في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (67)

يمضي هذا الدرس في بيان حال أهل الكتاب - من اليهود والنصارى - وكشف الانحراف فيما يعتقدون ، وكشف السوء فيما يصنعون ؛ في تاريخهم كله - وبخاصة اليهود - كما يمضي في تقرير نوع العلاقة بنيهم وب إنه الأمر الجازم الحاسم للرسول [ ص ] أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه كاملا ، وألا يجعل لأي اعتبار من الاعتبارات حسابا وهو يصدع بكلمة الحق . . هذا ، وإلا فما بلغ وما أدى وما قام بواجب الرسالة . . والله يتولى حمايته وعصمته من الناس ، ومن كان الله له عاصما فماذا يملك له العباد المهازيل !

إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تجمجم ! إنها يجب أن تبلغ كاملة فاصلة ؛ وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء ؛ وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل ؛ فإن كلمة الحق في العقيدة لا تملق الأهواء ؛ ولا تراعي مواقع الرغبات ؛ إنما تراعي أن تصدع حتى تصل إلى القلوب في قوة وفي نفاذ . .

وكلمة الحق في العقيدة حين تصدع تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى . . وحين تجمجم لا تلين لها القلوب التي لا استعداد فيها للإيمان ؛ وهي القلوب التي قد يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة !

( إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) . .

وإذن فلتكن كلمة الحق حاسمة فاصلة كاملة شاملة . . والهدى والضلال إنما مناطهما استعداد القلوب وتفتحها ، لا المداهنة ولا الملاطفة على حساب كلمة الحق أو في كلمة الحق !

إن القوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة ، لا يعني الخشونة والفظاظة ؛ فقد أمر الله رسوله [ ص ] أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة - وليس هنالك تعارض ولا اختلاف بين التوجيهات القرآنية المتعددة - والحكمة والموعظة الحسنة لا تجافيان الحسم والفصل في بيان كلمة الحق . فالوسيلة والطريقة إلى التبليغ شيء غير مادة التبليغ وموضوعه . والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في العقيدة ، وعدم اللقاء في منتصف الطريق في الحقيقة ذاتها . فالحقيقة الاعتقادية ليس فيها أنصاف حلول . . ومنذ الأيام الأولى للدعوة كان الرسول [ ص ] يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة في طريقة التبليغ ، وكان يفاصل مفاصلة كاملة في العقيدة ، فكان مأمورا أن يقول : ( يا أيها الكافرون : لا أعبد ما تعبدون . . ) فيصفهم بصفتهم ؛ ويفاصلهم في الأمر ، ولا يقبل أنصاف الحلول التي يعرضونها عليه ، ولا يدهن فيدهنون ، كما يودون ! ولا يقول لهم : إنه لا يطلب إليهم إلا تعديلات خفيفة فيما هم عليه ، بل يقول لهم : إنهم على الباطل المحض ، وإنه على الحق الكامل . . فيصدع بكلمة الحق عالية كاملة فاصلة ، في أسلوب لا خشونة فيه ولا فظاظة . .

وهذا النداء ، وهذا التكليف ، في هذه السورة :

( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته - والله يعصمك من الناس . . إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (67)

المفردات :

يعصمك : يحفظك وينجيك .

التفسير :

67- يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ . . .

وردت روايات في سبب نزول هذه الآية منها : أن رجلا حاول قتل النبي صلى الله عليه وسلم فحال بينه وبين ما يريد ، فأنزل الله تعالى هذه الآية كما ورد في تفسير ابن كثير وأورد الفخر الرازي عشرة أقوال في سبب نزولها ثم قال : واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمل الآية على أن الله تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير ، وما بعدها بكثير لما كان كلاما عن اليهود و النصارى ، امتنع القاء هذه الاية الواحدة على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها . . .

فالآية عامة لتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالمضي في تبليغ رسالته بدون خوف من أعدائه .

لقد ناداه الله بعنوان الرسالة في هذه السورة الكريمة مرتين .

دعاه في الأولى منها إلى عدم الحزن على مسارعة الكفار في إنكار رسالته .

