وفي نهاية هذه الجولة ، ونهاية هذا الدرس ، يعود السياق إلى الترغيب ؛ واستجاشة القلوب ؛ والتلويح للأرواح بالمتاع الحبيب . . متاع الصحبة في الآخرة للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
( ومن يطع الله والرسول ، فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وحسن أولئك رفيقا ! ذلك الفضل من الله ، وكفى بالله عليمًا ) . .
إنها اللمسة التي تستجيش مشاعر كل قلب ، فيه ذرة من خير ؛ وفيه بذرة من صلاح وفيه أثارة من التطلع إلى مقام كريم في صحبة كريمة ، في جوار الله الكريم . . وهذه الصحبة لهذا الرهط العلوي . . إنما هي من فضل الله . فما يبلغ إنسان بعمله وحده وطاعته وحدها أن ينالها . . إنما هو الفضل الواسع الغامر الفائض العميم .
ويحسن هنا أن نعيش لحظات مع صحابة رسول الله [ ص ] وهم يتشوقون إلى صحبته في الآخرة ؛ وفيهم من يبلغ به الوجد ألا يمسك نفسه عند تصور فراقه . . وهو [ ص ] بين ظهرانيهم . فتنزل هذه الآية : فتندي هذا الوجد ؛ وتبل هذه اللهفة . . الوجد النبيل . واللهفة الشفيفة :
قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب السقمي ، عن جعفر بن أبى المغيرة ، عن سعيد بن جبير . قال : جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله [ ص ] وهو محزون . فقال له النبى [ ص ] : " يا فلان . ما لي أراك محزونا ؟ " فقال : يا نبي الله . شيء فكرت فيه . فقال : " ما هو ؟ " قال : نحن نغدو عليك ونروح . ننظر إلى وجهك ، ونجالسك . وغدا ترفع مع النبيين ، فلا نصل إليك . . فلم يرد عليه النبي [ ص ] شيئًا . فأتاه جبريل بهذه الآية : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) . . الآية ، فبعث النبي [ ص ] فبشره .
وقد رواه أبو بكر بن مردويه مرفوعا - بإسناده - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : " جاء رجل إلى النبي [ ص ] فقال : يا رسول الله . إنك أحب إلي من نفسي ، وأحب إلى من أهلي ، وأحب إلي من ولدي . وإني لأكون في البيت ، فأذكرك ، فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك . وإذا ذكرت موتيوموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين ، وإن دخلت الجنة خشيت ألا أراك . فلم يرد عليه النبي [ ص ] حتى نزلت : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) . .
وفي صحيح مسلم من حديث عقل بن زياد ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن كثير ، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ، عن ربيعة بن كعب الأسلمي ، أنه قال : كنت أبيت عند رسول الله [ ص ] فأتيته بوضوئه وحاجته . فقال لي : " سل " . فقلت يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة . فقال : " أو غير ذلك " . قلت : هو ذاك . قال : " فأعني على نفسك بكثرة السجود " .
وفي صحيح البخاري من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله [ ص ] سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ، فقال : " المرء مع من أحب " . . قال أنس : فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث . .
لقد كان الأمر يشغل قلوبهم وأرواحهم . . أمر الصحبة في الآخرة . . وقد ذاقوا طعم الصحبة في الدنيا ! وإنه لأمر يشغل كل قلب ذاق محبة هذا الرسول الكريم . . وفي الحديث الأخير أمل وطمأنينة ونور . . .
أنعم الله عليهم : تفضل الله عليهم بنعمه .
69- وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ .
ومن يعمل بما أمره الله به ورسوله ، ويتجنب ما نهى الله عنه ورسوله ؛ فهو مع الذين أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق في الدنيا والآخرة من أنبيائه ؛ وأتباعهم الذين صدقوهم ، واتبعوا مناهجهم والشهداء في سبيل الله ، والصالحين الذين صلحت سريرتهم وعلانيتهم ونعمت رفقة هؤلاء وصحبتهم وحسن رفيق أولئك الأبرار !
