ثم نرقي إلى أفق آخر من آفاق الإعجاز في التصوير والأداء والتنسيق . فلقد كنا منذ لحظة مع الجبارين المعاندين . ولقد خاب كل جبار عنيد . وكانت صورته في جهنم تخايل له من ورائه وهو بعد في الدنيا . فالآن نجدهم هناك ، حيث يتابع السياق خطواته بالرواية الكبرى - رواية البشرية ورسلها - في المشهد الأخير . وهو مشهد من أعجب مشاهد القيامة وأحفلها بالحركة والانفعال والحوار بين الضعفاء والمستكبرين . وبين الشيطان والجميع :
( وبرزوا لله جميعا - فقال الضعفاء للذين استكبروا : إنا كنا لكم تبعا . فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ؟ قالوا ؛ لو هدانا الله لهديناكم . سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص . وقال الشيطان لما قضي الأمر : إن الله وعدكم وعد الحق ، ووعدتكم فأخلفتكم ؛ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي . فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي . إني كفرت بما أشركتمون من قبل . إن الظالمين لهم عذاب أليم . )
( وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها بإذن ربهم ، تحيتهم فيها سلام ) .
لقد انتقلت الرواية . . رواية الدعوة والدعاة ، والمكذبين والطغاة . . انتقلت من مسرح الدنيا إلى مسرح الآخرة :
الطغاة المكذبون وأتباعهم من الضعفاء المستذلين . ومعهم الشيطان . . ثم الذين آمنوا بالرسل وعملوا الصالحات . . برزوا( جميعا )مكشوفين . وهم مكشوفون لله دائما . ولكنهم الساعة يعلمون ويحسون أنهم مكشوفون لا يحجبهم حجاب ، ولا يسترهم ساتر ، ولا يقيهم واق . . برزوا وامتلأت الساحة ورفع الستار ، وبدأ الحوار :
( فقال الضعفاء للذين استكبروا : إنا كنا لكم تبعا . فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ؟ ) . .
والضعفاء هم الضعفاء . هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه ؛ وجعلوا أنفسهم تبعا للمستكبرين والطغاة . ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله . والضعف ليس عذرا ، بل هو الجريمة ؛ فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفا ، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به والعزة لله . وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعا عن نصيبه في الحرية - التي هي ميزته ومناط تكريمه - أو أن ينزل كارها . والقوة المادية - كائنة ما كانت - لا تملك أن تستعبد إنسانا يريد الحرية ، ويستمسك بكرامته الآدمية . فقصارى ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد ، تؤذيه وتعذبه وتكبله وتحبسه . اما الضمير . أما الروح . أما العقل . فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها ، إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال !
من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء تبعا للمستكبرين في العقيدة ، وفي التفكير ، وفي السلوك ؟ من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله ، والله هو خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه ؟ لا أحد . لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة . فهم ضعفاء لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة ، ولا لأنهم أقل جاها أو مالا أو منصبا أو مقاما . . كلا ، إن هذه كلها أعراض خارجية لا تعد بذاتها ضعفا يلحق صفة الضعف بالضعفاء . . إنما هم ضعفاء لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم وفي اعتزازهم بأخص خصائص الإنسان !
إن المستضعفين كثرة ، والطواغيت قلة . فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة ؟ وماذا الذي يخضعها ؟ إنما يخضعها ضعف الروح ، وسقوط الهمة ، وقلة النخوة ، والتنازل الداخلي عن الكرامة التي وهبها الله لبني الإنسان !
إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير . فهي دائما قادرة على الوقوف لهم لو أرادت . فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان !
إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء . . وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة ! !
والأذلاء هنا على مسرح الآخرة في ضعفهم وتبعيتهم للذين استكبروا يسألونهم :
( إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء )? . .
وقد اتبعناكم فانتهينا إلى هذا المصير الأليم ؟ !
أم لعلهم وقد رأوا العذاب يهمون بتأنيب المستكبرين على قيادتهم لهم هذه القيادة ، وتعريضهم إياهم للعذاب ؟ إن السياق يحكي قولهم وعليه طابع الذلة على كل حال !
ويرد الذين استكبروا على ذلك السؤال :
( قالوا : لو هدانا الله لهديناكم ! سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ! ) . .
وهو رد يبدو فيه البرم والضيق :
( لو هدانا الله لهديناكم ) . .