ودعاه في هذه الآية إلى تبليغ جميع ما أنزل عليه من الآيات البينات ؛ لعموم رسالته للبشر أجمعين .

والمعنى : يأيها الرسول الكريم المرسل ، إلى الناس جميعا ، بلغ . أي : أوصل إليهم ما أنزل إليك من ربك . أي : كل ما أنزل إليك من ربك من الأوامر والنواهي والأحكام والآداب والأخبار . . دون أن تخشى أحدا إلا الله .

وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ . وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك من ربك ؛ كنت كمن لم يبلغ شيئا مما أوحاه الله إليه ، لأن ترك بعض الرسالة يعتبر تركا لها كلها ، وتقصيرا في أداء الأمانة ، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أو يقصر في حق الله تعالى .

جاء في الصحيحين أن سائلا سأل الإمام عليا رضي الله عنه : هل عندكم شيء من الوحي إلا ما كان في كتاب الله ؟ فقال : لا والذي فلق الحبو وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن . {[292]} .

وروى البخاري والترمذي : " من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل عليه فقد كذب " {[293]} .

لقد قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . ( الحجر : 9 ) وفيها دلالة على ان الله تعالى تكفل بحفظ كتابه الذي أمر الرسول بتبلغه فبلغه .

قال الزهري- فيما رواه البخاري_ من الله الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم ، وقد شهدت أمته له بتبليغ الرسالة في حجة الوداع ، وقد أدى هذه الشهادة أربعون ألفا حضروا معه حجة الوداع .

وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . أي : بلغ الرسالة والله تعالى- يحفظ من كيد أعدائك ويمنعك من أن تعلق نفسك بشيء من شبهاتهم واعتراضاتهم ، ويصون حياتك من أن يعتدي عليها أحد بالقتل أو الإهلاك .

وهذا لا ينافي ما تعرض له- صلى الله عليه وسلم-من بأساء و ضراء و أذى بدني ، فقد رماه المشركون بالحجارة حتى سالت دماؤه ، و شج وجهه ، و كسرت رباعيته في غزوة أحد ، و المراد بالناس هنا : المشركون و المنافقون و اليهود ومن على شاكلتهم في الكفر و الضلال و العناد .

ولقد تضمنت هذه الجملة الكريمة معجزة كبرى للرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد عصم الله تعالى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من أن يصيبنا قتل أو إهلاك على أيدي الناس مهما دبروا له من مكر وكيد ، لقد نجاه من كيدهم عندما اجتمعوا لقتله في دار الندوة ليلة هجرته إلى المدينة .

ونجاه من كيد اليهود عندما هموا بإلقاء حجر عليه وهو جالس تحت دار من دورهم .

ونجاة من مكرهم عندما وضعت إحدى نسائهم السم في طعام قدم إليه ، إلى غير ذلك من الأحداث التي نجاه الله منها .

وقد أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلا حتى نزلت وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم : " أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله "

إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . تذييل قصد به تعليل عصمته صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت قلبه ، أي : إن الله – تعالى- لا يهدي القوم الكافرين إلى طريق الحق بسبب عنادهم وإيثارهم العمى على الرشد . . . ولا يواصلهم إلى ما يريدون من قتلك ، ومن القضاء على دعوتك بل سينصرك عليهم ويجعل العاقبة لك .


[292]:لا والذي فلق الحب وبرأ النسمة: رواه البخاري في الجهاد (3047) وفي الديات (6915،6903) والترمذي في الديات (1412) والنسائي في القسامة (4735) والدرامي في الديات (2356) وأحمد في مسنده (600) من حديث أبي جحيفة قال قلت لعلي يا أمير المؤمنين هل عندكم سوداء في بيضاء ليس في كتاب الله قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما علمته إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في الصحيفة قلت وما في الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مؤمن بكافر. وقال أبو عيسى حديث على حديث حسن صحيح ورواه مسلم في الإيمان (78) من حديث أبي ذر قال قال على والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلى أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.
[293]:من حدثك أن محمدا صلى الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا: رواه البخاري في تفسير القرآن (2356) وفي التوحيد (7531) ومسلم في الإيمان (177) والترمذي في تفسير القرآن (3278،3068) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب والله يقول{يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك} الآية.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (67)

