال العظمة عاملاً بذلك معرضاً عما ادعاه شريكاً لنا كائناً { لجنبه } أي مضطجعاً حال إرادته للراحة ، وكأنه عبر باللام إشارة إلى أن ذلك أسر{[37692]} أحواله إليه { أو قاعداً } أي متوسطاً{[37693]} في أحواله{[37694]} { أو قآئماً } أي في غاية السعي في مهماته ، لا يشغله عن ذلك شيء في حال من الأحوال ، بل يكون ظرف المس بالضر ظرف الدعاء بالكشف{[37695]} ، ويجوز أن يكون عبر بالأحوال الثلاثة عن مراتب الضر ، وقال : لجنبه ، إشارة إلى استحكام الضر وغلبته بحيث لا يستطيع جلوساً كما يقال : فلان لما به ، وأشار بالفاء إلى قرب زمن الكشف فقال : { فلما كشفنا } أي بما لنا من العظمة { عنه ضره } أي{[37696]} الذي دعانا لأجله { مرّ } أي في كل{[37697]} ما يريده لاهياً عنا بكل اعتبار { كأن } أي كأنه { لم يدعنآ } أي على ما كان يعترف به وقت الدعاء من عظمتنا ؛ ولما كان المدعو يأتي إلى الداعي فيعمل ما دعاه لأجله قال : { إلى } أي كشف { ضر مسه } أي كأن لم يكن له بنا معرفة أصلاً فضلاً عن أن يعترف بأنا نحن كشفنا عنه ضره ، فهذه الآية{[37698]} في بيان ضعف الإنسان وسوء عبوديته ، و{[37699]} التي قبلها في بيان قدرة الله وحسن ربوبيته ؛ والمسُ : لقاء من غير فصل ؛ والدعاء : طلب الفعل من القادر عليه ؛ والضر : إيجاب الألم بفعله أو السبب المؤدي إليه .

ولما كان هذا من فعل الإنسان من أعجب العجب . كان كأنه قيل :لم يفعل ذلك ؟ فقيل : لما{[37700]} يزين له من {[37701]}الأمور التي يقع{[37702]} بها الاستدراج{[37703]} لإسرافه . وهذا دأبنا أبداً { كذلك } أي مثل هذا التزيين العظيم الرتبة ؛ ولما كان الضار مطلق التزيين ، بنى للمفعول قوله : { زين للمسرفين } أي كلهم العريقين{[37704]} في هذا الوصف { ما كانوا } أي بجبلاتهم { يعملون } أي يقبلون عليه على سبيل التجديد والاستمرار من المعصية بالكفر وغيره مع ظهور فساده ووضوح ضرره ؛ والإسراف : الإكثار من الخروج عن العدل .


[37690]:زيد من ظ.
[37691]:زيد من ظ.
[37692]:من ظ، وفي الأصل: أحد.
[37693]:من ظ، وفي الأصل: متوطنا.
[37694]:زيد من ظ.
[37695]:زيد من ظ.
[37696]:زيد من ظ.
[37697]:سقط من ظ.
[37698]:سقط من ظ.
[37699]:سقط من ظ.
[37700]:في ظ: ما.
[37701]:سقط من ظ.
[37702]:من ظ، وفي الأصل: تقع.
[37703]:في ظ: الاستدراع.
[37704]:في ظ: العريقون.