فعلام تلوموننا ونحن وإياكم في طريق واحد إلى مصير واحد ؟ إننا لم نهتد ونضللكم . ولو هدانا الله لقدناكمإلى الهدى معنا ، كما قدناكم حين ضللنا إلى الضلال ! وهم ينسبون هداهم وضلالهم إلى الله . فيعترفون الساعة بقدرته وكانوا من قبل ينكرونه وينكرونها ، ويستطيلون على الضعفاء استطالة من لا يحسب حسابا لقدرة القاهر الجبار . وهم إنما يتهربون من تبعة الضلال والإضلال برجع الأمر لله . . والله لا يأمر بالضلال كما قال سبحانه : إن الله لا يأمر بالفحشاء . . ثم هم يؤنبون الضعفاء من طرف خفي ، فيعلنونهم بأن لاجدوى من الجزع كما أنه لا فائدة من الصبر . فقد حق العذاب ، ولا راد له من صبر أو جزع ، وفات الأوان الذي كان الجزع فيه من العذاب يجدي فيرد الضالين إلى الهدى ؛ وكان الصبر فيه على الشدة يجدي فتدركهم رحمة الله . لقد انتهى كل شيء ، ولم يعد هنالك مفر ولا محيص :
وبرزوا لله جميعا : أي : ظهروا لله جميعا . والمراد : أنهم خرجوا من قبورهم ؛ لحساب الله تعالى وحكمه .
مغنون عنا : أي : دافعون عنا ، يقال : أغنى عنه ؛ إذا دفع عنه الضر ، وأغناه ؛ إذا وصل له النفع .
سواء علينا أجزعنا أم صبرنا : أي : مستو علينا الجزع والصبر ، والجزع : حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده .
محيص : معدل ومهرب ، يقال : حاص عنه يحيص ؛ إذا عدل عنه وحاد إلى جهة الفرار .
{ وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا . . . } .
أي : برزت الخلائق كلها ، برّها وفاجرها ، لله الواحد القهار ، أي : اجتمعوا له في براز من الأرض ، وهو المكان الذي ليس فيه شيء ليستر أحدا ، ومعنى بروزهم لله : ظهورهم من قبورهم للحساب والجزاء ، أمام الله سبحانه وتعالى ، ولما كان هذا البروز أمرا محققا كائنا لا محالة عبر عنه بصيغة الماضي ، كأنه وقع فعلا ودخل في دائرة الوجود .
وهذه على طريقة القرآن الكريم في عرض مشاهد القيامة أمام المشاهد ، كأن الأمر قد وقع فعلا ، فأنت تشاهد الناس جميعا ، قدر برزوا ظاهرين أمام الله ، حيث كانوا في الدنيا يستترون ويختفون خلف الجدران والأماكن ، لكنهم في عرصات القيامة يظهرون بارزين ، لا يستطيعون الاستخفاء ، ولا إخفاء أي شيء ، فقد ورد في الحديث الصحيح : ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا )14 ، فهم حفاة الأقدام ، عراة الأجساد ، غرلا لم تزل قلفتهم بل حشروا كيوم ولدتهم أمهاتهم بدون ختان .
وطريقة العرض هذه تبعث الرهبة في النفوس ، حيث تشاهد المشهد أمامك ، حيث ظهرت الخلائق جميعا ، في مكان بارز أمام الله تعالى ، لا شيء يسترهم ، ولا مكان يختبئون فيه .
{ فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا } .
أي : قال الأتباع الضعفاء في رأيهم وفكرهم ، الذين انقادوا لسادتهم وكبرائهم في الدنيا قال الضعفاء للكبراء والقادة ؛ الذين استكبروا عن عبادة الله واتباع الرسل : { إنا كنا لكم تبعا } . أي : كنا تابعين لكم تأمروننا فنأتمر ، وتنهوننا فننتهي .
{ فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء } . أي : فهل تدفعون عنا اليوم شيئا من ذلك العذاب ، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا في الدنيا ؟ ! .
{ قالوا لو هدانا الله لهديناكم } أي : لو أرشدنا الله إلى طريق الهدى ، وأضاء أنوار بصائرنا ، وأفاض علينا من توفيقه ومعونته ؛ لأرشدناكم ودعوناكم إلى الهدى ، ولكنه لم يهدنا ؛ فضللنا السبيل وأضللناكم معنا ، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، لو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا ! .
{ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص } . أي : ليس لنا مهرب ولا خلاص مما نحن فيه ، إن صبرنا أو جزعنا وتألمنا .
روى : أن أهل النار قال بعضهم لبعض15 : إنما أدرك أهل الجنة منازلهم ؛ بسبب بكائهم وتضرعهم إلى الله ؛ تعالوا نبك ونتضرع إلى الله ، فبكوا وتضرعوا بدون فائدة ، فقالوا : تعالوا ؛ فإنما أدرك أهل الجنة منازلهم بالصبر ، تعالوا نصبر ، فصبروا صبرا طويلا فلم ينفعهم ، فعند ذلك قالوا :
{ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } .
أي : مستو عندنا الجزع والهلع مما نحن فيه ، أو الصبر عليه ، وليس لنا منجي ولا مهرب من هذا المصير المؤلم .