ولما أتم ذلك سبحانه وعلم منه أن من أريدت{[26872]} سعادته يؤمن ولا بد ، ومن أريدت شقاوته لا يؤمن أصلاً ، ومن أقام ما أنزل عليه{[26873]} سعد ، ومن كفر بشيء منه شقي ، وكان ذلك ربما فتر عن الإبلاغ ، قرن بقوله تعالى{ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر }[ المائدة : 41 ] قولَه حاثاً على الإبلاغ لإسعاد من أريد{[26874]} للسعادة ، وهم الأمة المقتصدة منهم وإن كانوا قليلاً ، وكذا إبلاغ جميع{[26875]} من{[26876]} عداهم : { يا أيها الرسول } أي الذي{[26877]} موضوع أمره البلاغ { بلغ } أي أوصل إلى من أرسلت إليهم { ما أنزل إليك{[26878]} } أي كله { من ربك } أي المحسن إليك بإنزاله غير مراقب أحداً ، ولا خائف شيئاً ، لتعلم ما لم تكن تعلم ، ويهدي{[26879]} على يدك من أراد الله هدايته ، فيكون لك{[26880]} مثل أجره .

ولما كان إبلاغ ما يخالف الأهواء من الشدة على النفوس بمكان لا يعلمه إلا ذوو الهمم العالية والأخلاق الزاكية ، كان المقام شديد الاقتضاء لتأكيد الحث على الإبلاغ ، فدل على ذلك بالاعتراض بين الحال والعامل{[26881]} فيها ، بالتعبير بالفعل الدال على داعية{[26882]} هي الردع{[26883]} بأن قال : { وإن لم تفعل } أي وإن لم تبلغ جميع ذلك ، أو إن لم تعمل به { فما بلغت رسالته } لأن من{[26884]} المعلوم أن ما تقع{[26885]} على كل جزء مما أنزل ، فلو ترك منه حرف واحد صدق نفي البلاغ لما أنزل ، ولأن بعضها ليس بأولى بالإبلاغ من بعض ، فمن أغفل شيئاً منها فكأنه أغفل الكل ، كما أن من لم يؤمن ببعضها لم يؤمن{[26886]} بكلها ، لإدلاء{[26887]} كل{[26888]} منها بما{[26889]} يدليه{[26890]} الآخر ، فكانت لذلك في حكم شيء واحد ، والمعنى : فلنجازينك{[26891]} ، ولكنه كنى بالسبب عن المسبب إجلالاً{[26892]} له صلى الله عليه وسلم وإفادة لأن{[26893]} المؤاخذة تقع{[26894]} على الكل ، لأنه ينتفي بانتفاء الجزء .

ولما تقدم أنهم يسعرون الحروب ، ويسعون في إيقاع أشد الكروب ، وكان ذلك{[26895]} - وإن وعد سبحانه بإخماده عند إيقاده - لا يمنع من تجويز أنه لا يخمد إلا بعد قتل ناس وجراح آخرين ، وكان كأنه قيل : إذا بلغ ذلك وهو ينقّص أديانهم خيف عليه ، قال : { والله } أي بلغ أنت والحال أن الذي أمرك بذلك و{[26896]} هو الملك الأعلى الذي لا كفوء له { يعصمك } أي يمنعك منعاً تاماً { من الناس } أي من أن يقتلوك قبل إتمام البلاغ وظهور الدين ، فلا مانع{[26897]} من إبلاغ{[26898]} شيء منها لأحد من الناس كائناً من كان .