ولما رغب في العمل بمواعظه ، وكان الوعد{[21891]} قد يكون لغلظ في الموعوظ{[21892]} ، وكان ما{[21893]} قدمه في وعظه أمراً مجملاً ؛ رغب بعد ترقيقه بالوعظ{[21894]} في مطلق الطاعة التي المقام كله لها ، مفصلاً{[21895]} إجمال ما وعد{[21896]} عليها فقال : { ومن يطع الله } أي في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره مستحضراً عظمته - طاعة هي على سبيل التجدد والاستمرار { والرسول } أي في كل ما أراده{[21897]} ، فإن منصب الرسالة يقتضي ذلك ، لا سيما من بلغ نهايتها { فأولئك } أي{[21898]} العالو{[21899]} الرتبة العظيمو الشرف { مع الذين أنعم{[21900]} } أي بما له من صفات الجلال والجمال { عليهم } أي معدود من حزبهم{[21901]} ، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو رؤيتهم وصل إليها بسهولة ، لا أنه يلزم أن يكون في درجاتهم وإن كانت اعماله قاصرة . ثم بينهم بقوله : { من النبيين } أي الذين أنبأهم الله بدقائق الحكم ، وأنبؤوا{[21902]} الناس بحلائل الكلم ، بما لهم من طهارة الشيم والعلو والعظم { والصديقين } أي الذين صدقوا أول الناس ما{[21903]} أتاهم عن الله وصدقوا هم في أقوالهم وأفعالهم ، فكانوا قدوة لمن بعدهم { والشهداء } أي الذين لم يغيبوا أصلاً{[21904]} عن حضرات القدس ومواطن الأنس طرفة عين ، بل هم مع الناس بجسومهم ومع الله سبحانه وتعالى بحلومهم وعلومهم{[21905]} سواء شهدوا لدين الله بالحق ، ولسواه بالبطلان بالحجة أو{[21906]} بالسيف ، ثم قتلوا في سبيل{[21907]} الله { والصالحين } أي الذين لا يعتريهم في ظاهر ولا باطن بحول الله فساد أصلاً ، وإلى هذا يشير كلام العارف الشيخ رسلان{[21908]} حيث{[21909]} قال : ما صلحت ما دامت فيك بقية لسواه ، وقد تجتمع الصفات الأربع في شخص وقد لا تجتمع{[21910]} ، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أحق الأمة بالصديقية وإن قلنا : إن علياً وزيداً رضي الله تعالى عنهما أسلما قبله ، لأنه - {[21911]}لكبره وكونه{[21912]} لم يكن قبل الإسلام تابعاً للنبي صلى الله عليه وسلم - كان قدوة لغيره ، ولذلك كان سبباً لإسلام{[21913]} ناس{[21914]} كثير وأولئك كانوا سبباً لإسلام غيرهم ، فكان له مثل أجر الكل ، وكان فيه حين إسلامه قوة الجهاد في الله سبحانه وتعالى بالمدافعة عن النبي صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك من الأفعال الدالة على صدقه ، ولملاحظة هذه الأمور كانت رتبتها تلي رتبة النبوة ، ولرفع{[21915]} الواسطة بينهما وفق{[21916]} الله سبحانه وتعالى هذه الأمة التي اختارها بتولية الصديق رضي الله تعالى عنه بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم ودفنه إلى جانبه ، ومن عظيم رتبتهم تنويه{[21917]} النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره بهم فقال : " مع الرفيق الأعلى " روى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله عنهما قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول " ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة "
وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحّة{[21918]} شديدة ، فسمعته يقول : { مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } فعلمت أنه خيّر .
ولما أخبر أن المطيع مع هؤلاء ، لم يكتف{[21919]} بما أفهم ذكرهم من جلالهم وجلال من معهم ، بل زاد في بيان علو مقامهم ومقام كل من معهم بقوله : { وحسن } أي وما أحسن { أولئك } أي العالو الأخلاق السابقون يوم السباق { رفيقاً * } من الرفق ، وهو لغة : لين الجانب ولطافة الفعل ، وهو مما يستوي واحده{[21920]} وجمعه .