ونرى في الآية جانبا من هوان الضعفاء ، وذلتهم وانكسارهم ، فهم يطلبون وسيلة ما ؛ لتخفيف بعض عذاب الله .
ونجد أيضا حسرة المستكبرين وضعفهم وعجزهم ، وتصريحهم بذلك حين قالوا :
{ لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } . وفي مثل هذه الآية قوله تعالى :
{ وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار* قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد } . ( غافر : 48 ، 47 ) .
ولما ثبت بهذا البرهان قدرته على الإعادة بعد الموت ، عطف على قوله :{ لا يقدرون مما كسبوا على شيء }[ إبراهيم :18 ] قوله - بياناً لهوان البعث عنده وسهولته عليه - : { وبرزوا } أي في ذلك اليوم ، عبر بصيغة المضي الذي وجد وتحقق ، لأن أخبار الملوك يجب تحققها لقدرتهم وغناهم عن الكذب ، فكيف بملك الملوك ! وفيه من هز النفس وروعتها{[44865]} ما ليس في العبارة بالمضارع لمن تأمل المعنى حق التأمل { لله } أي الملك الأعظم { جميعاً } فكانوا{[44866]} بحيث لا يخفى{[44867]} منهم خافية على ما هو متعارفهم{[44868]} ، لأنه لا ساتر لهم ، فإن البروز خروج الشيء عما كان متلبساً به إلى حيث يقع عليه{[44869]} الحس في نفسه ، وبدا لهم من الله{[44870]} ما لم يكونوا يحتسبون من العذاب ، فتقطعت بهم الأسباب { فقال الضعفاء } أي الأتباع من أهل الضلال بسبب علمهم أنهم في القبضة لا ملجأ لهم ، تبكيتاً لرؤسائهم وتوبيخاً{[44871]} ، تصديقاً لقوله تعالى : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين{[44872]} }[ الزخرف :67 ] { للذين استكبروا } أي طلبوا الكبر وادعوه فاستتبعوهم به حتى تكبروا{[44873]} على الرسل وأتباعهم ولم يكن لهم ذلك . { إنا كنا } أي كوناً هو كالجبلة { لكم تبعاً } أي تابعين أو{[44874]} ذوي تبع فكنتم سبب ضلالنا ، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين{[44875]} لهم على أباطيلهم { فهل أنتم مغنون } أي دافعون { عنا من عذاب الله } أي الذي له العظمة كلها فلا يطاق انتقامه ، وأبلغوا بعد{[44876]} التبعيض ب " من " الأولى في التقليل ، فقالوا : { من شيء } كأن العذاب كان{[44877]} محتاجاً إلى أخذهم فأغنوه{[44878]} بشيء غيرهم حتى يجاوزهم لو دفعوه عنهم ، فكأنه قيل : إن ذلك لعادة{[44879]} الرؤساء ، فماذا قالوا ؟ فقيل : { قالوا } علماً منهم بأنه لا طاقة لهم على نوع من أنواع التصرف : لا نغني{[44880]} عنكم شيئاً ، بل كل مجزي بما فعل ، علينا إثم ضلالنا{[44881]} في أنفسنا وإضلالنا لكم ، وعليكم{[44882]} ضلالكم وذبكم{[44883]} عنا وتقويتكم لجانبنا حتى استكبرنا فاستغرقنا في الضلال ، ولو أن الله{[44884]} هداكم حتى تبعتم الأدلة التي سمعتموها كما سمعناها وتركتمونا{[44885]} ، لكسر ذلك من شدتنا وأوهى{[44886]} من شوكتنا{[44887]} ، فكان ربما يكون سبباً لهدايتنا كما أنه{[44888]} { لو هدانا الله } أي المستجمع لصفات الكمال { لهديناكم } فكان يكون لنا جزاء{[44889]} اهتدائنا وهدايتنا لكم ، ولكم جزاء اهتدائكم وتقويتكم لنا على ذلك ، ولكنه لم يهدنا فضللنا وكنتم لنا تبعاً فأضللناكم .
ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع ، قالوا : { سواء علينا } أي نحن وأنتم { أجزعنا } والجزع : انزعاج النفس بورود ما يغم { أم صبرنا } لا فائدة لنا{[44890]} في واحد منهما لأن الأمر أطم{[44891]} من ذلك فإنه { ما لنا من محيص } يصلح للمصدر و{[44892]} الزمان والمكان{[44893]} ، أي محيد وزوال عن المكروه على{[44894]} كلا التقديرين ، فلم يبق في الجزاء إلا زيادة العذاب بسوء القالة وانتشار السبة{[44895]} ، وهذا الاستفهام ليس على بابه ، بل المراد به التنبيه على أن حالهم مما ينبغي السؤال عنه وترديد الأمر فيه لينتهي عن مثله .