ولما آذن ضمان العصمة بالمخالفة المؤذنة بأن فيهم من لا ينفعه البلاغ فهو لا يؤمن ، فلا يزال يبغي الغوائل . أقر على هذا الفهم بتعليل عدم الإيمان بقوله : { إن الله } أي الذي لا أمر لغيره { لا يهدي القوم الكافرين } أي المطبوع على قلوبهم في علم الله مطابقة لقوله{ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً }[ المائدة : 41 ] ويهدي المؤمنين في علمه{[26899]} المشار إليهم{[26900]} في قوله{[26901]} { ويغفر لمن يشاء } والحاصل أنه تبين{[26902]} من الآية الإرشاد إلى أن لترك{[26903]} البلاغ سببين : أحدهما خوف فوات النفس ، والآخر خوف فوات ثمرة الدعاء ، فنفي الأول بضمان العصمة ، والثاني بختام الآية ، أي ليس عليك إلاّ البلاغ ، فلا يحزنك من لا يقبل ، فليس إعراضه لقصور في إبلاغك ولا حظك ، بل لقصور{[26904]} إدراكه وحظه لأن الله حتم بكفره وختم على قلبه لما علم من فساد طبعه ، والله لا يهدي مثله ، وتلخيصه : بلغ ، فمن أجابك ممن{[26905]} أشير إليه - فيما سلف من غير الكثير الذين يزيدهم ما أنزل إليك عمى على عماهم ومن الأمة المقتصدة وغيرهم - فهو حظه في الدنيا والآخرة ، ومن أبى فلا يحزنك أمره ، لأن الله هو الذي أراد ضلاله . فالتقدير : بلغ ، فليس عليك إلاّ البلاغ ، وإلى الله الهدى والضلال ، إن الله لا يهدي القوم الكافرين ويهدي القوم المؤمنين ، أو{[26906]} فإذا بلغت هدى بك{[26907]} ربُك من أراد إيمانه ، ليكتب لك مثل أجرهم ، وأضل من شاء كفرانه ، ولا يكون عليك{[26908]} شيء من وزرهم{[26909]} ، إن الله لا يهدي القوم الكافرين ، والمعنى كما تقدم : يعصمك{[26910]} من أن ينالوك بما يمنعك من الإبلاغ حتى يتم دينك ويظهر{[26911]} على الدين كله كما وعدتك ، وعلى مثل هذا دل كلام إمامنا الشافعي رحمه الله ، قال في الجزء الثالث من الأم : ويقال - والله أعلم : إن أول ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم اقرأ باسم ربك الذي خلق }[ العلق : 1 ] ثم أنزل{[26912]} عليه بعدها ما لم يؤمر{[26913]} فيه بأن يدعو إليه المشركين ، فمرت لذلك مدة ، ثم يقال : أتاه جبريل عليه السلام عن الله عز وجل بأن يعلمهم نزول الوحي عليه{[26914]} ويدعوهم إلى الإيمان . فكبر ذلك عليه وخاف التكذيب وأن يُتَناول ، فنزل عليه{[26915]} { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالتك والله يعصمك من الناس } [ المائدة : 67 ] : من قبلهم{[26916]} أن{[26917]} يقتلوك حتى تبلغ{[26918]} ما أنزل إليك - انتهى{[26919]} . ولقد وفى سبحانه بما ضمن ومن أوفى منه وعداً وأصدق قيلاً ! فلما أتم الدين وأرغم أنوف المشركين ، أنفذ فيه السم الذي تناوله{[26920]} بخيبر قبل سنين فتوفاه{[26921]} شهيداً كما أحياه سعيداً{[26922]} ؛ روى الشيخان : البخاري في الهبة ، ومسلم في الطب ، وأبو داود في الديات عن أنس بن مالك رضي الله عنه " أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها ، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت : أردت لأقتلك ، فقال : ما كان الله ليسلطك{[26923]} على ذلك - أو قال : عليّ -{[26924]} فقالوا : ألا تقتلها{[26925]} ؟ قال : لا{[26926]} ، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال أبو داود : هي أخت مرحب اليهودي ، قال الحافظ عبد العظيم المنذري في مختصر سنن أبو داود : وذكره غيره أنها بنت أخي مرحب أن اسمها زينب بنت الحارث ، وذكر الزهري أنها أسلمت ، ولأبي داود والدارمي - وهذا لفظه - عن أبي سلمة - وهو ابن عبد الرحمن بن عوف - قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الهدية ولا يقبل الصدقة ، فأهدت له{[26927]} امرأة من يهود خيبر شاة مصلية فتناول منها ، وتناول منها{[26928]} بشر بن البراء ، ثم رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده ثم قال : إن هذه تخبرني أنها مسمومة ، فمات بشر بن البراء رضي الله عنه ، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال{[26929]} : ما حملك على ما صنعت ؟ فقالت : إن كنت نبياً لم يضرك شيء{[26930]} ، وإن كنت{[26931]} ملكاً أرحت الناس منك ، قال أبو داود : فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت{[26932]} . زاد الدارمي : فقال في مرضه : ما زلت{[26933]} من الأكلة التي أكلت بخيبر ، فهذا أوان{[26934]} انقطاع أبهري " وهذا مرسل . قال البيهقي : ورويناه عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو{[26935]} عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال البيهقي : و{[26936]} يحتمل أنه لم يقتلها في{[26937]} الابتداء ، ثم لما مات بشر أمر{[26938]} بقتلها . وقصة هذه الشاة عن أبي هريرة رواها البخاري في الجزية والمغازي والطب ، والدارمي في أول المسند بغير هذا السياق - كما مضى في البقرة في قوله تعالى وقالوا لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة{[26939]} }[ البقرة : 80 ] وقد مضى في أول هذه السورة عند قوله{ فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين }[ المائدة : 13 ] شيء منه . ولأبي داود{[26940]} والدارمي عن ابن شهاب قال : " كان جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، {[26941]} فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها ، وأكل رهط من أصحابه معه ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم{[26942]} : ارفعوا أيديكم ، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها ، فقال لها{[26943]} : أسممت هذه الشاة ؟ قالت اليهودية من أخبرك ؟ قال : أخبرتني هذه في يدي - للذراع ، قالت : نعم ، قال : فما أردت ؟ قالت : قلت : إن كان نبياً فلن يضره ، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه ، فعفا عنها{[26944]} رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها ، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة ، واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة ، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة{[26945]} ، وهو مولى لبني بياضة من الأنصار " قال الدارمي : وهو من بني ثمامة - وهم{[26946]} حي من الأنصار ، قال المنذري : وهذا منقطع ، الزهري لم يسمع من جابر بن عبد الله ، وفي غزوة خيبر من تهذيب السيرة لابن هشام : " فلما اطمأن{[26947]} رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارثة امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية وقد سألت : أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها : الذراع ، فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة ، ثم جاءت بها ، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها{[26948]} ، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما بشر فأساغها ، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ، ثم قال : إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم ، ثم دعاها{[26949]} فاعترفت ، فقال : ما حملك على ذلك ؟ قالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك ، فقلت : إن كان ملكاً استرحت منه ، وإن كان نبياً فسيخبر{[26950]} ، فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومات بْشر من أكلته التي أكل " وذكر موسى بن عقبة أن بشراً{[26951]} رضي الله عنه لم يسغ{[26952]} لقمته{[26953]} حتى أساغ النبي صلى الله عليه وسلم لقمته{[26954]} وقال بعد أن أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم : والذي أكرمك ! لقد وجدت ذلك في أكلتي التي{[26955]} أكلت ، فما منعني أن ألفظها إلاّ أني أعظمت أن أنغصك طعامك ، فلما أسغت ما في فيك لم أكن لأرغب بنفسي{[26956]} عن نفسك .

ونقلتُ من خط شيخنا حافظ عصره أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر الكناني الشافعي{[26957]} ما نصه : وأخرج الحافظ أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور ، وأبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في معجمه الكبير من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل من هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها للشاة التي أهديت له بخيبر " . قال شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي : رجاله ثقات ، قلت : وذكر محمد بن إسحاق في السيرة الكبرى وكذلك الواقدي في المغازي - انتهى . وقال ابن إسحاق : وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي{[26958]} فيه ودخلت عليه أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده : يا أم بشر ! إن هذا الأوان{[26959]} وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت{[26960]} مع أخيك بخيبر " ، قال : فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيداً مع ما أكرمه الله به من النبوة . ولابن ماجه في الطب عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : لا يزال{[26961]} ، يصيبك في{[26962]} كل عام وجع من الشاة المسمومة التي أكلت ، قال : ما أصابني شيء منها إلاّ وهو مكتوب عليَّ وآدم في طينته " وللبخاري في آخر المغازي عن عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي مات فيه : يا عائشة ! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر ، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم " قال ابن فارس في المجمل : الأبهر عرق مستبطن الصلب ، والقلب متصل به ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " هذا أوان قطعت أبهري " وعبارة المحكم : عرق في الظهر ، يقال : هو الوريد في العنق ، وبعضهم يجعله عرقاً مستبطن الصلب وقال ثابت بن عبد العزيز{[26963]} في كتاب خلق الإنسان : وفي الصلب الوتين ، وهو عرق أبيض غليظ كأنه قصبة ، وفي الصلب الأبهر والأبيض وهما عرقان ، وقال الزبيدي{[26964]} في مختصر العين : والأبهران عرقان مكتنفاً الصلب ، وقيل : هما الأكحلان . وقال الفيروزآبادي في قاموسه : والأبهر : الظهر وعرق فيه ووريد العنق والأكحل والكلية ، والوتين : عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه . وقال ابن الفرات في الوفاة من السيرة من تاريخه : قال الحربي : العرق{[26965]} في الظهر يسمى الأبهر ، وفي اليد الأكحل ، وفي العنق الوريد ، وفي الفخذ النسا ، وفي الساق الأبجل ، وفي العين الشأن ، وهو عرق واحد ، كله يسمى الجدول . وقال ابن كيسان أيضاً : هو الوتين في القلب والصافن .

وقال الإمام أبو غالب ابن التياني{[26966]} الأندلسي في كتابه الموعب : إسماعيل بو حاتم : الأبهر عرق{[26967]} في الظهر ، يقال : هو الوريد في العنق ، ثم{[26968]} قال : والأبهر عرق{[26969]} مستبطن المتن{[26970]} ؛ الأصمعي : وفي الصلب الأبهر وهو عرق ؛ صاحب العين : الأبهران الأكحلان ، ويقال : هما عرقان مكتنفا الصلب من جانبيه{[26971]} . و{[26972]} قال صلى الله عليه وسلم : " ما زالت أكلة خيبر تعادّني{[26973]} كل عام فالآن حين قطعت أبهري " يعني عرقي ، ويقال : الأبهر عرق مستبطن الصلب ، وإذا انقطع فلا حياة بعده . و{[26974]} هذا اللفظ الذي ذكره رواه البخاري والطبراني عن عائشة رضي الله عنها . ومعنى تعادّني{[26975]} : تناظرني وتخالفني ، من العديد بمعنى الند الذي هو المثل المضاد والمنافر ، أي إني كلما زدت في جسمي صحة{[26976]} ، نقصته بما لها من الضر والأذى .


[26872]:في ظ: أريد.
[26873]:في ظ: إليه.
[26874]:في ظ: يريد.
[26875]:زيد من ظ
[26876]:في ظ: ما.
[26877]:زيد من ظ.
[26878]:من ظ والقرآن الكريم، وفي الأصل: إليكم.
[26879]:في ظ: تهدي.
[26880]:ف ظ: ذلك.
[26881]:في ظ: الحاصل.
[26882]:في ظ: من الموقع.
[26883]:في ظ: من الموقع.
[26884]:زيد من ظ.
[26885]:في ظ: يقع.
[26886]:زيد من ظ.
[26887]:في ظ: الإدلاء.
[26888]:في ظ: منه إنما.
[26889]:من ظ، منه إنما.
[26890]:من ظ، وفي الأصل: يليه.
[26891]:من ظ، وفي الأصل: فلنجازينكم.
[26892]:سقط من ظ.
[26893]:من ظ، وفي الأصل: أجلا- كذا.
[26894]:في ظ: يقع.
[26895]:سقط من ظ.
[26896]:سقط من ظ.
[26897]:من ظ، وفي الأصل: لإبلاغ.
[26898]:ن ظ، وفي الأصل: لإبلاغ.
[26899]:من ظ، وفي الأصل: علمهم.
[26900]:في ظ: بقوله.
[26901]:في ظ: بقوله.
[26902]:من ظ، وفي الأصل: بين.
[26903]:في ظ: الترك.
[26904]:في ظ: القصور.
[26905]:زيد من ظ.
[26906]:سقط من ظ.
[26907]:سقط من ظ.
[26908]:سقط من ظ.
[26909]:في ظ: ودهم.
[26910]:سقط من ظ.
[26911]:في ظ: تظهر.
[26912]:سقط من ظ.
[26913]:سقط من ظ.
[26914]:سقط من ظ.
[26915]:سقط من ظ.
[26916]:من ظ، وفي الأصل: قتلهم، وزيد قبله في ظ: فقال يعصمك.
[26917]:ف ظ: يقبلون حتى يبلغ.
[26918]:في ظ: يقبلون حتى يبلغ.
[26919]:سقط من ظ.
[26920]:في ظ: تناله.
[26921]:من ظ، وفي الأصل: فتوفا.
[26922]:في ظ: سعيد.
[26923]:من ظ وسنن أبي داود وصحيح مسلم، وفي الأصل: ليسلط.
[26924]:في ظ: قال لا تقتلها.
[26925]:في ظ: قال لا تقتلها.
[26926]:سقط من ظ.
[26927]:زيد من ظ وسنن الدارمي- باب ما أكرم الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من كلام الموتى.
[26928]:زيد من السنن.
[26929]:ليس في السنن.
[26930]:زيد من السنن.
[26931]:زيد من ظ وسنن الدارمي- باب ما أكرم الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من كلام الموتى.
[26932]:من سنن أبي داود- كتاب الديات، وفي الأصل و ظ: فقلت.
[26933]:في ظ: ما زالت.
[26934]:سقط من ظ.
[26935]:في الأصل: عمر، والتصحيح من ظ والتهذيب: هو محمد بن عمرو وبن علقمة بن وقاص الليثي.
[26936]:زد من ظ.
[26937]:في ظ: فمن.
[26938]:سقط من ظ.
[26939]:آية 80.
[26940]:واللفظ له.
[26941]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26942]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26943]:سقط من ظ.
[26944]:من سنن أبي داود- كتاب الديات، وفي الأصل و ظ: عنه.
[26945]:في ظ: السفرة.
[26946]:زيد من مقدمة سنن الدارمي، وزيد موضعه في ظ: وهي.
[26947]:من ظ والسيرة 2/189، وفي الأصل: أطال- كذا.
[26948]:في ظ: فلم تسعها.
[26949]:في السيرة: دعا بها.
[26950]:في ظ: فيستخبر.
[26951]:في ظ: بشر.
[26952]:من ظ، وفي الأصل: لم يسوغ.
[26953]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26954]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26955]:زيدد من ظ.
[26956]:في ظ: نفسي.
[26957]:سقط من ظ.
[26958]:في ظ: مات.
[26959]:من ظ وسيرة ابن هشام 2/189، وفي الأصل: لاوان.
[26960]:سقط من ظ.
[26961]:من ظ وسنن ابن ماجه، وفي الأصل: لا يزل.
[26962]:زيد من السنن.
[26963]:وهو المشهور بثابت بن أبي ثابت أبي محمد اللغوي، واختلف في اسم أبيه فذكر في إنباه الرواة 1/261: واسم أبيه أبي ثابت سعيد، وقيل: محمد؛ وقال في التعليق عليه: زاد في إشارة التعيين " وقيل: عبد العزيز، وهو الصحيح".
[26964]:هو أبي بكر محمد بن الحسن بن مدحج الندلسي، واسم مختصره: الاستدراك على كتاب اعين.
[26965]:سقط من ظ.
[26966]:من إنباه الرواة 1/259، وفي الأصل: التيالي، وف ظ: البيالي- كذا. وهو تمام بن غالب اللغوي.
[26967]:في ظ: عناق.
[26968]:سقط من ظ.
[26969]:في ظ: عناق.
[26970]:في ظ: المتين.
[26971]:في ظ: جانبه.
[26972]:سقط من ظ.
[26973]:في ظ: تعادلني، وفي لسان العرب: تعاودني.
[26974]:سقط من ظ.
[26975]:في ظ: تعادلني، وفي لسان العرب: تعاودني.
[26976]:سقط من ظ.